تشريع زراعة الحشيشة يحتاج إلى دولة غير موجودة

سركيس نعوم
02082018
النهار

تعليقاً على مقالة “تشريع الحشيشة…” التي نشرتُ في “الموقف هذا النهار” قبل يومين، تلقّيت “إيميلاً” تحليليّاً بالانكليزيّة للموضوع يتميّز بالعمق وبمعرفة كاتبه لبنان و”شعوبه” وضعف دولته. شخصٌ لا أعرفه هو الدكتور نجيب القاضي اعتاد منذ أشهر التعليق على مقالات لي بواسطة الانترنت تُعالج قضايا لها علاقة بالمنطقة والأدوار الدوليّة والإقليميّة فيها. وتعليقاته دلّت على مُتابعة جيّدة وعلى اطّلاع وافر رغم أنّني لم أوافق عليها كلّها. لكن عندما قرأت تعليقه على “تشريع الحشيشة” وجدت نفسي متّفقاً معه، وقرّرت نشره اليوم بهدف دعوة الجميع إلى التفكير عميقاً في الموضوع، ليس من أجل التحريض على فكرته التي قد تصبح قانوناً في سرعة رفعاً لضغط الناس على الدولة، بل من أجل دفع رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النوّاب وأعضائه ورئيس الحكومة وأعضائها إلى التحسُّب قبل الإقدام على أي خطوة، والإعداد لها جيّداً تلافياً لجعل أخطار الحشيشة المشرّعة زراعتها أكبر من أخطار منع زراعتها وأكثر خطورة.

ماذا قال الدكتور القاضي؟

قال: “كّلما وقعت “النخبة” في مشكلة تبدأ في “تشليح” الدولة المزيد والمزيد من موجوداتها وأصولها الطويلة المدى بهدف تحصيل مكاسب وأرباح قصيرة المدى. مثال على ذلك الكهرباء والبواخر التركيّة التي كلّف استئجارها لتوفير الطاقة الكهربائيّة مبالغ ضخمة بل هائلة من المال في مقابل الحصول على “عائد” جيّد لبعض النخب السياسيّة بدلاً من استثمار هذا المال في حلول طويلة المدى.

الآن أصبح الوضع متفجّراً في البقاع – الهرمل، فأتى أصحاب الرؤوس النخبويّة بحل آخر خلافي ومثير للجدل، إذ يقضي بتشريع أو بقَوْنَنة زراعة “القُنّب” أي الحشيشة من أجل الاستخدام الطبّي، وذلك طبعاً بموافقة شركة “ماكنزي”. وإلّا كيف تستطيع أن تكسب أكثر من مليون دولار أميركي، هذا فضلاً عن إضافتها مزيداً من الصدقية على المشروع.

السماح بزراعة “القّنّب” للاستعمال الطبّي يجلب معه سلسلة من التعقيدات المُترابطة قد لا يكون عدد منها من اختصاص “ماكنزي” بالضرورة بدءاً من الناحية الاجتماعيّة وانتهاء بالناحية الأمنيّة. فمن المنظور الأمني يخلق مجرّد السماح بزراعة “القنّب” وإن للاستعمال الطبّي سابقة إرساء دولة مُنتجة له في صورة رسميّة. وسيكون لذلك تأثير على المستوى (الصعيد) الاجتماعي حيث ستصبح النظرة إلى هذه النبتة أكثر تساهلاً. علماً أن العنصر الأساسي في المعركة ضد انتشار المخدّرات يكمن في “الردع الاجتماعي” المبني أساساً على نظام قِيَم كامل وصارم يصنّفها عيباً أو رذيلة. هذا “الردع الاجتماعي” لا بُدّ أن يتآكل بجعل لبنان رسميّاً مُنتجاً للمخدّرات، بصرف النظر عن النيّات الجيّدة.

نحن لا نستطيع إهمال حقيقة أن استعمال “القنّب” ومخدّرات أخرى مُنتشر فعلاً في لبنان ويجب أن نعيش مع هذه الحقيقة وهي ظاهرة عالميّة. لكن علينا أن نتذكّر في الوقت نفسه أن قِيَمَنا شرقيّة بطبيعتها ومحليّة في نكهتها، ونحتاج إلى حمايتها والمحافظة عليها.

هناك مظهر آخر نقدي وخطِر لتشريع زراعة “القُنّب” نراه إذا نظرنا إليه من زاوية فرض تطبيق القانون والأمن. إذ بالتأكيد يبقى مفهوم إنشاء “ريجي” لتنظيم عمليّة إنتاجه وبيعه مثاليّاً جدّاً. لكن عندما تدخل “المتاهة”  اللبنانيّة ستجد أن فيها ينطبق القول المأثور: الشيطان يكمن في التفاصيل. فهل تستطيع كل “ريجيّات” العالم أن تقاوم نفوذ الأحزاب السياسيّة وتحكّمها أو ضبطها؟ هل تستطيع أي “ريجي” أن تتحدّى حكم “الجريمة المنظّمة”، وبعضها يتمتّع بغطاء سياسي، التي تسرق السيارات أساساً وتُعيد بيعها لأصحابها في لبنان؟ الخطر يكمن في أن السياسيّين و”الجريمة المنظّمة” سيريدون ومن دون أي شك أن تكون لهم حصص في هذه “البزنس” تماماً مثل أي مشروع ضخم أو مؤسّسة كبيرة، وستكون النتيجة تجارة مخدّرات أكثر سهولة وتوسّعاً خطيراً لاستعمال المخدّرات ولانتشارها في المدارس اللبنانيّة والمجتمع.

الأخطار أو المجازفات عالية. فاتحادات  المخدرات ستعرض أسعاراً أعلى للمُنتَج، ونظراً إلى علاقاتها الحالية مع المزارعين سيتمكّن بعضها على الأرجح من الاحتفاظ بعلاقة حميمة وسريّة، الأمر الذي يزيد خطر احتمال التعاون وخصوصاً عندما يصبح الانتاج أكثر سهولة. إلى ذلك فإن الرؤية هي زيادة حجم الأراضي المزروعة بـ”القنّب”، وسيؤدّي ذلك أيضاً إلى إنتاج أكبر مما يعني كمّيات كبيرة وصعوبة ضبطها أو كبحها وطرقاً أكبر لإيصال المخدّرات إلى “اتحاداتها”.

هذه بعض أخطار مشروع تشريع زراعة الحشيشة أو “القنّب”. وفي بلد كلبنان حيث نسبة الفساد هي من الأعلى في العالم فإن أي مشروع مثل زراعة الحشيشة أو تشريعها يمكن أن يتحوّل كارثة، وخصوصاً بـ”إدارة” أصحاب الأيادي الضالّة وغير الصالحة. وقد يكون ذلك مثل استعمال الدبّ لإبعاد حشرة أو “برغشة” عن وجه رجل. في النهاية لا حلول حقيقيّة في هذا البلد ما دامت كامنة في نخبة سياسيّة كالتي فيه”.

ولعلّ في ما رآه الرئيس نبيه برّي خلال “فرصته” القصيرة في إيطاليا إضاءة على الأخطار التي أشار إليها الدكتور القاضي. إذ ذهب قبل يوم من عودته إلى لبنان في جولة على بعض الصيدليّات للاطلاع على جديدها من الأدوية والفيتامينات فلفتت نظره صورة ورقة “حشيشة” على علبة صغيرة. سأل: ما هذه؟ حشيشة لبنانيّة أجاب الصيدلي. سأل ثانية: لماذا تستعمل؟ لـ”الزهزهة”  أجاب. سأل ثالثة: ما ثمنها؟ خمسة أورو كان الجواب. ويُمكن شراؤها من دون وصفة طبيّة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*