تشرشل وأورويل: الزعيم الكاتب والكاتب الزعيم

|

ويليامسون موراي

     المصدر: ترجمة نسرين ناضر

يشرح توم ريكس، في الفصل الاستهلالي من كتابه الجديد “تشرشل وأورويل، النضال من أجل الحرية” (مطبعة بنغوين، 2017)، لماذا وقع اختياره على هذين الرجلَين العظيمين كي يكونا محور كتابه: “في تلك المرحلة، عندما تخلّى عدد كبير من أقرانهم عن الديموقراطية لأنهم اعتبروها فاشلة، لم يفقد أيٌّ منهما التركيز على قيمة الفرد في العالم، وكل ما يعنيه ذلك: الحق في الانشقاق عن الأكثرية، وحتى الحق في أن يكون المرء على خطأ على الدوام، والحق في عدم الثقة بقوة الأكثرية”.

لا ينتمي كتاب ريكس الجديد إلى المسار المعهود الذي خطّه لنفسه في كتاباته، والذي يقوم على التدقيق في الجيش الأميركي، مع التركيز في شكل خاص على أدائه تحت وطأة الضغوط الهائلة للقتال. بدلاً من ذلك، اختار تسليط الضوء على اثنَين من الشخصيات الأدبية الكبرى في القرن العشرين، وينستون تشرشل وجورج أورويل. مما لا شك فيه أن اسم تشرشل لمع بصفته رجل دولة، لكنه حاز أيضاً على جائزة نوبل للآداب. ربما كان أورويل ليفوز بجائزة نوبل أيضاً، لكنه توفّي بعيد صدور رائعته الأدبية، “1984”.

كانت اتجاهاتهما السياسية، ناهيك عن خلفياتهما الاجتماعية، مختلفة إلى أقصى الحدود. فقد وقف تشرشل، في الجزء الأكبر من حياته السياسية، إلى جانب المحافظين، وكان يتحدّر من إحدى كبريات العائلات النبيلة في بريطانيا. أما أورويل فانتمى إلى اليسار، وأحياناً إلى أقصى اليسار، طوال مسيرته السياسية. التحق بجامعة إيتون، إنما كطالب حائز على منحة دراسية. في موقفه من زملائه في الصف، لا شك في أنه لم يكن يعتبر نفسه على الإطلاق جزءاً من النخبة البريطانية.

كيف استطاع ريكس أن يجمع تشرشل وأورويل معاً، في حين أنهما يبدوان على طرفَي نقيض؟ بالنسبة إلى عدد كبير من المراقبين، الرابط الظاهري الوحيد بينهما هو أن كلَيهما كانا كاتبَين. غير أن ريكس يركّز على واقع أنهما كانا مدافعَين عظيمين عن حرية الإنسان، مع العلم بأنه ربما لم يكن تشرشل مدافعاً إلى هذه الدرجة عن حرية الإنسان في علاقاته مع الشعوب المختلفة في الأراضي التي كانت خاضعة للأمبراطورية البريطانية العظمى.

غير أن النقطة الأساسية هنا هي أنه في الأيام الحالكة في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، عندما تعرّضت الحرية بمختلف أوجهها لهجوم شديد من اليمين واليسار على السواء، تمسّك الرجلان بموقفهما المدافع عنها. في نهاية المطاف، أدّيا أدواراً محورية في هزم موجة الغباء المتعنّت التي قادها عدد كبير من الأشخاص الذين رفضوا الإقرار بالتهديد المنقطع النظير الذي شكّله ستالين وهتلر لحريات الإنسان الأكثر جوهرية، ناهيك عن الشر الذي جسّده النظامان المذكوران وأمعنا في ممارسته منذ ظهورهما حتى زوالهما. كما يقول ريكس، مصدر القوة الأكبر لدى هذين الرجلَين كان استعدادهما لسلوك اتجاه سياسي مغاير عن المعتقدات السائدة على الرغم من أن عدداً كبيراً من أصدقائهما وزملائهما كان على يقين من أن المستقبل الصحيح هو في مكان آخر. يسلّط ريكس الضوء على الشجاعة الأخلاقية التي كانا يتحلّيان بها. في الثلاثينات، رفضت النخبة السياسية في بريطانيا الإقرار بالتهديد المروّع الذي كانت تشكّله ألمانيا النازية على المستويَين الاستراتيجي والأخلاقي. وفي النقاش الكبير الذي حصل لاحقاً في مؤتمر ميونخ، عندما كان الجميع تقريباً في مجلس العموم يحيّي رئيس الوزراء نفيل شامبرلين لأنه عمل على تجنّب الحرب، كان تشرشل الوحيد الذي أطلق تحذيراً لاذعاً وبليغاً حول ما تخلّت عنه بريطانيا لصالح هتلر. فقد أعلن أمام مجلس العموم خلال المداولات حول قيام شامبرلين بتسليم تشيكوسلوفاكيا إلى هتلر: “إنها الرشفة الأولى وحسب، الجرعة الأولى في كأس مر”. رفض معظم أعضاء البرلمان كلامه، وقاطعوا خطابه مراراً وتكراراً بتعليقات تنم عن ازدراء لما يقوله.

قال كلاوزفيتز عن ماكيافيلي: “السبب وراء عدم شعبيته هو ميله إلى تسمية الأشياء بأسمائها”. من الواضح أن الأمر نفسه ينطبق على تشرشل وأورويل. أخبر تشرشل ذات مرة طلاب مدرسة هارو عن أشهره الأولى في رئاسة الوزراء عندما واجهت بريطانيا جبروت ألمانيا النازية الذي بدا وكأنه لا يُقهَر، وعندما أراد عدد كبير من كبار السياسيين في البلاد الاستسلام من أجل الحصول على صفقة “مقبولة” من هتلر. قال تشرشل: “لا تستسلموا أبداً، لا تستسلموا أبداً، أبداً، أبداً، أبداً – لا في الكبائر ولا في الصغائر، ولا في الأمور المهمة ولا التافهة – لا تستسلموا إلا للاقتناعات المبنيّة على الشرف والمنطق. لا تستسلموا أبداً للقوة؛ لا تستسلموا أبداً لجبروت العدو الذي يبدو ساحقاً في الظاهر”.

بالنسبة إلى أورويل، سلّطت تجاربه في إسبانيا الضوء على المسار المخادع والقاتل وغير النزيه الذي رسمه رجال ستالين للعالم. بعدما أصيب أورويل بجروح بالغة على الجبهة (بتنا نعلم أنه كان على قائمة الأشخاص الذين كانت مفوضية الشعب للشؤون الداخلية، أي الشرطة السرية السوفياتية، تطاردهم بدافع التخلص منهم)، عاد إلى بريطانيا لوضع كتابه الرائع الأول، “تحية إلى كتالونيا” . في إسبانيا، تلمّس جيداً الأكاذيب التي طبعت التقارير الإعلامية في تلك الحقبة (لا سيما في الصحف والمجلات): “قرأت تقارير عن معارك عظمى في أماكن لم تكن تشهد قتالاً، ولمست تعتيماً كاملاً على معارك قُتِل فيها مئات الرجال. رأيت جنوداً يُصوَّرون بأنهم جبناء وخونة مع أنهم قاتلوا بشجاعة، وآخرين يُنصَّبون أبطالاً في انتصارات وهمية مع أنهم لم يطلقوا رصاصة واحدة؛ ورأيت صحفاً في لندن تعيد نشر تلك الأكاذيب، ومثقّفين شديدي الحماسة يبنون قصوراً من أوهام على أحداث لم تقع”.

وضع أورويل، في أعوامه الأخيرة، كتابَيه اللذين يُعتبران الأعظم بين مؤلفاته: “مزرعة الحيوانات”  و”1984″. أبدى معظم اليساريين استياء شديداً من تهجّماته غير المباشرة على الشيوعية – والديكتاتوريات بمختلف أشكالها. وابتعد عنه عدد كبير من أصدقائه. غير أن الكتابَين يغوصان عميقاً في صلب استبداد ستالين، وفي صلب الأنظمة الاستبدادية في المستقبل. من هذا المنطلق، أدّيا دوراً في كبح الموجة السياسية للأحزاب المتشدّدة الموالية للستالينية في أوروبا الغربية في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. كان أورويل، للأسف، قد توفّي بحلول ذلك الوقت، أي في اللحظة التي بدأت أعماله تحظى فيها بالتقدير الذي تستحقه.

رواية ريكس عن حياة الرجلَين مدعَّمة إلى حد كبير بعدد من الاقتباسات الرائعة التي جمعها في الكتاب والتي تذكّرنا بالمهارة التي يتعامل بها المؤلّفون العظماء مع اللغة الإنكليزية. بالنسبة إلى الطلاب الذين يدرسون النصف الأول من القرن العشرين، سوف يبدو بعض تلك الاقتباسات مألوفاً لهم، أقلّه الاقتباسات المأخوذة من كتابات تشرشل. لكن قراءتها من جديد لا تبعث على الملل بتاتاً. فهذا أشبه بزيارة أصدقاء قدامى وحقيقيين.

لديّ مشكلة واحدة صغيرة مع الكتاب، وهي أن ريكس لم يأتِ على ذكر أعظم ما كتب تشرشل، والمقصود بذلك سيرة حياة أحد أسلافه، دوق مارلبورو، التي انتهى من تأليفها في الثلاثينات – فهذا الكتاب ليس جوهرة أدبية وحسب، بل إنه مليء أيضاً بتعليقات وملاحظات لامعة عن طبيعة الحرب والاستراتيجيا. لا يسعني سوى الشعور بأن كتابة سيرة حياة دوق مارلبورو ساعدت تشرشل على توضيح أفكاره حول طبيعة الحرب والاستراتيجيا. لكنه مجرد انتقاد صغير لكتاب رائع، لا سيما بالنسبة إلى الجيش الأميركي في القرن الحادي والعشرين، والذي سيواجه عددٌ كبير من جنوده المسألة الأخلاقية المتمثّلة في السؤال: متى يجب التكلم جهاراً ضد السياسات والخيارات الخاطئة لمرؤوسيهم ومتى يجب الامتناع عن ذلك؟

مؤرّخ عسكري وأستاذ فخري في جامعة أوهايو ستايت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*