ترويكا صاعدة، دويكا هابطة

جهاد الزين
 15 072017
ا
لنهار

البرلمان الفرنسي. (عن الانترنت)

للمعارضة الفرنسية البرلمانية زعيم لا يملك إلا كتلة هزيلة عدديا في البرلمان هو جان لوك ميلانشون. بالأحرى، لكي نكون دقيقين، الصوتان الأبرز للمعارضة هما الصوتان الأضعف عدديا أي ميلانشون اليساري ومارين لوبن زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية التي بنوابها الثمانية ليس لديها الحق في تشكيل كتلة نيابية (تحتاج إلى 15).

ظاهرة “فرنسا العصيّة” التي يقودها النائب ميلانشون مع كتلة صغيرة من النواب (17 نائباً) تستمر بفرض أسلوب في المعارضة يقوم على الاتكاء على الشارع وصخبه كجزء أساسي بل الأساسي من النضال الاعتراضي الاجتماعي وموضوعه الرئيسي الآن هو مواجهة مشروع تحرير قيود العمل بالنسبة للشركات والمؤسسات وهو المشروع الداخلي الأهم الذي يحمله الرئيس الجديد إيمانويل ماكرون.

هي ظاهرة لا لأنها “يسار جديد” بل لأنها تبني حركتها بعد الوصول ولو المحدود إلى الجمعية الوطنية على زخمِ تفوُّقِ نسبةِ الممتنعين عن التصويت في دورتي الانتخابات التشريعية على المقترعين. هذا يعني بنظر ميلانشون ورفاقه أن الأغلبية المطلقة التي يملكها حزب ماكرون في الجمعية الوطنية تفتقد إلى الشرعية الشعبية المتمثلة بنسبة الممتنعين والبالغة 56,6 بالماية. وفي الحقيقة هذا رأي معلقين من اتجاهات مختلفة يمينية وليبرالية وليس فقط يسارية.

ليس التظاهر والاعتصام هما هذا الجديد إذن، بل التفاعل بين الشارع والصوت البرلماني بقيادة الشارع هو الجديد.

مساء الأربعاء المنصرم تجمّع ألفا شخص في ساحة الجمهورية  في باريس، بينهم جميع نواب “فرنسا العصية” “لا فرانس انسوميز” وأحد نواب الحزب الاشتراكي الذي جاء حسب “الفيغارو” ليراقب مسار التظاهرة من موقع صداقته لميلانشون وهو ما يعكس حالة فقدان المبادرة المستمر للحزب الاشتراكي الفرنسي. تعنينا خارج فرنسا هذه الظاهرة أولا من زاوية مراقبة ما تستطيع أن تفعله الشرعية الشارعية في مواجهة الشرعية البرلمانية إذا تعارضتا في خيارات كبرى. وفي لبنان تحديدا، رغم الاختلاف العميق في البنية الديموقراطية الفرنسية عن البنية “اللاديموقرطية الطائفية” اللبنانية، شهدنا العديد من الحالات المتعارضة التي انتهت دوما لصالح شرعية النظام أو لصالح شرعية “لاشرعية” التركيبة المؤسساتية الزبائنية.

يجوز السؤال بالنسبة لنا كلبنانيين: هل جان لوك ميلانشون (وهو خطيب لامع ودقيق ومؤثِّر رغم راديكاليته) هو حالة صاعدة احتجاجية، أي هو القوة الصاعدة في السياسة الفرنسية وفي التأثير على الخيارات الداخلية أم هو، إذا شئنا لبننة التشابيه، حنا غريب أو نعمة محفوض آخر أو حتى مروان معلوف آخر من حيث فقدان تأثير الشارع على القرار السياسي؟

المختبر عالمي على هذا الصعيد… من حيث معضلة قصور البرلمانات عن تمثيل قوى فاعلة في المجتمع، فلبنان بهذا المعنى هو إحدى حالات تناقض البرلمان مع الشارع أو بشكل أعمق تناقض الانتخابات مع الشارع؟ لأن ذلك، بمعزل عن اختلاف البنى السياسية، هو إحدى ظواهر العولمة.

رغم السقوط الأخلاقي المريع لأيقونتي اليسار البرازيلي دي لولا وروسييف في قضايا فساد فإن الوجوه الألمع حاليا في ثلاث دول رئيسية في الغرب والأكثر احتراما تقف على اليسار: هي بريطانيا حيث زعيم حزب العمال جيمي كوربن والولايات المتحدة حيث السيناتور بيني ساندرز وفرنسا حيث ميلانشون. مع ملاحظة لابد منها هنا هي أن الدولة التي تسمع أن قاضيا وضع فيها مسؤولاً كبيرا سابقا أو حاليا في السجن أو أسقطه من منصبه هي دولة ذات مستقبل وتتقدم. لذلك البرازيل تتقدم، اسرائيل تتقدم، فرنسا تتقدم وإيطاليا تتقدم. وأنا أذكر هنا دولا معينة لا تزال ذاكرة مكافحة فساد السياسيين حيّةً فيها ولكن كل الدول الغربية على هذا المستوى هي دول متقدمة.

لا أدعو إلى سجن السياسيين طبعا ولا يعني أن تكون سياسيا أنك بالضرورة تستحق السجن. هذه مراهقة. فهذه المهنة يمكن أن تكون الأكثر تشريفاً. ولكن سَمِ لي إسم دولة يدخل فيها مسؤول سياسي إلى السجن بحكم قضائي (وليس بانقلاب عسكري) أقل لك هذه دولة لها مستقبل. على كل حال قضاة البرازيل أو قضاة من البرازيل ينضمون إلى السمعة الحسنة والمستقلة التي لقضاة من إيطاليا غيَّروا النظام السياسي في تسعينات القرن العشرين. فجاء برلسكوني ولكنه انتهى معزولاً ومدانا.

كنتُ أقول دائما إن القضاء اللبناني لا تاريخ سياسيا له أي لا تاريخ اعتراضيا له في السياسة رغم الكثير من إرثه المحترم في المجال الفقهي.

في تجربة القرن العشرين لا يُصنعُ التغيير إلا عبر أربع وسائل: الثورة أو الانقلاب العسكري والاثنان لا ضمان ديموقراطيا في أي منهما أو عبر الانتخابات أو القضاء… المستقل طبعاً وهما ضمانتان للديموقراطية.

أين يقع لبنان من ذلك في القرن الحادي والعشرين؟ الأدق: أين لا يقع لبنان من ذلك؟

¶ راجع مقال جهاد الزين الثلاثاء 11-7-2017 عن كتاب سيمون تورمي: “نهاية السياسات التمثيلية”.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*