تركيا تنضم إلى نادي احتلالات سوريا

 


صبحي حديدي
Jan 27, 2018
القدس العربي

الذين فوجئوا بالاختراق التركي في عمق الأراضي السورية، على امتداد منطقة عفرين أوّلاً، ونحو منبج لاحقاً كما يتردد؛ يتجاهلون حقيقة ماثلة للعيان منذ عقود، وأغراضها الجيو ـ سياسية تسبق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حزب «العدالة والتنمية»، لأنها إنما ترتدّ إلى جذور أتاتوركية، وتتطابق استطراداً مع عقائد الأحزاب التركية القومية ومختلف قوى المعارضة التركية باستثناء المجموعات الكردية.
تلك الحقيقة هي الرفض القاطع، المسلّح بخيار القوّة العسكرية حين يلزم الأمر، لأيّ مشروع يمكن أن يفضي إلى كيان كردي، أياً كانت سوية انفصاله عن تكوين المنطقة الجغرافي وتشكيلها الحدودي الراهن، وأياَ كانت درجة استقلاله أو تمتعه بأيّ مستوى من الحكم أو الإدارة الذاتية. وفي تركيا على وجه الخصوص، أكثر من سوريا والعراق وإيران، يكتسب هذا النزاع مع الكرد صفة المسألة الوجودية، القومية بامتياز؛ ولتي استوجبت، وتستوجب، اضطهاد المواطنين الكرد وحجب الكثير من حقوقهم السياسية والثقافية.
بهذا المعنى فإنّ التدخل العسكري التركي المباشر لتفكيك شبكة «روج آفا»، بوصفها مشروع كيان كردي جنيني يمكن أن يتطوّر إلى صيغة سياسية وإدارية أرقى، حتى إذا كانت خيوطها لم تنعقد تماماً، لم يكن احتمالاً مرجحاً بقدر ما ظلّ خياراً وشيكاً لا يعيق أنقرة عن تنفيذه إلا نضج الظروف الملائمة والسياقات المريحة؛ في بلد يشهد احتدام التنافس بين مصالح، وجيوش وميليشيات وقواعد، ثلاث قوى إقليمية ودولية كبرى، روسيا وأمريكا وإيران، إلى جانب تركيا ذاتها.
ومن الواضح أنّ عوامل كثيرة مواتية قد نضجت مؤخراً على نحو يسوّغ انطلاق الخيار العسكري: الداخل التركي مهيّأ، بالنظر إلى النفور الشعبي من الممارسات العنفية التي طبعت سلوك حزب العمال الكردستاني، والكاريزما الشخصية (العثمانية ـ الإنكشارية، في بعض جوهرها) التي يتمتع بها أردوغان؛ وموسكو سعيدة بدقّ إسفين إضافي بين تركيا والولايات المتحدة، فضلاً عن الحلف الأطلسي؛ وطهران تعتبر أنّ الجيش التركي يقوم ببعض مهامها، لجهة وأد مطامح الكرد هنا كي يسمع أخوتهم الكرد في إيران؛ وواشنطن لا تملك سياسة متكاملة في الملفّ السوري أصلاً، وما يغريها في التعامل مع الكرد شرق الفرات، لا ينطبق بالضرورة على الكرد غرب النهر؛ وأمّا الكرد، أياً كانت القوّة الدولية أو الإقليمية التي تعاضدهم أو تناهضهم، فقد ظلوا عرضة للغدر والخيانة والتحالفات قصيرة النظر، طيلة قرون!
وهكذا فإنّ الاختراق التركي الراهن لا صفة أخرى له سوى الاحتلال، من جانب قوّة أجنبية، تسعى إلى خدمة مصالحها عن طريق فرض أمر واقع على الأرض، أداته العمل العسكري. وهو، في هذا التعريف البسيط، يستدعي الرفض والإدانة من كلّ وطني سوريّ، عربياً كان أم كردياً؛ خاصة إذا توسّعت عملية «غصن الزيتون»، كما يبشّر أردوغان، لتشمل منبج تالياً، ثمّ سائر مناطق الشمال السوري المحاذية للحدود مع تركيا، وصولاً إلى العراق.
لكنه احتلال لا جديد فيه سوى أنه ينضم إلى نادي الاحتلالات في سوريا!
إيران وميليشياتها وقواعدها، خاصة في الضمير والـ»تي فور» والشعيرات وريف حماة وريف دمشق وحوض اليرموك وإزرع؛ وروسيا، في الساحل السوري عموماً، وحميميم وطرطوس خصوصاً؛ وأمريكا، في الرقة ومنبج والرميلان ومناطق انتشار «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات؛ وحزب العمال الكردستاني ـ قيادة جبال قنديل، في عشرات البلدات والقرى والمدن السورية؛ وأخيراً، نظام بشار الأسد، في ما تبقى له من مناطق سيطرة…
وأن يقف امرؤ ضد الاحتلال التركي الوشيك لمنطقة عفرين أو سواها، أمر يقتضي منه اتخاذ الموقف ذاته إزاء كل الاحتلالات، أياً كانت هويتها؛ تضامناً، بصرف النظر عن العرق والدين والمنطقة، مع المواطن السوري الذي كان ويبقى الضحية الأولى لهذا النادي غير المقدس؛ وإحقاقاً لحقّ الكيل بمكيال واحد متوازن، أخلاقياً على الأقلّ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*