ترف كاترين دونوف: حق الرجل في “ملامسة فخذ زميلته”؟

يارا نحلة|الجمعة12/01/2018

Almodon.com

النساء شاركن على مرّ التاريخ ببناء هيكل النظام الذكوري وحراسته
هدف جديد تسجله النساء في مرماهن، مع اجماع كاثرين دونوف و99 امراة أخرى من زميلاتها اللامعات في الأوساط الثقافية الفرنسية، على حق الرجل في “ملامسة فخذ زميلته”، في مكان العمل. وبحقّه في “سرقة قبلة” منها. أو ببساطة بـ”حفّ جسد” بجسد المرأة التي تركب الباص إلى جانبه!

ففي إطار الصحوة الميدياوية للحراك العالمي المندّد بالتحرّش الجنسي، والداعي إلى فضح المتحرّشين، أظهرت الممثلة الفرنسية كاثرين دونوف ترفاً استعراضياً، عبر نشر رسالةٍ مفتوحة للتنديد بحملة “أنا أيضا” الشعبية وتوأمها الفرنسي  (افضح المتحرّش)، وإعلان التأييد عما وصفته وزميلاتها بـ”حق الرجال في قليل من التحرش بالنساء”، معتبرةً أن الحراك النسوي قد تمادى في ظلمه للمتحرشين، واتخذ وجهاً “تطهيرياً” شبيهاً بالتطرّف الديني. فإرسال “الخنازير إلى المسلخ” ليس حلاً برأيها، ومعاقبة المتحرّشين على سلوكٍ غير لائق مارسوه من 10 أو 20 سنة، هو ضرب من ضروب “المجتمع التوتاليتاري”.

أما المجتمع الذي تطمح إليه دونوف، فهو مجتمع “الحرية الداخلية”. فلا بأس بالأجساد أن تنتهك، لأن “الحوادث التي تؤثر بجسد المرأة لا تؤثر بالضرورة على كرامتها،” وفق تعبيرها.

وصفت دونوف ممارسات التحرّش والإعتداء الجنسي بالـ”حوادث”، وعلى المرأة تقع مسؤولية أن تتعلّم كيف تمنع هذه التجارب من التحوّل إلى صدمات، أو بتعبيرٍ أدقّ “عليها ألا تشعر بالرعب في كلّ مرّة يلامسها رجل في الباص”. ذلك أن تصوير هذا الرجل المنحرف في الباص أو في استديوهات الإنتاج، بمظهر “الشيطان الشوفيني” يضع المرأة في موقع “الفريسة”، برأي دونوف، ويسجنها داخل دور “الضحية الأبدية”. وتركيز النساء، إلى هذا الحدّ، على أمان أجسادهن وحرمة التعرّض إليها، يجعل المرأة تبدو كأنها “طفل يطلب الحماية” أو “مخلوق من فصيلة أخرى”.

تقصد دونوف هنا النساء اللواتي اصطففن وراء حملة  “مي تو أو وأنا أيضا”، إضافة إلى الممثلات والشخصيات الشهيرة اللواتي رفعن الصوت ضدّ عنف جنسي يتّخذ شكلاً مؤسساتياً ممنهجاً في عالم هوليوود، وخرج إلى العلن في قضية واينشتاين وتداعيتها. وصفت دونوف المرأة التي تواجه متحرّشها بكلّ الوسائل المتاحة أمامها، من هاشتاغ أو دعوى قضائية، بـ”طفلة تطلب الحماية”. أما النساء اللواتي شكلن، بتغريداتهن واعترافاتهن، في شتى دول العالم، درعاً بشرياً هائلاً حول جسد المرأة وحقه بالاختيار، فهنّ بالنسبة لدونوف “مخلوقات من فصيلة أخرى”.

وكغيرها ممن يخافون على امتيازات الرجل، أظهرت الممثلة موقفاً عدائياً تجاه “البعبع النسوي”، واضعة مساعي النساء لاستعادة سيطرتهن على أجسادهن في إطار “الكره النسوي للرجال وللجنسانية”. فهي بكلّ بساطة “لا ترى نفسها في هذا النوع من النسوية”. والواقع أن هناك أشياء كثيرة لا تراها دونوف من البرج العاجي الذي تقيم فيه امرأة بموقعها وامتيازاتها.

فهي، بوصفها فنانةً مرموقة وإحدى رموز التحرّر الفرنسي، قد أعطت لنفسها الحقّ بإدانة توجّه سياسي وأخلاقيّ اتخذته ملايين النساء في العالم. تحدّثت، باسم تجاربهن جميعاً، عما ينبغي لهن أن يعتبرنه صدمةً، وما عليهن قبوله كمداعبة عابرة. وذلك كلّه تحت راية “ازعاج” الخطاب السائد، وفق تعبيرها.

هذه ليست المرّة الأولى التي تتخذ فيها دونوف موقفاً “كارهاً للنساء”. فهي كانت قد دافعت، منذ مدة، عن المخرج رومان بولانسكي الذي يواجه عدداً من تهم الاغتصاب والبيدوفيليا هو الآخر. وكانت دونوف قد ظهرت في عددٍ من أفلام بولانسكي، ومنها “التنافر” الذي تجسّد فيه دونوف شخصية امراة تعاني خوفاً مرضياً من التفاعل مع الرجال. إن هذا الخوف الذي تحرّكه لديها صدمات ماضية يدفع بها في نهاية الفيلم إلى قتل رجلين. أعطى بولانسكي لدونوف شرف أن تقتل بدل الرجل رجلين في فيلمه، أما اليوم فهي تأخذ من النساء حقاً أقلّ بديهية.

والحقيقة أن النساء قد شاركن، على مرّ التاريخ، ببناء هيكل النظام الذكوري، وحراسته. فهن، بامتلاكهن إامتياز الرحم، قد اتخذن مقام الحبل السري في نقل الإرث البطريركي عبر الأجيال. تلك النساء، وبينهن أمهاتنا وجداتنا ومن سبقهن، وجدن لهن المسوغات. لقد حملن في جيناتهن صمت عصور طويلة عاشها جسد المرأة، رغماً عنه. لكن اليوم، ماذا يبرّر لإحدى متحرّرات العصر بأن تكبح الصوت الذي خرج أخيراً على شكل حملة عالمية عن صمته الأزلي؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*