ترجمة فلسطين: احتلال السرديات والمعاني

 

حسام الدين محمد
القدس العربي
08112017

يفتح التفكر في الترجمة وقضاياها الباب لتحليل ممكن ومفيد لقضايا النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. يمكن لهذا التحليل، فحص قضايا شائكة، تاريخية وجغرافية وأيديولوجية عديدة، ومساجلتها عبر هذا السياق، وهو ما يمكن أن يسمح أيضاً بفحص ومساجلة بعض قضايا الترجمة أيضاً ضمن هذه الحيثيات المعقدة ولكن المهمة.
إذا كانت الترجمة، في تعريف بسيط لها، نقل نصّ لغوي إلى نص لغوي آخر، فإن الترجمة، في السياق الفلسطيني ـ الإسرائيلي، هي صراع نصّين (أو نصوص)، ومحاولة نصّ استبدال آخر، بالقوّة، وبالمعرفة، على الأرض، وفي المخيّلة، وهي أيضاً تبادل معقد للعلاقات بين النصوص.

المقدس والمدنس

إحدى الإشكاليات الكبيرة لهذه المقاربة الواسعة، أنها لا تبدأ مع النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بشكله الحديث بل تمتدّ عبر السرديّات الدينية والأيديولوجية والتاريخية التي يتجادل فيها المقدّس والمدنس، ويتزاحم الدينيّ مع الدنيويّ، والبدايات مع النهايات.
وينتقل أثر صراع الترجمة هذا من المقدّس إلى سرديّات اللغات والسياسة ومن التاريخ والجغرافيا إلى الثقافة واللغة والهوية، في اشتباكات تتبادل الأماكن والمجالات.
إسرائيل نفسها، على سبيل المثال، استمدّت اسمها من أحد أنبياء التوراة اليهودية، الذي هو أيضاً، أحد أنبياء الإسلام، يجعل النصّين، اليهودي والإسلامي (وبينهما المسيحي طبعا)، يتنازعان الشخصيّة، ويختلفان على حكايتها واسمها، ويختلفان، بالتالي، على المآلات التي آلت إليها، وعلى النتائج الفادحة المترتبة على استعمالها أو: ترجمتها.
اسم فلسطين هو أيضاً أرض للتفكر، فهو حسب المؤرخ والكاتب الفلسطيني عادل بشتاوي كان، كما يكتب الآن في لغات العالم غير العربية، بالباء المعجمة كما ورد في جداريات الآشوريين، واقتراحه اللاحق هو أن الاسم جمع بين مفردة فلس، أحد آلهة قبيلة تميم القديمة، ومفردة طنّ، وهي الجذر الثنائي الذي تصدر عنه مشتقات الوطن والتوطن والإقامة، وهذا الجزء الأخير يجد سياقه الجارف ضمن الحالة الفلسطينية الحرجة مع قضية الوطن، وقضايا التوطين في بلدان الجوار، وقضايا الاستيطان الإسرائيلي.
إحدى أشكال معاناة الفلسطينيين في ترجمة وجودهم تبدأ أيضاً من اللغتين موضوع السجال والحرب، العربية والعبرية، فهما لغتان مشتقتان من أسرة لغوية واحد، ويتماثل اسماهما في الأحرف ويختلفان في الترتيب، كما لو كانتا مرآتين متقابلتين، ومتشظيتين، وبالتالي فإن التمحيص في جذورهما سيوصلنا إلى اشتباك يناظر الاشتباك الحاصل في المجالات الأخرى العديدة.
وحسب إيلان هاليفي، في كتابه عن «المسألة اليهودية» فإن الألفباء العبرية القديمة قد تركت لصالح ألفباء الآراميين المربعة التي تكتب بها العبرية اليوم، وأنه خلال القرن الذي تم فيه هذا الانتقال من ألفباء لأخرى، تم اختراع اليهودية.
وحسب بشتاوي أيضاً فإن جذور العبرية تجمع بين معاني العبور والتعبير والعبرة والعبرات، وهو جذر تاريخي سيعبر بدوره إلى تغريبات الفلسطينيين وعبورهم وعبرات والعبر التي يمتحنون بها. كما أن جذور العبرية، التي تعود إلى جنوب الجزيرة العربية، تتصل في مكان ما في التاريخ بجذور العربية، التي جاءت بدورها من تلك الجغرافيا.

القدس ليست أورشليم

يحاول الباحث العراقي فاضل الربيعي فصل أحد تجليات هذا الاشتباك بين التاريخ القديم ومآلاته المعاصرة، وهي مغامرة كان قد افتتحها كمال الصليبي بكتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، والذي تبعته كتب أخرى للصليبي نفسه، ولآخرين، كزياد منى وفاضل الربيعي، وشكّلت صدمة معرفية لأنها، لأول مرّة، تنقل حيّز المكان التوراتي وجغرافيته من فلسطين وتزيحه إلى الجزيرة العربية، واليمن تحديدا.
في كتابه الضخم، «فلسطين المتخيلة» اشتغل فاضل الربيعي على أطروحة الصليبي اللافتة في استمرار لطموح فكريّ يهدف لفصل جراحيّ لتاريخي وجغرافيتي السرديّتين اليهودية والإسلامية عن فلسطين والقدس عبر نقلهما إلى تاريخ وجغرافيا اليمن.
وفي كتابه الآخر، «القدس ليست أورشليم»، يؤكد الربيعي أن التوراة لم تذكر اسم القدس قط وأنها لم تسجل اسم أورشليم بوصفها القدس، وأن تماثل الاسمين وكونهما يعنيان المكان نفسه هي أكذوبة من «اختلاق اللاهوتيين»، كما يعتمد، في كتاب لاحق، على نقوش وسجلات آشورية تذكر اسم «قدس ـ قدش» كاسم جبل، واسم أورشليم كمدينة دينية يهودية، ويؤكد أن جبل قدس موجود في مديرية سامع بمحافظة تعز.
وحسب الربيعي فإن القدس لم تكن معروفة بهذا الاسم حتى 15 هجرية، وأن اسمها كان إيلياء، وهو مسجل في العهدة العمرية الشهيرة، وبالتالي فلا يمكن أن يظهر في التوراة، التي كتبت قبل 500 ق. م، اسم مدينة القدس التي سوف يظهر بعد 630 ميلادي.
لكن لماذا تكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة؟ يجيب الربيعي: «إن فك الارتباط نهائيا وكليا بين الاسمين الواردين في التوراة والنقوش الآشورية أمر جوهري وحيوي للغاية وذلك لأجل فك الارتباط بين الروايتين اليهودية والإسلامية، وأن إثبات أن مدينة القدس العربية الإسلامية ليست هي نفسها أورشليم، المدينة المقدسة اليهودية يستوجب سقوط ما تدعيه إسرائيل من حقوق في المدينة».
الفكرة الأساسية التي قدمتها الكتب المذكورة، منظور إليها ضمن أطروحة هذا البحث، هي أن فلسطين خضعت لترجمة لفّقت ماضيها كما احتلّت حاضرها.

اختراع إسرائيل

أطروحة الصليبي وتلاميذه ناظرتها محاولات أخرى لتعديل «الترجمة الإسرائيلية» الكبرى للتاريخ لصالح السياسة من مؤرخين يهود مثل شلومو ساند، صاحب كتاب «اختراع الشعب اليهودي»، الذي يقول فيه إن اليهود لا تجمعهم مشتركات، فهم ليسوا من عرق واحد بسبب عمليات التهوّد ضمن الأعراق عبر التاريخ، وليست لديهم لغة واحدة حيث أن العبرية كانت تستخدم للصلاة فقط ولم تكن محكيّة حتى في أيام المسيح، أما اليديشية فهي لغة اليهود الأشكناز، فما الذي بقي ليوحدهم؟ الدين لا يحول الناس إلى قومية، وهذا واضح عند الكاثوليك والمسلمين، وأغلب اليهود ليسوا متدينين أصلا. الصهيونية؟ هذا تيار سياسي فيمكنك أن تكون اسكتلنديا من دون أن تكون مؤمنا بالقومية الاسكتلندية، وأغلب اليهود، بما فيهم الكثير من الصهاينة، لا يرغبون في العودة إلى «أرض الميعاد»، وهو ما يعني أن «الشعب اليهودي» هو بنية سياسية، أي اختراع.
وفي كتاب آخر له، «اختراع أرض إسرائيل» يقول أن هذه الأرض مخترعة أيضا فهي بالكاد تذكر في «العهد القديم» فالمصطلح الأكثر ورودا هو «أرض كنعان»، وحين تذكر، يقول ساند، فهي لا تتضمن أورشاليم، حبرون، أو بيت لحم.
إسرائيل التوراتية، حسب ساند، هي شمال إسرائيل الحالية (السامرة) ولم يكن هناك أبداً مملكة موحدة تتضمن يهودا والسامرة، وحتى لو كان هناك مملكة من هذا القبيل، وأن الله وعد اليهود بها، فهذا مجادلة ضعيفة لإنشاء دولة بعد مرور 2000 عام.
يعتبر ساند أن كون العديد من الصهاينة، وأغلبهم يهود علمانيون، واشتراكيون، استخدموا تبريرات دينية لتدعيم دعواهم هو مفارقة تاريخية. إضافة لذلك، فإن السرديات التوراتية توضح أن اليهود، الذين قادهم موسى ثم جوشوا كانوا مستوطنين هم أنفسهم وأن الله أمرهم أن يبيدوا «كل شيء يتنفس».

شعب من المترجمين

يكشف محمود الحرثاني، وهو أستاذ ترجمة في جامعة الأقصى، عن أفق آخر لموضوع الترجمة معطوفا على النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فهو يؤكد أن الترجمة من الإنكليزية لدى الفلسطينيين تكثفت بعد النكبة ودارت الترجمات حول مواضيع تهم الفلسطينيين كالكولونيالية والامبريالية وحرب العصابات، ومن المؤلفين المترجم لهم كان كوامي نكروما وماوتسي تونغ. كان لافتاً أيضاً أن يتم كتاب «يوميات آنا فرانك» عام 1963، وهو لناجية من الهولوكوست، والفكرة كانت كيف تتحوّل الضحية إلى جلاد، كما ظهرت ترجمات عن القضية الفلسطينية منها كتابا جوزيف توينبي «دفاعا عن فلسطين والجزائر»، و»الجريمة والدفاع»، وكذلك كتاب «المقاومة ستنتصر» لترونينغ شين، وترجمات أيضاً عن الصهيونية وإسرائيل، وقد تزايدت الترجمات كثيرا بعد هزيمة 1967 وخصوصا منها ما يتعلق بفهم المشروع الصهيوني وتأسيس إسرائيل. لهذه الأسباب يصف الحرثاني الفلسطينيين بأنهم شعب من المترجمين.
ما انتبه الفلسطينيون، عمليّاً، إليه عبر تكثيف عمليات الترجمة بعد نكبة 1948 وهزيمة 1967 هو اكتشاف الرابط بين المعرفة (التي يتم اكتسابها عبر الترجمة)، والقوّة التي تؤهلهم للصراع مع خصمهم الإسرائيلي.
يتحدث أنطون شماس، في محاولته «ترجمة الألم الفلسطيني»، عن «التصدعات داخل اللغة وبين اللغتين» نتيجة عنف الترجمة واحتمالاتها (أو استحالاتها) بين العبرية والعربية، وكذلك مع الإنكليزية، التي هي إحدى لغات الاستعمار السابق في الشرق الأوسط.
وتقدم نكتة وردت في كتاب «هل هذه سمكة في أذنك» لدافيد بيلوس، مدير برنامج الترجمة والتبادل الثقافي في جامعة برنستون، شرحاً عاماً لهذه الوضعية المعقدة. تقول النكتة إن الله نفسه، إذا كان مدرسا في الجامعة العبرية في القدس لا يستطيع الترقي إلى درجة عليا وذلك لأن ليس لديه غير كتاب واحد ولأن الكتاب لم يكتب بالانكليزية.
وإذا تركنا جانبا عناصر التراث المشترك للديانات الثلاث في المنطقة، المتضمن الحديث عن الله، والكتاب المقدس (وما تلاه من كتب مقدسة أخرى)، ومررنا إلى عن الجامعة العبرية في القدس، ثم إلى سطوة الإنكليزية فيها، نكون قد وضعنا اليد على إحدى تجلّيات علاقة الترجمة بالقوّة عبر ملاحظة علاقة الأكاديميا الكولونيالية الإسرائيلية بالأكاديمية المركزية الأمريكية ولغتها العالمية المسيطرة.
لقد ظهرت، منذ ثمانينات القرن الماضي، دراسات تدرس العلاقة بين القوّة POWER السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخ… والترجمة. وضحت هذه الدراسات أن القوة في موضوع الترجمة لا يمكن فهمها عبر مؤسسات القوّة الاعتيادية ولكن، بالأحرى، عبر الثقافة والمعلومات، وخصوصا بطريقة نقل المعلومات وطريقة إيصال عناصر الخطاب المتعددة في النص المستهدف.
حسب الباحثتين بياتريس فيشر، وماتيلدا نزبث جنسن، فإن المترجم على علاقة بمسألة القوة كونه يتصرف كعميل مزدوج قبض عليه بين معسكرين «يمثل كلا من مؤسسات القوة وأولئك الذين يريدون أن يحصلوا عليها»، غير أن المترجم نفسه، في موضع قوة أيضا، كونه قادر على التـــأثيــــر في النص بالتأكيد على قضايا معينة أو إعادة ترتيب أقسام من النص، وبذلك قد يصبح سلطة تقوم بالتلاعب بالثقافة، السياسة، الأدب وبتقبل (أو عدم تقبل) كل هذه المجالات في الثقافة المستهدفة، وبالتالي فدور الترجمة لذلك ليس إعادة انتاج نص مصدري إلى نص مستهدف، ولكن كعمل ابداعي يحتاج لقرارات معقدة.
الترجمة، حسب جينتزلر وتيموشكو إذن، ليست عملية انتاج بسيطة، بل، بالأحرى، عمل واع ومقصود للانتقاء، التوضيب، إعادة البناء، والتلفيق ـ وفي بعض الحالات، التزييف، رفض المعلومات وتزييفها، وصناعة شيفرات سرية. وبذلك فان المترجمين، مثل الكتاب المبدعين والسياسيين، يشاركون في أعمال سلطوية لصناعة المعرفة والثقافة.
تفتح هذه المسألة، بالنسبة للفلسطينيين، أبواباً واسعة للانتباه إلى أثر عمليات الترجمة، بالمعنى الواسع لها، في مصائرهم، ومصائر المنطقة العربية عموماً.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*