تراجع أعداد الفلسطينيين مؤشر لنهاية حقبة!

روزانا بومنصف
22 كانون الأول 2017

شكل الرقم الذي اعلنه رئيس الحكومة سعد الحريري لعدد الفلسطينيين الموجودين في لبنان وهو 174.422 الفا مفاجأة مذهلة وغير متوقعة بالنسبة الى كثيرين وذلك قياسا كما قال رئيس الحكومة الى “ارقام قياسية تستعمل في السياسة والتجاذبات” كما قال وهناك كما هو معروف اجيال نشأت على وقع او خلفية وجود فلسطيني لا يزال مثقلا ومثيرا للمخاوف حتى بعد انتهاء الحرب وخروج التنظيمات المسلحة الفلسطينية رسميا من لبنان . الرقم المتداول به على نطاق واسع تحت عنوان رفض توطين الفلسطينيين والخشية من الخلل الديموغرافي الذي يحدثه ذلك كان يتفاوت كما قال الحريري بين 400 و600 الفا وهو يثير الى العوامل الديموغرافية والسياسية في لبنان ازمة المساكنة مع سلاح لا يزال موجودا وميليشيات او تنظيمات تفرض سيادتها على المخيمات بحيث لا تستطيع الدولة اللبنانية حتى الان ممارسة سيادتها على اراضيها داخل هذه المخيمات ولا تستطيع ان تنزع سلاح هذه المخيمات وتواجه بين فينة واخرى مشكلة ضبط الامن هناك نتيجة هروب فارين الى المخيمات او اختباء هؤلاء فيها . الرقم المعلن يثير اشكالية في حد ذاته انطلاقا من انه يظهر ان الارقام المتداولة سابقة او ما تم توظيفه حتى الامس القريب كانت كلها اقرب الى وجهة نظر علما ان بعض المطلعين يقولون ان قيود وزارة الداخلية كانت تتحدث عن وجود 450 الف فلسطيني في لبنان في الاعوام الاخيرة. فهل يكون الرقم الجديد وجهة نظر سياسية جديدة تخرج الموضوع من وجهة النظر السابقة وهل سيجد من يطعن فيها علما ان لجنة التواصل التي اصدرت وثيقة العمل السياسية تضم جميع الافرقاء السياسيين كما اشار الحريري . فهذا الرقم يساهم في انهيار مقاربة متكاملة لموضوع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان واحتمال توطينهم استخدمت ولا تزال تستخدم عن حق في غالب الاحيان من دون شك باعتبار ان لبنان تحمل الكثير من اعباء القضية الفلسطينية عسكريا وامنيا وعلى كل المستويات . وهذا يقع في خانة الافرقاء المسيحيين في الدرجة الاولى قبل غيرهم بناء على تاريخ طويل من الحرب التي انخرطوا فيها اساسا ضد الوجود الفلسطيني وظلت الخشية كبيرة من وجود مسلح ومن طغيان ديموغرافي يهدد تراجع عدد المسيحيين في لبنان لقاء احتمال توطين الفلسطينيين . ولكن هذه المسألة تم توظيفها ايضا ولا يزال بدليل استمرار وجود اسلحة في المخيمات من دون ان تكون هناك سلطة للدولة عليها ومن دون ان تتمكن من نزع هذا السلاح على رغم وجود قرارات دولية بذلك فيما انه ومنذ زمن بعيد لم يعد يستخدم ضد اسرائيل انطلاقا من لبنان . لكن مفاعيل تراجع الارقام المتصلة بالوجود الفلسطيني لها انعكاسات متعددة اخرى . قد يكون اهمها مدى توافق الرقم المعلن مع مقاربة الافرقاء المسيحيين علما ان ذلك لن يلبث ذلك ان يساهم في انهيار المقاربة المعتمدة تجاه السوريين خصوصا ان هؤلاء يمكن ان يعودوا الى بلادهم متى انتهت الحرب متى اضطر الفلسطينيون الى مغادرة لبنان او وجدوا تشجيعا لذلك على غير ما هو وضع السوريين .

الرقم مثير للاستغراب من حيث ضرورة معرفة كيف تناقص عدد الفلسطينيين الموجودين في المخيمات في لبنان خصوصا ان ارقام الاونروا كانت تظهر ارقاما اعلى بكثير من الرقم المعروض ومن حيث ضرورة معرفة اي موجة هجرة للفلسطينيين شملت بمعنى اذا شملت جميع الفلسطينيين ام موجة هجرة 48 او 76 او سواهما لئلا يتهم الرقم بانه سياسي وليس علميا . فالرقم ينزع فتيلا مهما في حال دقته من الادبيات السياسية اللبنانية حول رفض التوطين اذا كان يتم استيعاب الفلسطينيين في الخارج عبر الهجرة او لم الشمل او اي من الوسائل الاخرى كالتجنيس بحيث لا يجوز الاستهانة بانهاء او وضع حد لفصول من التوظيف الايجابي او السلبي لهذا الموضوع. فالرقم يعني تخفيفا ملموسا لحجم المشكلة الفلسطينية في لبنان ولذلك ليس واضحا اذا كان سيتم اعتباره وجهة نظر اخرى تناقض الارقام السابقة التي كانت تعتبر وجهة نظر من جانب البعض ايضا. والقول في حال دقة الرقم يعود الى وجود من يشكك بتناقض العدد المتداول من 450 الف فلسطيني تقريبا الى 170 الفا اي بما يقدر بـ280 الفا انطلاقا من ان ذلك يمكن ان ينسحب على التشكيك بالاهداف من ذلك والتي يمكن ان تندرج في خانة التمهيد لاستيعاب العدد المتبقي من الفلسطينيين والذي قد لا يشكل مشكلة كبيرة للبنان اذ تم استيعابه في سوق العمل والحركة الاقتصادية.

الاسئلة التي يمكن ان تفتح عليها الاحصاءات الاخيرة وفق بعض المراقبين قد تتفاوت في السياسة وليس في المجال الاحصائي العلمي . هل ان تضاؤل حجم الفلسطينيين في لبنان يمكن ان ينقل مشكلتهم من الصعيد الدولي كما كانت عبر الاونروا التي تواجه مشكلات كبيرة ومن الصعيد العربي تاليا الى المستوى اللبناني الداخلي بحيث يمكن ان يتولى الافرقاء السياسيون اللبنانيون معالجة المشكلات المرتبطة بهذا الوجود عبر اليات الدولة اللبنانية عبر بعض المساعدات من الخارج فقط اي من دون المسؤولية الدولية التي يمكن ان تتراجع بحكم تراجع العدد وعدم تشكيله ثقلا كبيرا على لبنان . اذ ان تراجع حجم المشكلة وتخفيفها يطرح اليات مختلفة من التعاطي ومقاربات مختلفة؟ هل يمكن ان يحل ذلك مشكلة السيادة اللبنانية ونزع سلاح التنظيمات والسلاح المتفلت في المخيمات ام هو موضوع اخر؟ وهل الرقم الجديد يضعف حجج لبنان المطالبة بالدعم الذي يطالب به في ظل استيعابه عددا كبيرا من الفلسطينيين ثم من السوريين؟

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*