تخفيف احتباس الغلاف الكوني الحراري ممكن نتيجة ثورة صناعية جديدة

 

هذا المقال – برسم اصحاب القرار في لبنان حول خيارات تأمين الطاقة للبنانيين، وهو برسم المواطن العادي الذي يبحث عن بواعث أمل في مستقبل زاهر ولا يجد الا السواد.

هذه الدراسة المستفيضة استوجبت عمل فريق من البحاثة فترة ثلاثة أشهر ومراجعتهم دراسات عدة صادرة عن هيئات رسمية. ومنذ البداية يؤكد واضعو الدراسة ان عهد مصادر الطاقة الاحفورية – أي النفط والغاز والفحم الحجري – لا تزال تشكل نسبة 86 في المئة من مجمل مصادر الطاقة عالميًا وتالياً فإن التحول الكلي عن هذه المصادر ليس ممكنًا في وقت قريب. في المقابل، تبين الدراسة ان المساعي المبذولة للاستعاضة عن مصادر الطاقة الاحفورية والتي هي ناضبة مهما توافرت كمياتها، بدأت تحقق حيزًا يسمح بتوقع انحسار ارتفاع حرارة المناخ الى حد أبعد مما استهدف الموقعون على اتفاق باريس بنهاية عام 2015 لضبط ارتفاع حرارة المناخ العالمي وما يسببه من فيضانات واضرار بيئية كبيرة.

لا شك في ان موقف الرئيس الاميركي دونالد ترامب في اجتماعات الدول السبع الكبرى المشكك في مساعي ضبط الانحباس الحراري وتأكيده انه سيراجع التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاق باريس يبعث على القلق لان الولايات المتحدة مسؤولة عن انبعاث نسبة 22 في المئة من التلوث البيئي.

في المقابل ثمة مؤشرات واضحة لمساعي دول كبرى يفوق عدد سكانها البالغ 2,5 ملياري نسمة (وهي الصين والهند والمانيا) للتحول عن استعمال مصادر الطاقة الاحفورية، وحتى الطاقة النووية في المانيا، وأوضح نتيجة في الابتعاد عن الطاقة الاحفورية والنووية تحققت في المانيا. ويجب التذكير بان المانيا كانت دوماً الدولة السباقة في الابتكار التصنيعي وقد حققت في تاريخ اليوم ومع توفير دعم مستمر مدى 20 سنة لمصادر الطاقة المستدامة، انتاج 32 في المئة من حاجاتها من الطاقة من المراوح الهوائية، وتدفق المياه، والالواح الزجاجية لالتقاط الطاقة وتخزينها في بطاريات متطورة. ولدى المانيا أكبر مشروع عالمي لانتاج الطاقة من حقل ضخم من الالواح ينجز في صحراء المغرب، وسيزود المغرب النسبة الكبرى من حاجاته من الطاقة الكهربائية، وسيصدر الفائض الى أوروبا والمانيا بالتحديد. وقد قررت المانيا التخلي عن المحطات النووية لانتاج الكهرباء بحلول عام 2030، وأسوج سبقت المانيا في هذا المجال.

نعود الى مؤشرات الاندفاع التقني لاعتماد وسائل انتاج الطاقة المستدامة موفرين العديد من هذه المؤشرات استنادًا الى الدراسة المستفيضة في “الفايننشال تايمس”. ولعل دراسة كهذه توفر البرهان على ان الصحافة المكتوبة، اذا كانت مسؤولة وتطاول ملايين القراء، لا يزال لها اثرها التثقيفي والتحفيزي، وصحافتنا لم تعد تتجاوز مستويات التكرار والاجترار.

الطاقة المستدامة

تطور انتاج الطاقة المستدامة بسرعة مذهلة في الاعوام الثلاثة الاخيرة. وفي رأي السيدة اليزابيت كوشير الرئيسة التنفيذية لشركة Ensie الفرنسية الاختصاصية بانتاج الكهرباء والغاز، تشكل التطورات في تصنيع الالواح الزجاجية لاختزان الطاقة والتوربينات الهوائية والبطاريات ذات القدرة على حفظ الطاقة ثورة صناعية توازي الثورة التي شهدها العالم مع استبدال الحطب بالفحم الحجري ومن بعد احلال النفط والغاز والطاقة النووية محل الفحم الحجري. ومعالم الثورة مستمرة تتبدى من بعض الوقائع المحققة.

ارتفع انتاج الالواح الزجاجية لاختزان الطاقة عام 2015 بنسبة 30 في المئة، وتحققت النسبة ذاتها عام 2016 وشكلت عناصر الطاقة المستدامة أكثر من نصف الطاقة المحققة عالميًا لانتاج الكهرباء عام 2016. ومبيعات السيارات الكهربائية ارتفعت عام 2016 بنسبة 42 في المئة عنها عام 2015 وكان معدل ارتفاعها يوازي ثمانية أضعاف زيادة مبيعات السيارات العادية. وفاقت مبيعات السيارات الكهربائية في الصين مبيعات هذه السيارات عالميًا عام 2016.

لقد أشرنا الى ان المانيا كانت الدولة السباقة في اعتماد وسائل انتاج الطاقة المستدامة، لكن هذا التوجه طاول حتى الولايات المتحدة، التي يسعى رئيسها الى التفلت من التزامات اتفاق باريس لعام 2015، وهو وافق على استعمال مناطق شاسعة من الاملاك الفيديرالية للبحث والتنقيب عن النفط.

وعلى رغم ذلك توسعت نسبة الاعتماد على الطاقة الشمسية بصورة متسارعة، واصبحت هذه الصناعة وانشاءاتها توفر فرص عمل تفوق عدديًا العمال في مناجم الفحم الذين يريد ترامب زيادة حجم أعمالهم.

اصبحت اقتصاديات انتاج الالواح الزجاجية مشجعة لان تكاليف هذه الالواح انخفضت بنسبة 70 في المئة خلال ثلاث سنوات وتكاليف تصنيع التوربينات الهوائية وتركيبها انخفضت بنسبة 30 في المئة، وارتفعت فاعلية استخدام الالواح الزجاجية بنسبة 50 في المئة والتوربينات بنسبة 30 في المئة.

في لاس فيغاس مدينة المقامرة والمغامرة وتوافر الشمس غالبية أيام السنة، تحولت اكبر ثلاثة كازينوات – ومعلوم ان لدى كل منها فندقاً أو أكثر لتشجيع المقامرين على الاقامة وممارسة هذا النشاط – الى استعمال الطاقة من الالواح الزجاجية والغت عقودها مع شركات توليد الكهرباء سواء باستعمال الفحم الحجري أو الغاز الطبيعي أو المحطات النووية.

البرهان الاسطع على التحول السريع الذي تتعاظم سرعته يتوافر من توجهات الصين والهند. فمعلوم ان سكان الصين والهند يعانون نسب تلوث بالغة الارتفاع في معظم المدن الصينية، ومرتفعة في المدن الرئيسية في الهند، ويبلغ عدد سكان البلدين 2,4 ملياري نسمة أي 30 في المئة من مجموع سكان الكرة الارضية.

أصبحت لدى الصين نسبة 35 في المئة من الطاقة المولدة من التوربينات الهوائية في العالم، ونسبة 25 في المئة من الطاقة المولدة من الالواح الحرارية عالميًا، ولديها ستة مصانع لإنتاج الالواح الزجاجية من 10 مصانع رئيسية عالمية، واربعة من 10 مصانع رئيسية لانتاج التوربينات الهوائية.

وتحاول الهند مجاراة الصين في تنويع مصادر الطاقة، علمًا بان لدى الصين احتياطاً من نفط صخور الطفال يتجاوز ما يتوافر للولايات المتحدة، وحاجة الهند الى تحقيق الوفورات ملحة الى حد أبعد لان الهند، وان حققت تطورات مهمة في مجالات تقنيات المعلوماتية، لا يزال دخل الفرد فيها عل مستوى 15-20 في المئة من دخل الفرد الصيني. وقد انجزت الهند عام 2016 حقلاً لانتاج الطاقة من الالواح الزجاجية يعتبر من أكبر الحقول أو المزارع كما تسمى في العالم. ولدى الهند طاقة من انتاج التوربينات الهوائية تساوي 25 في المئة من الطاقة المتوافرة عالميًا. ويتوقع ان تحتل الهند الموقع الثالث عالميًا في انتاج الطاقة من الالواح الزجاجية خلال 2017.

توجهات الصين والهند لاعتماد مصادر الطاقة المستدامة بالغة الاهمية لان البلدين يسهمان حاليًا بنسبة 35 في المئة من التلوث البيئي عالميًا، مقابل 22 في المئة هي حصة الولايات المتحدة.

وسيشهد المستقبل انخفاضاً لاسعار النفط والغاز وتدنياً لحصة المصدرين، كما الطاقة النووية من توفير الطاقة عالميًا، ونحن ايها السادة الوزراء والنواب لو كنتم تقرأون غير التعليقات السياسية ماذا كان يكون خياركم المنطقي:

– الغاء البحث في استئجار بواخر بطاقة 800 ميغاوات تولد الكهرباء باستعمال الفيول أويل وبكلفة سنوية توازي 1,8 مليار دولار (كلفة الاستئجار والفيول).

– المسارعة الى استئجار باخرتين تستقبلان شحنات الغاز المسيل وتحولاتها الى غاز يمكن استعماله لزيادة طاقة انتاج محطتي البداوي والزهراني 200 ميغاوات لكل محطة، وتحقيق وفر يوازي مليار دولار بدل زيادة الدين العام 1,8 مليار دولار سنويًا، وعندئذٍ نستطيع ان نأمل في تحقيق معدل نمو يراوح بين 4 و5 في المئة. وعملية البواخر هذه يمكن انجازها مع قطر التي بدأت تعاني انخفاض الطلب على صادراتها من الغاز المسيل واضطرارها الى خفض اسعاره.

– التعجيل في انجاز مصنع بطاقة 1000 ميغاوات. والصين مستعدة لانجازه خلال سنتين على نفقتها شرط توافر شراء الانتاج باسعار تقل بنسبة 50 في المئة عن تكاليف البواخر المقترحة.

الامر الاكيد اننا اذا شئنا تحكيم العقل والنظر الى التطورات العالمية نجد الحل لمشكلتنا الكهربائية في الخطوات الثلاث المقترحة ومبادرات متكاملة معها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*