تخصيص شركة أرامكو وطريق الصين

 


مروان اسكندر
20102017
النهار

منذ تولي الامير محمد بن سلمان ولاية العهد أعلن توجهه نحو خصخصة قطاعات مختلفة من أهمها نسبة من أسهم شركة ارامكو، التي هي الشركة الوطنية للنفط في السعودية، والشركة الكبرى لانتاج النفط في العالم.

بداية كلفت شركات محاسبة أميركية ومصارف بريطانية للأعمال تقدير قيمة أرامكو، واعتمد التقدير في المقام الاول على احتياط النفط في المملكة وتوقعات الاسعار المستقبلية. واختلفت التقديرات ما بين 1.5 تريليون دولار وتريليوني دولار. لكن الاقبال على تملك 5 في المئة فقط من أسهم أرامكو مع ابقاء الـ95 في المئة في أيدي الحكومة السعودية لم يشجع الشركات الكبرى النفطية على تقديم عروض، خصوصاً ان حسابات الشركة لم تكن واضحة ووسائل الافصاح عن النتائج كانت الى حد ما غير متوافرة، وقد كلفت شركات محاسبة كبرى وضع حسابات تجاري مستوجبات الافصاح عن النتائج وعن الاحتياط المستقبلي واسس تقديره. هذه العملية لم تنته بعد إلا في جزئها الاول، أي ضبط المحاسبة السنوية، لكن تقويم الاحتياط النفطي امر يخضع لدراسات جيولوجية وتقديرات للاسعار المستقبلية وهذه من الصعب انجازها بدقة.

تردد شركات النفط الكبرى في التقدم لمفاوضة السلطات السعودية، كما تردد مصارف الاستثمار الاميركية في التزام تأمين مستوى معين من الاسعار وطرف يقبل بتملك 5 في المئة فقط من الشركة، أدى الى تحول السعوديين، استناداً الى التقارير الدولية الأخيرة في “الفايننشال تايمس” نحو اشراك صندوق سيادي أو أكثر في تملك اسهم شركة ارامكو.

ومعلوم أن أكبر صندوق سيادي (خارج الصين) متوافر لنروج، وهذا البلد النفطي يدير أموال الصندوق السيادي بعناية لان موارده الحالية تكفي حاجات السكان للعيش بكرامة ان هم اختاروا الحياة بكفاية مريحة دون تبذير.

أموال الاحتياط المتوافرة لدولة الصين ليست محصورة في صندوق سيادي بل هي موزعة بين صندوق سيادي وعشرات الاستثمارات في شركات حكومية منها شركات أصبحت الاكبر عالميًا. على سبيل المثال بنك الصين الوطني هو اليوم أكبر مصرف في العالم، ويبدو ان هنالك توجهاً من الصين نحو السعودية، ونحو المشاركة في أرامكو، وهنالك مشاركة بين الطرفين في انجاز مصافٍ في الصين. ولم تعد الصين دولة غريبة عن التوجهات العربية، خصوصاً انها اصبحت الدولة التي تحوز ثاني اكبر اقتصاد عالمي، كما احتلت مركز الصدارة العالمية في حجم صادراتها، وقدرة السلطات الصينية على اقرار مشاركة أرامكو لن تكون بالتأكيد منفتحة على تملك 5 في المئة فقط من اسهم الشركة بل على الاقل 10 في المئة، وهذا امر يطمئن الطرفين. فالمشاركة الصينية يكون لها معنى كما ان التعاون السعودي يحقق مصلحة مشتركة بعيدة التأثير مستقبلاً.

لا بد هنا من الاشارة الى ان السلطات الصينية رصدت أكثر من 200 مليار دولار للتوظيف في البلدان النامية سواء منها البلدان الافريقية أو الشرق الاوسطية. وبات رئيس الوزراء الصيني يحمل العبء الاكبر في المحافظة على نظام التبادل التجاري الحر، وهو ملتزم تنفيذ خطوات حفظ البيئة عن سبيل اعتماد وسائل انتاج الطاقة المستدامة كالمزارع الهوائية وحقول انتاج الطاقة من الالواح الزجاجية الحرارية التي تتفوق الصين في انتاجها سواء على صعيد الكلفة أو النوعية.

ويذكر ان شركة النفط الوطنية شاركت شركة النفط الفرنسية في انجاز عقد مع ايران لتطوير ثروة الغاز في حقل الشمال الممتد من المياه الاقليمية القطرية الى المياه الاقليمية الايرانية. واكتشف الايرانيون هذا الحقل قبل انتهاء عقد السبعينات تزامنًا مع اكتشافات قطر، لكن الثورة الايرانية عام 1979 ومن بعد تطورات الحرب بين ايران والعراق حالت دون تطوير ثروة الغاز المكتشفة. وأعلن الفرنسيون والصينيون نيتهم تنفيذ الاعمال بسرعة وبمعزل عن أية عقوبات اميركية في حال فرضها.

تعزز الحضور الصيني في ايران ايضًا بتأمين الصين لايران أموالاً لتمويل كتب اعتماد للمستوردات الضرورية على مستوى 10 مليارات دولار، وهذه الخطوة تجلت منذ بضعة أسابيع ولها مدلولاتها، بان الصين لن تستجيب لأي عقوبات اميركية قد تفرض على ايران. ولا شك في ان هذا الموقف يستدعي من الرئيس الاميركي بعض التمهل في طلب اقرار عقوبات اضافية، وقد صرحت ممثلة الولايات المتحدة في الامم المتحدة بان الولايات المتحدة لن تنسحب من الاتفاق النووي، بل ستطالب بتحسين شروطه ان امكن. ونروج التي تحوز ثاني اكبر صندوق سيادي وفرت 2.5 ملياري أورو لايران لانجاز حقل الواح زجاجية لانتاج الكهرباء.

التوجه السعودي نحو الصين له مبرراته. فعملية المشاركة في أرامكو تستدعي عناية خاصة لان السلطة التي طالبت بتملك الانتاج والاحتياط بدءًا من عام 1973، ها هي تفسح في مناخ من الحرية في امكان مشاركة الصين في تملك نسبة من الاحتياط النفطي السعودي عبر المشاركة في أرامكو.

التعاون مع الصين يتكامل مع التعاون الذي اتفق عليه بين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس فلاديمير بوتين، وشملت اتفاقاتهما مشاريع روسية – سعودية مشتركة واستثمارات سعودية في شركات نفط وغاز روسية.

من المؤكد أن توجه المملكة لا يهدف الى الابتعاد عن الولايات المتحدة، انما في الوقت ذاته يعتبر توجهًا نحو تعزيز استقلالية القرار النفطي واضافة الصين الى العلاقة الوثيقة بين روسيا والسعودية في هذا المجال. ومعلوم ان روسيا ستزود الصين كميات ضخمة من الغاز عبر خط يجري انجازه، ومصالح الدول الثلاث – اذا تكاملت – ربما رسّخت اتحاداً ثلاثياً في السياسات النفطية، يواجه موجة الدعوة الى الابتعاد عن النفط والغاز التي تتعاظم يومًا بعد يوم، ولنا حديث عن ذلك الاسبوع المقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*