تحية إلى أصيلة

كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
21072018
احتفل منتدى أصيلة بعامه الأربعين، شعرت بالذنب لعدم المشاركة. إنه موعد سنوي رؤيوي لازم الحضور للذين يعنيهم الاطلاع على واقعنا والتطلع إلى المستقبل. وبعد أصيلة، ظهرت منتديات مشابهة، لعل أهمها في دبي وأبوظبي. لكن هذا الموعد الصيفي على الأطلسي يحمل اسم رجل واحد، وجهد رجل واحد، وضع اسم بلدته الصغيرة مميزاً فوق خريطة المغرب المترامية. وكان الحسن الثاني يقول: «ثمانية رجال على رأس ثماني مدن مثل محمد بنعيسى وأصيلة، ونربح معركة التطوُّر حول العالم».
قالها لأنه عرف محمد بنعيسى عن قرب، وزيراً للإعلام، وسفيراً لدى أميركا، ووزيراً للخارجية. لكن اسم بنعيسى ارتبط في العالم العربي بأصيلة ومهرجانها وأحيائها القديمة وشوارعها الصغيرة وبيوتها الملونة. ومرة في العام، يطغى اسم هذه المدينة الصغيرة على اسم جارتها الكبرى طنجة، بكل حكاياتها وتاريخها وأسرارها الغامضة.
بل هو يتقدم لهذه المدة العابرة أسماء مدن المغرب التي كتبها التاريخ وصفقت لها أجنحة الطيور وصنّاجات الصفّارين.
أربعون عاماً بدأها محمد بنعيسى في قرية لا يقصدها سوى صيادي الأسماك. كان يعرف أن أهل الثقافة والفكر ليسوا أهل استخبارات، ولكنه كان يدرك أيضاً أنهم سوف يبنون لبلدته الصغيرة عنواناً تُفاخر به أمام شقيقاتها الكبريات على الساحل الطويل. وعلى طبيعتها وبكل تواضعها، أصبحت أصيلة بوابة من بوابات المغرب، يقصدها الحاملون أفكارهم ودفاترهم وحواراتهم.
وإذا أردت أن تختصر محمد بنعيسى في صفة واحدة من صفاته في كل مهمة قام بها، فهو رجل الحوارات. وإذ بدأ حياته العملية مبكراً في الأمم المتحدة، فقد شعر باكراً أن أفضل السبل في مسالك الشعوب والأمم هو سبيل الحوار. وعندما أصبح وزيراً للخارجية طوال ثماني سنوات في حكومات الحسن الثاني، حمل معه إلى الدبلوماسية صورتها الأكثر تعبيراً. وتلك المرحلة كانت تقضي أن تكون صوره الداخلية شديدة، فكان أن قابلتها بصورة عفوية، صورة وزير خارجية غاية في الدبلوماسية. ومعه تعرفنا – أهل المشرق – إلى وجه شاب من وجوه الدبلوماسية المغربية العريقة، وكانوا صفاً طويلاً من الكبار وأهل الفكر والأدب.
حمل محمد بنعيسى أصيلة معه إلى الرباط. قدمها إلى زملائه في الحكومة على أنها بلدة لها حلم ومشروع. وحمل اسمها معه إلى الخارج أيضاً، ولأن هذه البلدة الصغيرة لم تكن لها هوية فاس، أو مكناس، أو مراكش، فقد عثر لها على هوية في الحداثة والفكر وصورة المدينة المثقفة.
الأصالة والحداثة. هكذا نَمَت إلى مدينة يحبها مثقفو المغرب والعرب. أربعون عاماً وهي تقدم كل سنة عنواناً فكرياً جديداً. ويظل عنوانها الأعرق والأهم، محمد بنعيسى. تحيات من القلب وعذراً للغياب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*