تحية إعجاب لموسى مصطفى موسى

 


جلبير الأشقر
Jan 31, 2018
القدس العربي

العالم بأسره يلتقط أنفاسه: ماذا سوف تكون نتيجة الانتخابات الرئاسية المصرية المزمع إجراؤها بعد أقل من شهرين؟ حتى يوم الإثنين الماضي كنّا نظن أن الريّس المفدّى، الزاهد الأعظم الذي أمسك عن الطعام لمدة عشر سنوات مكتفياً بشرب الماء من ثلاجته، سوف يحظى بإجماع الشعب المصري بلا غبار. وها أن مفاجأة انفجرت بنا كحزام ناسف لأحد الانتحاريين: فقد قرر الفدائي موسى مصطفى موسى أن يرمي بنفسه في الحلبة ويتجرّأ، بجسارة قلّ مثيلها في تاريخ الملاحم البشرية، على أن ينافس الريّس المفدّى على كرسي الرئاسة. فانقلبت كافة الحسابات وانتقلنا من نتيجة معروفة سلفاً إلى حالة ترقّب على أحرّ من الجمر.
أما السؤال الذي ننتظر بفارغ الصبر أن تجيب الانتخابات عنه، فليس بالطبع من سوف يفوز بها، بل هل يحصل المرشّح الفدائي على أصوات الأربعين ألف آدمي الذين منحوه توكيلهم، ويا هل تُرى يتجرأ موسى على منح صوته لنفسه، أم أن الجميع بمن فيهم موسى سوف يبايعون الريّس المفدّى بحيث تأتي النتيجة ناصعة، تعكس إجماع الشعب على الزعيم في مقابل لا صوت لموسى على الإطلاق؟ أو أن نفراً من الشعب المصري سوف يدلي بأصواته لموسى خطأً، ظنّاً منهم أنهم يصوّتون للريّس المفدّى نفسه بعد أن رأوا صورته تزيّن صفحة المرشّح الفدائي الفيسبوكية، ولعلمهم أنه من أقطاب حملة تأييد «منافسه»؟ فلا بدّ أن نُبدي إعجابنا بتفاني الفدائي موسى مصطفى موسى، الذي لم يتردّد في التضحية بنفسه وبكرامته التي هي أشهر من نار على علم، انصياعاً لواجبه الوطني بالترشّح لتأكيد الطبيعة الديمقراطية العميقة للانتخابات القادمة، بالرغم من أن الشك لا يرقى إليها…
آه، كم كان بليغاً الفرنسي فرانسوا دو لا روش فوكو، صاحب كتاب «الأحكام» في القرن السابع عشر وأحد أثقب مراقبي أحوال البشر، عندما قال: «إن النفاق ثناءُ الرذيلة على الفضيلة». وكان يقصد أن النفاق ينجم عن إقرار مرتكبي الرذائل بأنهم يعاكسون الفضيلة، ولولا إقرارهم ذاك لما شعروا بالحاجة إلى النفاق. ففي عهد جمال عبد الناصر، كان الريّس يزكّى باستفتاء شعبي بدون شعور الحكم بحاجة إلى النفاق والتظاهر بإجراء انتخابات تنافسية. ذلك أن الزعيم المصري كان بلا شك أكثر قادة عصرنا شعبية، ليس في مصر وحسب، بل وفي عموم المنطقة العربية. وقد رأى أن شرعيته الرئاسية بغنى عن التوكيد من خلال انتخابات تنافسية صورية، لا سيما أنه عاش في زمن كان نموذج «الاشتراكية» فيه، قصدنا طبعاً الاتحاد السوفييتي، أبعد ما يكون عن أصول الديمقراطية السياسية.
أما الريّس الحالي، فيعيش في زمن بات فيه الاعتراف بتلك الأصول معمماً إلى حد أن المثال الذي يصبو إلى تقليده، قيصر روسيا الجديد، فلاديمير بوتين عينه، يضطر إلى تنظيم انتخابات رئاسية صورية لإضفاء الشرعية على حكمه، وهو يسير بخطى حثيثة نحو بلوغ عدد من السنين في الحكم جدير بالرئاسة مدى الحياة التي اعتدنا عليها في منطقتنا العربية. فضلاً عن ذلك، فقد تبددت الشعبية التي حاز عليها عبد الفتّاح السيسي قبل توليه الرئاسة في صيف 2014، أي قبل أن يجرّبه الشعب المصري في مسؤولية السلطة. وهي شعبية جاءت نتيجة تضافر حملة الأجهزة المحمومة مع الأوهام التي عمل بوحيها وساهم في بثّها الذين اتكلوا على القوات المسلحة كي تخلّصهم من رئاسة محمد مرسي، ظنّاً منهم أن إزاحة هذا الأخير بانقلاب عسكري سوف تُعيد فتح باب الديمقراطية الذي خشوا أن توصده جماعة الإخوان المسلمين.
وبعد أربع سنوات، انقشع السراب. لا المشاريع الفرعونية أتت بالبحبوحة الموعودة، ولا أوضاع البلاد نعمت بالاستقرار المنشود. بل تعرّض الشعب المصري لأقسى هجوم على معيشته تعرّض له في عصرنا، بما يفوق بدرجات تلك الإجراءات التي اتخذها حكم أنور السادات في عام 1977 وانفجرت الجماهير غضباً مطالبة بإلغائها. هذا على خلفية تصاعد في التوتّر والإرهاب، إرهاب الإرهابيين وإرهاب المُشرفين على «الحرب على الإرهاب»، بلغ ذروة في الأشهر الأخيرة.
فالحقيقة هي أن قيام الحكم الحالي بسدّ الطريق أمام أي مرشّح جدّي، غير صوري تهريجي مثلما هو موسى مصطفى موسى، ليس تعبيراً عن قوة، بل هو تعبيرٌ عن ضعف بالغ وعدم ثقة بالقدرة على الفوز في انتخابات حرة ونزيهة. والسؤال الحقيقي والجدّي ليس من سوف يفوز بالانتخابات القادمة، ولا ما عدد الأصوات التي سوف تمنحها الأجهزة للمرشّح الفدائي، بل إلى متى سوف يبقى الشعب المصري متفرجاً على تلك المسرحية الرديئة.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*