تحديات وأوهام توازياً مع معركة الجيش


روزانا بومنصف
22082017
النهار

في أي حال، برزت مجموعة تحديات وأوهام من خلال ما يحصل. التحدي يتمثل بقدرة السلطة السياسية على استثمار الانتصار المرتقب للجيش (على رغم وجود خشية من فخاخ ما تظهر تعثرا للجيش بحيث يتقدم الحزب لمساعدته مثلا من اجل اثبات انه لا يستطيع إنهاء المعركة وحده). اذ برز واضحا دخول الرئيس السوري بشار الاسد على الخط للتوظيف ايضا في هذا الاطار. والتساؤل من ضمن هذا السياق يتصل بما اذا كان ممكنا استثمار انتصار الجيش في مظاهر استعادة الدولة مقوماتها كدولة قادرة (في حال رغب فعلا المسؤولون الكبار في ذلك). ولعل ذلك قد يكون متاحا اذا صح وجود الارادة الجامعة، بما ان هناك اجماعا معلنا حول الجيش بناء على المواقف والتصريحات لجميع الافرقاء في هذا الاطار. فالدولة تتكامل ادوارها عبر كل مؤسساتها وليس عبر الجيش وحده، بحيث يخشى ان يضيع الانتصار الذي يحققه الجيش من دون توظيفه في تقوية الدولة على كل الصعد، بدليل ما يشهده الواقع السياسي في تسيير ادارات الدولة وشؤونها في الكهرباء والاتصالات وادارة المناقصات والنفايات والى ما ذلك حيث يغيب واقع الدولة لحساب المحاسيب والمحاصصات. فيكون الواقع ان وجود الجيش وحده لا يؤمن قيامة الدولة في ظل رهان كثر على ان تولي الجيش تحرير الارض انما يعيد الى الدولة دورها وهيبتها. ويخشى كثر ان تكون السلطة السياسية اكثر عجزا من الاستثمار السياسي في انتصار الجيش.

أما أحد أبرز الأوهام فيكمن وفق مصادر سياسية في الاعتقاد ان الفرصة التي توافرت ليقوم الجيش بمهمة استثنائية في جرود القاع ورأس بعلبك قد تقلص قدرة الحزب او سطوته او تحكمه في مفاصل الواقع السياسي والعسكري والامني في لبنان. ويخشى أن تكون مواجهة هذا الواقع أشبه بما تكون في مواجهة طواحين الهواء، بالاستناد الى أنه حين يعمد بشار الاسد، مستقويا بزيارات وزراء لبنانيين لسوريا، كادت أن تكون لثلثي الحكومة لولا بعض ماء الوجه المحترم لقرار الحكومة بحسب موقف وزير الخارجية، الى أن يوازي بين الرئيس الروسي ومرشد الجمهورية الاسلامية والامين العام لـ”حزب الله” في مهمة إنقاذ سوريا كما قال، فيجب توقع المزيد من الدفع في اتجاه الاستثمار السياسي على هذا الصعيد. وثمة مؤشرات كثيرة توحي بذلك كما مؤشرات أخرى غدت معروفة عن العجز في اي مواجهة سياسية في هذا الاطار، وفق ما استشهدت مراجع سياسية بمواقف الافرقاء السياسيين من زيارات الوزراء لسوريا الاسبوع الماضي، والتي ذابت بعيدا من موقف مبدئي ليس إلا. وتبعا لذلك، فقد يكون وهما وفق المصادر السياسية نفسها السعي الى نقض ما كرسه الحزب عملانيا على صعيد معادلته، اي الجيش والشعب والمقاومة، وما سيدافع عنه في قابل الايام في هذا الاتجاه، باعتبار انه بدأ هو الاستثمار السياسي على نحو مبكر في فرض الاجندة التي يريدها لجهة اعادة العلاقات مع النظام السوري، وقبل ذلك في معركة جرود عرسال، في انتظار ما قد يقترحه او يضغط في اتجاهه في المدى القريب.

هل ذلك نتيجة منحى إقليمي بدأت انعكاساته على لبنان تترجم بهذه الطريقة؟ الخطاب المعتمد من وزراء الحزب وسياسييه يظهر ذلك، وكذلك بالنسبة الى الخطاب الذي أدلى به بشار الاسدـ ولو ان سياسيين كثرا يناقضون هذا الانطباع على قاعدة ان الامور ليست محسومة وفق ما يوحي جميع هؤلاء. لكن في المقابل تغيب أي معطيات مناقضة الى درجة تعطي ارجحية لاستثمار سياسي متقدم للفريق الاقليمي الذي يمثله الحزب والذي يتيح له دفع الامور الى الاقصى، من دون أي قدرة على المعارضة، او بمعارضة ضعيفة.

تعليقان ديبلوماسيان على العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش ضد عناصر “داعش” في الجرود. احدهما للسفارة الاميركية يفيد بأن الولايات المتحدة فخورة بدعم الجيش اللبناني باعتباره “المدافع الوحيد عن لبنان وشريكا في معركتنا المشتركة ضد داعش”. وتغريدة للسفارة الفرنسية عن “كل الاعجاب والدعم للجيش اللبناني في معركته ضد داعش ولبنان وفرنسا يواجهان اليوم عدوا مشتركا”. الموقف الاميركي الدافع في اتجاه اعطاء الزخم للجيش كمدافع وحيد عن لبنان اي من دون “حزب الله” والتنسيق معه وتشجيعه مهم بمقدار ما يحتاج الداعمون لاستمرار المساعدات للبنان ان يقدموا مواقف قيادة الجيش في هذا الاطار للكونغرس الاميركي من اجل التمكن من تأمين الدعم الذي لم يرد في المخصصات المعهودة في هذا الاطار. لكن ايضا وكما الموقف الفرنسي المبدئي يسعى الى تزخيم سيطرة الدولة عبر الجيش اللبناني على كل الاراضي اللبنانية وممارسة سيادتها، يجب الاقرار بأن الميل العارم لدى غالبية من السياسيين اللبنانيين وان كانوا يلهجون علنا بدعم الجيش ومعركته، فإنهم يدفعون في المقابل على الصعيدين السياسي والاعلامي في اتجاه تعميم معطيات يجزمون بدقتها عن تنسيق بين الجيش والحزب وقوات النظام السوري من جهة أخرى، بغض النظر عن أنهم يقوضون بوعي أو من دون وعي الدعم الخارجي للجيش. ولعلهم بذلك يرغبون في تطيير أي دعم خارجي، أيا تكن طبيعته، انطلاقا من عدم مراعاتهم او احترامهم موقف القيادة العسكرية وتصريحاتها في هذا المجال. ماذا سيصدق الاميركيون تبعا لهذه الرسائل؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*