تحديات ماكرون وأمثولة الى الشعب اللبناني

موريال جلخ

همس ماكرون ذات يوم لأحد المقربين منه أن هولاند خسر الصدقية المطلوبة أمام الشعب الفرنسي، وهذا كان من العوامل الأساسية الذي دفعته للتفكير في خلق حركته الجديدة والمضي قدماً في مشروعه الذي وضعه نصب عينيه. همس ماكرون في عام 2015 في أذن الاقتصادي ألان مينك أنه على ثقة كاملة بقدرته أن يصبح الرئيس القادم لفرنسا. لم يتحسس أحد من زملائه في مجلس الوزراء ولا هولاند بشخصه أن هذا الشاب العَجِل سيكسر الى هذا الحد كل القيود في الحياة السياسية الفرنسية.

بعد الحملة الانتخابية التي قادها من سنة الى اليوم، والتي يمكن أن يقال عنها إنها تقريباً حصلت من دون أي تعثر يذكر، كان ماكرون يعلن دائماً أينما حلّ انه ليس من اليمين ولا من اليسار، بل أفكاره تجمع الأضداد وهذا سيكون سرّ انتخابه. وصلت الأمور ليل أمس الى خواتيمها، وحقق ماكرون ما كان وضعه نصب عينيه من سنة بالتحديد.

لكن، ليدخل إيمانويل ماكرون التاريخ من بابه العريض، عليه ان يبرهن لفرنسا والعالم ان انتخابه رئيساً للجمهورية لم يكن مصادفة بل هو يستحق بكل جدارة هذا المنصب. ماكرون سيكون محط أنظار كل مواطن، كل محلل، كل رئيس دولة أجنبية، فانتخابه وهو في سن لم يعتد قادة العالم أن يُنتخبوا فيها، تضع على عاتقه مسؤوليات جمّة، يمكن ان تضعفه من اول الطريق وتفقده الطابع الفريد لانتخابه إن لم يعرف كيفية التعامل معها.

وهذه التحديات التي تنتظره بدأت اليوم، وعليه ان يكون محنّكاً كفاية ليعرف كيف يتخطاها ويكمل مشواره السياسي الذي رسمه لنفسه. بداية، هو الذي لا يملك نائباً منتخباً من قبل، عليه ان يحصل على أكثرية في الانتخابات النيابية المقبلة في شهر حزيران المقبل. تحالفلاته في المرحلة المقبلة عليها أن تجاري مواقفه الذي نادى بها خلال الأشهر الماضية؛ إن تحالف مع اليسار سيقال له ان كل انتقاداته الى الحزب كانت عارية من الصحة وهو ضمنياً يؤيد أفكاره. أما إذا تحالف مع اليمين، الذي وعلى لسان برونو لومير الذي يسعى للأخذ بزمام حزب اليمين مدّ له اليد على احدى الشاشات الفرنسية ليل أمس، يكون ماكرون خسر صدقيته. المعادلة التي تنتظره في الأيام المقبلة ليست بالأمر السهل. فإن لم يحصل على الأكثرية في البرلمان سيبدأ عهده بالشراكة مع قوة سياسية تملي عليه الحكم معاً، وهذا الأمر سيحاول ماكرون تفاديه بكل الطرق.

الأمر الثاني الذي سيكون إعلانه مرتقباً الى حدّ كبير الاثنين المقبل، هو الإفصاح عن اسم رئيس مجلس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية الفرنسية بمفرده. هنا أيضاً كما وعد خلال الحملة الانتخابية لا يريد الإتيان الى هذا المنصب بأشخاص باتت وجوههم معروفة في الحياة السياسية الفرنسية بل بشخص جديد له خبرته الخاصة به، لا شخص مستهلك إعلامياً وسياسياً، يكون عبئاً على المنصب. وهذه معضلة أساسية سيواجهها الرئيس المنتخب، هو الذي صرح انه ان وصل الى سدّة الرئاسة يطمح بالمجيء بامرأة. يتوجب على ماكرون، إذاً، أن يعرف الشخص الذي سيسمّيه الى هذا المنصب، والذي سيعمل على إنجاح البرنامج الذي وضعه ماكرون وسيُحاسب عليه بعد 5 سنوات.

هل سيستطيع فتى فرنسا الجديد أن يجمع مكوناتها المشتتة حول مشروعه، وأن يقنع منتخبي مارين لوبن الذين تجاوزوا العشرة ملايين، وهي سابقة تاريخية للحزب اليمين المتطرف، انه قادر على احتواء مخاوفهم وإيصال أفكارهم وتنفيذها؟ هذا ما وعد به ليل أمس عندما توجه الى مناصريه المحتشدين امام متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية بأنه سيعمل بكل ما أوتي بألا يكون هناك أي سبب في الـ 2022 لأي ناخب للتصويت لمارين لوبن مجدداً.

ويبقى مستقبل أوروبا، ولا سيما بعد خروج بريطانيا منها، أحد الملفات الأساسية للرئيس الجديد الذي سيناقشه مع المستشارة الألمانية أنغيلا مركل من اجل إحياء هذه القارة التي تواجه صعوبات جمّة، والتي حبست أنفاسها ليل أمس متخوفة من وصول اليمين المتطرف الى سدة الرئاسة، الأمر وإن حصل كان سيؤدي الى خراب أوروبا وتفتتها.

الشعب الفرنسي أعطى ليل أمس مرة جديدة درساً في الديموقراطية للعالم، هو الذي منح مفاتيح الحكم الى شخص مغمور لم ينتخب منه سابقاً، وثق بالتغيير الذي يمكن ان يجلبه انتخاب ماكرون. راهنوا عليه والأشهر والسنوات القادمة ستكون كفيلة بإظهار مدى صوابية اختيارهم. لا يمكننا الاّ أن نقدر شجاعة هذا الشعب آملين ان يتعظ الشعب اللبناني من هذه التجربة الديموقراطية ويجري التغيير الموعود في الانتخابات النيابية المقبلة، إذ مرّ على فرنسا 5 رؤساء جمهورية ولا يزال بعض الوجوه السياسية على حاله منذ ذاك الحين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*