«الوحش الآتي من الشرق» لن يرجئ الربيع… والروس يخشونه

 

موسكو – سامر الياس
الأخبار
05032018

 

A woman walks through heavy snowfall past a poster announcing forthcoming Russian presidential elections in Moscow on March 4, 2018. / AFP PHOTO / Kirill KUDRYAVTSEV

أرجأ «جنرالات الثلج» المرافقون لـ «الوحش الآتي من الشرق» حلولَ الربيع في أوروبا. وفرضت موجة البرد السيبيرية حظراً للتجوال من أقصى شمال أوروبا إلى شواطئ البحر المتوسط مروراً بشرقها ووسطها، وعطّلت الثلوج والعواصف مئات الرحلات الجوية، وخلّفت عشرات القتلى، في أقوى موجة للبرد تشهدها عموم القارة العجوز منذ نحو ست سنوات.

ومن سيبيريا التي انطلق منها «وحش البرد»، زاد تدفق الغاز الطبيعي إلى أوروبا، ليحمل الدفء إلى الملايين، ويعود على الخزينة الروسية ببلايين إضافية، ما كانت ترغب بروكسيل في أن يكسبها الروس.

ولم تقتصر موجة البرد على أوروبا، بل شملت مساحات واسعة من روسيا. وسَجلت درجات الحرارة في موسكو ومحيطها أرقاماً قياسية في الانخفاض، على رغم اقتراب الربيع. ومع اعتياد الروس على قسوة «جنرالات الوحش الآتي من الشرق»، إلا أنهم ضاقوا ذرعاً بالشتاء، وضربوا موعداً مع ربيع يتأخر منذ محاولات نيكيتا خروتشوف في ستينات القرن العشرين، كسرَ جليد الحقبة الستالينية، لكن اتضح أنه لم يكن إلا موسم «ذوبان الجليد»، ليعود إلى فترة ركود ليونيد بريجنيف، فموت الاتحاد السوفياتي، ومحاولات بعثه مجدداً.

ومع حرمان الروس من ربيع دائم، فإن «وحش الشرق» طالما حمى بلادهم من طمع «الغزاة من الغرب»، فالجنرال «ماروزوف» (الثلجي باللغة الروسية)، أوقف زحف نابليون بداية القرن التاسع عشر وأعاده مهزوماً إلى بلاده. وتكفّل الجنرال ذاته قبل نحو 70 عاماً، بتبديد أحلام أدولف هتلر، وتسبب في هزيمة نكراء له بعدما حاول اجتياح «مملكة وحش الشرق». وخشية الروس من «الوحش الآتي من الشرق» تفوق خشية الأوروبيين، فهم خبروا قسوة المغول الذين دمروا إماراتهم، وسيطروا على مقدراتهم طويلاً.

وتكشف دروس التاريخ أن «وحش الشرق» قادرٌ على تأجيل الربيع، لكنه أعجز من أن يُغيّر قوانين الطبيعة والتعلم من تجارب التاريخ. ففي 1956، غزا السوفيات هنغاريا وأنهوا ثورتها بقوة السلاح. وفي 1968، قمعوا «ربيع براغ» بالدبابات ومنعوا انتقال نسائم الربيع إلى المعسكر الاشتراكي، ولاحقاً إلى الاتحاد السوفياتي. تأخر ربيع براغ وبودابست وغيرهما، لكنه أزهر في النهاية. وأما في موسكو، فأنتجت مخالفة قوانين الطبيعة انهياراً كاملاً لتجربة شيوعية استبدلت القيصر وحاشيته بالأمين العام للحزب وترويكا حاكمة في المكتب السياسي، والشرطة السرية بأجهزة الـ «كي جي بي»، وتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية بميثاق الحزب الشيوعي. تجربة لم تُفلح جهود أول وآخر رئيس للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في إعادة بنائها وضخ الروح في الجسد السوفياتي المنهك.

موجات البرد السيبيري طاولت الشرق الأوسط مرات في السنوات الأخيرة، فحملت الفرحة للأطفال حيناً، والموت أحياناً بالبرد ووسائل أخرى. وكما حاول القياصرة منع الثورات، ودعموا ملوك أوروبا حتى منتصف القرن التاسع عشر، عملت روسيا بعد السوفياتية في السنوات السبع الماضية على دعم أنظمة وحمتها ديبلوماسياً وزودتها أحدث الأسلحة، لتوقف تقدم الربيع.

تأثير «الوحش الآتي من الشرق» انحسر عن أوروبا، وشرع الربيع في شق طريقه هناك. أما في موسكو، فعادت الثلوج بكثافة غير مسبوقة لتُذكّر بسطوة «جنرالات الثلج» وقوتهم. على رغم ذلك، لا يشغل الروس أنفسَهم بإطلاق أسماء محددة على موجات البرد والصقيع التي تُدخل الدببة في سبات طويل مع صحوات قصيرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*