تأمّلات في الوطنية الجيشيّة اللبنانيّة

جهاد الزين
النهار
12092017

تلملم كل من الطائفيّات (وليس الطوائف) اللبنانية هذه الأيام إرثها القديم السيّئ مع الجيش (بمن فيها الطائفيّة المارونية) كشريكة قررت، الالتزام النهائي بشريكها، بعد انفصالات عدة عنه.

لا شك أن اللحظة الآن وطنيّةٌ في الثقافة الكيانية اللبنانية وأهم ما فيها، بل جوهرها، أنها تعيد تأسيس هذه الوطنية عبر وحول رمزية الجيش.

وضَعْنا في السنوات الأخيرة جانبا، عددا من التطرفات المتبادلة التي ترغب وطالما رغبت في زج الجيش خارج المنطق العميق للوفاقية الوطنية التي هي التعريف النهائي للوطنية اللبنانية على أمل أن تتمكن ربما الأجيال اللاحقة أن تصف هذه المرحلة بأنها كانت التعريف ما قبل النهائي لنهاية آتية نهائية ومستقرة بذاتها لا بوظيفتها.

مع ذلك لا تُبنى الوطنيات، كما أردد دائما، إلا على مزيج من الحقائق والأساطير. يعني لا بد من الأساطير إنما، إذا جاز التعبير، الأساطير العقلانية ! مثلما يحدث حاليا في “أسطورة” الصراع العربي الإسرائيلي التي تعكس حقيقة ثقافية رغم تراجعها السياسي.

لم يحصل أن كان الجيش اللبناني موضع إجماع دولي وشعبي في أي مرحلة سابقة مثلما هو اليوم. هذه حقيقة من المهم جدا جدا أن لا تكون مؤقتة أي أن لا يدفع إليها فقط التقاءُ إرادات عملية كبرى من واشنطن إلى باريس فطهران والرياض ودمشق على مساعدة الجيش لوجستيا وسياسيا ومساعدة الدولة أستخباراتيّاً.

هناك مرحلة في المنطقة يمكن تسميتها بداية النهاية الحثيثة للشكل التكفيري من الإسلام السياسي. هذه فرصة يلتقي فيها لبنان مع عدد من الدول المحيطة. ستعقبها على الأرجح مرحلة تراجع الطموح الديموقراطي لمصلحة تقدّم الطموح الاستقراري الأمني. لكن بين التراجع الذي جعل الديموقراطية مشاريع حروب أهلية وانهياراتٍ مجتمعية في العالم العربي وبين التقدم الذي يجعل السلامة البيولوجية أعلى مطالب الحياة السياسية في المجتمعات… هناك كل أنواع المخاطر والقلاقل والعنعنات التي تجعل دولنا ومجتمعاتنا في أطوار دائمة وخطرة من إعادة التأسيس.

لا يموت الإسلام السياسي في منطقة مسلمة وقلقة ولديها شعور عميق بالخسارة التي تمتد إلى القرن التاسع عشر.

لكن إسلاما سياسيا غير إسلامي يمكن لنخب الدياسبورا العربية والمسلمة في الغرب أن تعود للمساهمة بإعادة تأسيسه ليس بالضرورة على دبّابات قوات كولونيالية غربية كما بعد الحرب العالمية الأولى ولكن على أجنحة العولمة الديجيتالية فيأتي مسلمونا الجدد إلى دول أهلهم القديمة كخبراء علمانيين يؤمنون بثقافتنا دون أن تستعبدهم هذه الثقافة.

لا توجد في الوطنية اللبنانية فقط نُدوب إسلامٍ قلق ورافض وانتحاري بل أيضا، لاسيما في السنوات الأخيرة توجد رضوضُ مسيحيّةٍ مشرقية شبه منقرضة في شرق الشرق ومتوجسة في غرب الشرق أي لبنان. لكنها، مسيحية البحر الأبيض المتوسط، مسيحية مزدهرة ثقافيا وراسخة سياسيا، هذا يجعلها مع مواطنيها المسلمين المحليين الخائبين من المنطقة قادرة على إعادة صياغة وطنية لبنانية مصلحية وناضجة وعقلانية عنوانها الأول الجيش.

دعوني أستدرك هنا: يتساوى سياسيا، وليس وجوديا، الانقراض المسيحي في المنطقة مع انقراض أحلام مسلمي المنطقة. من المفترض أن تتجدد الوطنية اللبنانية من مفاعيل تأثير هذين الانقراضين.

هناك عوامل عديدة تدفع للتفاؤل على هذا الصعيد:

صحيح أن موجة الحروب السنية الشيعية لم تهدأ ولكن الجيوبوليتيك الذي يغذّيها بات خائفا على انهيار خرائطه من تركيا إلى اليمن ومن ليبيا إلى إيران.

هذا يضيف إلى فرص انبعاث الوطنية اللبنانية فرصةَ إطفاء نار ساخنة كان اختبارها شديد الأهمية في قرى وجرود البقاع الشمالي. لقد “تعرسلت” هذه الوطنية، يقابلها اختبار “الطهرنة”؟ لا هذه من دون تلك حاليا. لكن دما سفحه التكفيريون بدا غاليا على الجميع وأعطانا هؤلاء الضحايا فرصة انبعاث جديدة. نسمّيهم جميعا شهداء بلا تردد.

الحذر واجب، لا من الطبقة السياسية التي بكل أجنحتها تلمّست قوة الوطنية الوفاقية، وليس الوطنية الفئوية، وإنما الخوف من عمالات هذه الطبقة وتفتتاتها غير الديموقراطية التي يمكن أن تفرض نفسها ذات يوم أراه الآن بعيدا.

إسم الوطنية اللبنانية اليوم هو الوطنية الجيشية نسبةً للجيش أو الوطنية العسكرية نسبةً للمؤسسة العسكرية. هذا وضعٌ يأتي على طبقٍ من ذَهَبٍ لميشال عون طالما حلم به فؤاد شهاب حتى في ذروة نفوذ الشهابية. لكن دولة فؤاد شهاب انتهت إلى غير رجعة فالطبقة السياسية التي دجّنها فؤاد شهاب بعد العام 1958 أو استخدمها كانت أضعف من الدولة كمركز بينما هي الآن ليس فقط أقوى من الدولة بل هي الدويلات التي تمثل الدولة بعدما انتقل النظام الطائفي من فدرالية طوائف “تحت” الدولة إلى فدرالية دويلات طائفية “فوق” الدولة أكثر فسادا وإفسادا بالمقارنة الواضحة بين الزبائنية القديمة و”الجديدة”. كان يمر بين السياسيين سابقا من لم تتلطّخ أيديهم شخصيا بالمال العام، هذه الظاهرة تقلّصت جدا إن لم تكن انقرضت الآن في الدوائر العليا للسلطة المحلية. على أي حال هذا الاعتبار الأخير (الفساد الفادح) لا قيمة له اليوم في السياسة اللبنانية الفعلية بسبب قوة النظام السياسي الطائفي غير المسبوقة.

الجديد الإيجابي هو نضج نوع من الوطنية اللبنانية حول الجيش: الحاجة للأمن المستقر هي التي “تصنع” تاريخنا الحاضر لا الحاجة للإصلاح الذي لا قوى جدية له في المجتمع اللبناني لأن قاعدة النظام الزبائنية واسعة جدا بين النخب خصوصا في القطاع العام وبين الجمهور حتى لو هو جماهير طائفية بل لأنه كذلك ( بالدم بالروح نفديك يا…).

لقد سبق أن أنتج الجيشُ المشروع الإصلاحي الأكثر مصداقية للدولة اللبنانية (الشهابية)، وها هو اليوم رغم اهتراء الدولة يُنتج الإجماع الأمني الأكثر مصداقية ربما منذ 1943. إجماع على الرغم من كل المخاطر التي تهدده في المنطقة يبعث بموجة غير مسبوقة من الوطنية غير الفئوية تنضم إليها الطائفيات جميعا رغم إرثها الدولتي السيئ.

في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم كانت الجيوش هي التي تدير الوطنيات في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وبعض إفريقيا وآسيا. ولذلك كانت وطنياتٍ استبداديةً وإقصائية. هذه تجارب وإن لم تنته بعد كليا إلا أنها عموما تراجعت بسبب التحولات العالمية.

الذي يحصل اليوم في لبنان أن الوطنية الواقعية هي التي تدير الجيش في بلد لا تاريخ له من سيطرة الجيش المطلقة على الحكم حتى في العهد الشهابي. الجيش اليوم هو الاستقرار والاعتدال وأضيف: هو النضج الوطني للطوائف لكن ليس للطائفيات.

فحذارِ.. حذارِ من أفاعي هذه الطائفيّات.

وعاش الجيش.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*