تأجُّج الصراع الإقليمي يُشعل حرباً في لبنان



سركيس نعوم
النهار
20 شباط 2017

سارع أمس رئيس الحكومة سعد الحريري و”تيَّاره” والدكتور سمير جعجع و”قوَّاته” الى الدفاع وبشدّة عن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة رداً على الهجوم القاسي الذي شنّه عليهما الخميس الماضي الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله. وقد يعتبره من أزعجهم ما ورد في “الموقف هذا النهار” السبت الماضي رداً عليه أيضاً. والحقيقة غير ذلك تماماً. فالانتقاد في “الموقف” تناول التغاضي عن كلام الرئيس ميشال عون المتعلّق بـ”حزب الله” والمشرّع لسلاحه والمبرّر لاستعماله “لعدم كفاية قوة الجيش لمحاربة إسرائيل”، والمعتبر أنه لا يستعمله داخل لبنان بل خارجه. طبعاً لا يعني ذلك أن كاتب هذه السطور يريد إعادة الحرب بين “الحزب” و”المستقبل” و”القوات” وبين من يمثّلون. فهو مع كل اللبنانيين صلّوا لكي يتوصّلوا والآخرين الى تفاهم حول قضايا خلافية، والى “ربط نزاع” حول قضايا خلافية أخرى يستحيل التوصل الى حلول لها الآن لأسباب إقليمية. وصلّوا أيضاً كي ينجحوا في إنهاء الشغور الرئاسي والشلل النيابي والحكومي وفي تأمين الحد الأدنى من حقوق المواطنين. لكنه واللبنانيين كلهم يخشون عودة تأجج الصراع الداخلي لأسباب إقليمية، وأن ينعكس ذلك سلباً على إنتاجية الحكومة الجديدة بل على وجودها، وأن يعطّل إجراء الانتخابات النيابية التي ينتظرها الجميع كما يدّعون. وهذه الخشية ليست تنظيراً كما قد يعتقد البعض. فالصراع بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية على أشدّه الآن. علماً أنه لم يخفّ بعض الشيء رغم توهُّم زعماء لبنانيين ذلك جرّاء انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية بعد فراغ طويل. وذلك نتيجة قرار “حزب الله” وطهران، لا نتيجة تفاهم الأخيرة والرياض، وأقصى ما حصل على هذا الصعيد قد يكون عدم ممانعة الرياض تلافياً لانفراد غريمتها الاقليمية وحليفها اللبناني في الإمساك بمفاصل الدولة اللبنانية كلها، وترحيباً بعودة حلفاء لها الى الحكومة رغم العلاقة غير السويّة بينها وبينهم.
والدافع الى ذلك كان ولا يزال الاحتفاظ بموطئ قدم كما يُقال في دولة كانت ساحة لنفوذها في السابق ثم ساحة لصراعها مع جهة عربية هي مصر عبد الناصر. وهي الآن ساحة لإيران ولحليفها “حزب الله” و”شعبه” الشيعي ولحلفائه من “الشعب” المسيحي.
لكن هنا لا بد من ملاحظة أمر مهم، هو أن فوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة أحيا الأمل ربما في نفوس قادة المملكة ودول عربية أخرى معظمها إقليمي في استعادة لبنان كاملاً، وفي تعويض خسائرها في سوريا واليمن وبعض العراق. ذلك أن موقفه من إيران كما موقف كبار مساعديه بالغ السلبية. وهو أيضاً موقف إسرائيل نفسه حليفته شخصياً والحليفة الاستراتيجية الأولى لبلاده من زمان. وقد يشجعه ذلك مع بعض التحريض العربي، إذا نجح طبعاً في اجتياز امتحان الأهلية للرئاسة الذي يتعرّض له منذ تسلمه سلطاته الدستورية قبل شهر بالتمام والكمال، على تنفيذ مغامرة عسكرية مباشرة أو عبر اسرائيل على إيران. وإذا كان ذلك مستحيلاً وصعباً لأن قرار ترامب رغم تهوّره هو مواجهة إيران وإرهابها وإلغاء الاتفاق النووي الذي وقّعته معها المجموعة الدولية الأكبر 5+1 ولكن من دون اشتباك عسكري مباشر بين بلاده وبينها، إذا كان ذلك مستحيلاً، فإن المواجهة غير المستحيلة قد تكون بين إسرائيل و”حزب الله” وعلى أرض لبنان وبتصفيق “عربي” حاد أو على الأقل بابتهاج ضمني وتأييد نصف علني. طبعاً تعرف إسرائيل ويعرف العرب كلّهم والعالم كما أميركا، باستثناء ترامب ربما، أن المواجهة لن تكون نزهة وأن نجاحها قد لا يكون مضموناً قياساً الى مواجهة 2006، وأن روسيا واستطراداً الصين لن تقفا مكتوفتين. ولكن ما يجب أن يعرفه اللبنانيون الذين يقفون مع “حزب الله” في السلم والحرب واللبنانيون الذين يقفون ضده في السلم والحرب هو أن لبنان سيدمّر نتيجة ذلك، وأن النار السورية المذهبية المتأججة ستنتقل إليه رغم نجاحه في تجنبها منذ اندلاعها، وهو أمر استحق عليه تهنئة المجتمع الدولي. والبقاء بمنأى عن الحرب يتوقف على أسئلة عدة تتناول استراتيجيا الرئيس عون والمسيحيين عموماً والسياسة التطبيقية لها إذا وجدت، وانعكاسات تحالفه مع “حزب الله” على لبنان و”شعوبه”، والقدرة على تغييرها أو تعديلها لمصلحة البلاد. كما تتناول استراتيجيا “الحزب” واستراتيجيا “المستقبل” إذا كانت له واحدة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*