بين الاتهامات والتبجحات


مروان إسكندر
05102018
النهار

يتعرض لبنان من وقت الى آخر لاتهامات بان نظام القطع الحر المعتمد لديه منذ اوائل الخمسينات يسمح بتبييض الاموال على نطاق ملحوظ وانه يجب ضبط هذه العملية.

في المقابل، هنالك مطالبة ملحة من جميع الدول والهيئات التي شاركت في مؤتمر “سيدر” في نيسان الماضي بتحقيق تحسن ملحوظ في اجراءات المؤسسات العامة، اضافة الى ضبط عجز الموازنة في حدود لا تزيد على نسبة العجز عام 2017.

تراجع الاهتمام بموضوع تبييض الاموال لان وسائل التحقق لدى المصارف تستجيب لتوصيات مصرف لبنان واحيانًا تفوقها من أجل الاحتراز.

منذ سنوات وفي عشاء لدى سفير الولايات المتحدة في ذلك التاريخ ديفيد ساترفيلد، اراد تنبيه الحضور، وكان بينهم أكثر من وزير، الى ضرورة قمع تبييض الاموال بشكل حاسم. وبما انني كنت ولا أزال اعتمد الصراحة، خاطبت السفير قائلاًً: لماذا تعتبر تبييض الاموال في لبنان مشكلة رئيسية، وفي اسرائيل لا توجهون أي انتقاد في هذا الموضوع، علمًا بان 14 من كبار المستفيدين من برامج يلتسين المعيبة ينتمون الى ديانة الدولة الاسرائيلية وهم اختلسوا نحو 200 مليار دولار وحملوا نسبة ملحوظة منها نقدًا الى اسرائيل. وتابعت: هل ان السلطات الاميركية متأكدة من ان الاموال النقدية التي تنفق في لاس فيغاس أو أتلانتيك سيتي في نوادي القمار هي شرعية وان الارباح التي تدفع نقدًا تدخل المصارف بصورة شرعية؟

للجواب عن السؤالين، نقرأ اليوم عن أكبر عملية تبييض للاموال على نطاق عالمي في فرع أكبر مصرف دانماركي في آستونيا.

المعروف عن استونيا انها بلد صغير يبلغ عدد سكانه 2.5 مليوني نسمة منهم نسبة 50 في المئة يعتمدون الروسية في دراستهم ومعاملاتهم وانتسابهم.

بين 2008 و2017، وهي سنوات الازمة المالية العالمية، حقق المصرف الدانماركي الاكبر في فرعه في استونيا عمليات تبييض أموال تجاوزت قيمتها 260 مليار دولار، وقد استقال الرئيس التنفيذي لفرع المصرف واجري معه تحقيق في شأن مسؤوليته القانونية وحصل على البراءة، لان قوانين استونيا لا تفرض القيود الدولية على العمليات المالية في مجال تبييض الاموال.

ولعل الاهم من ذلك ان النسبة الكبرى من الشركات التي مارست عمليات التبييض هي شركات مؤسسة كشركات خاصة في لندن، وهذه يمكن ان تتعاطى التجارة وتحويل العملات دونما رقابة. فهيئة الرقابة على الاسواق المالية البريطانية تحصر أعمال الرقابة بالشركات التي تسجل اسهمها في البورصة ويجري التعامل بشراء اسهمها وبيعها عبر السوق، والشركات الخاصة التي تعاطت اعمال تبييض الاموال لا تخضع للرقابة وأعمالها خارج بريطانيا لا تخضع للضرائب.

هنالك آلاف من الشركات الخاصة يملكها مواطنون عرب وعشرات يملكها لبنانيون، وآلاف أميركيون ومئات فرنسيون واسبان وايطاليون الخ.

حتى تاريخه لا يبدو ان هنالك برنامجاً قانونياً لضبط هذه الشركات، ويمكن التخمين ان انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، الامر الذي يدفعها الى اعتماد سياسات تستقطب الشركات والنشاطات من مؤسسات وافراد من بلدان أخرى، ستسمح باستمرار العملية وربما تشجيعها، ولا يبدو ان سلطات آستونيا تمانع في ذلك.

نعود الى موضوع التبجحات في لبنان، فكل تصريح لكبار المسؤولين يشدد على خطوات مكافحة الفساد من جهة وعلى انجازات العهد من جهة أخرى، وهذه تمثلت في أمرين:

– انجاز قانون للانتخابات النيابية يستند الى مزيج من النسبية والتفضيلية المتمثلة بالصوت التفضيلي، وهذا الصوت وفر النجاح لمرشحين نالوا 200 و250 صوتاً مقابل منافسين حازوا آلاف الاصوات.

– الأمر الثاني الذي نسمع عنه ولا نجد البراهين الحسية عليه هو القول بان مجلس النواب استطاع خفض عجز ارقام موازنة 2018 عن عجز موازنة 2017، والرقم الذي أشيع عن خفض العجز كان نحو 250 مليون دولار. وقد بدأت الحقيقة تظهر مع طلب مخصصات كبيرة لشراء المحروقات للسفينة التركية المفترض انها توافرت هدية لفترة ثلاثة أشهر، وقد تبيّن ان حاجة السفينة من المحروقات التي لا بد من توفيرها من مصلحة كهرباء لبنان تتجاوز الـ300 مليون دولار. ولو خصصنا 100 مليون دولار اضافية لكنا استطعنا انجاز محطة دائمة بطاقة 500 ميغاوات، وتالياً فإن عجز الموازنة سيزيد على الاقل 600 مليون دولار ويتجاوز نسبة 10.6 في المئة من الدخل القومي، وهذه نسبة غير مقبولة لدى المشاركين في مؤتمر “سيدر”، وتالياً فإن الاموال التي افترض تأمينها لن يتوافر منها أكثر من 10 في المئة لامور ملحة.

لا شك في ان القيمين على الشأن العام سيلجأون الى سحب مبلغ يراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار من الحساب التي تترصد فيه المخصصات غير المنفقة في سنوات سابقة وكان يحتوي على سبعة مليارات دولار لدى انجاز ارقام موازنة 2018 التي تسحب من هذا الحساب، وتالياً دون أي مقابل في الانتاج ما يعادل ملياري دولار.

أخيرًا هنالك ادعاء انجاز عقود التنقيب عن النفط والغاز والتي وقعت اوائل هذه السنة على ان تبدأ اعمال التنقيب أواسط السنة المقبلة 2019. وهذه العقود تأجلت منذ عام 2013 ويبدو ان ثمة عراقيل أمام بدء أعمال التنقيب لا تعود الى الشركات المتعاقدة وهي فرنسية، ايطالية، وروسية. وما يسترعي الانتباه ان الشركة الروسية ملتزمة التنقيب في المنطقة رقم 9 التي تطالب اسرائيل بحصة منها تمثل نسبة 30 في المئة من احتياط هذه المنطقة، وهي لا تبعد أكثر من 8-10 كيلومترات عن حقل كبير للغاز في المنطقة البحرية التي تسيطر عليها اسرائيل.

قاربنا نهاية 2018 وانقضاء سنتين على انتخاب الرئيس ولا نزال نتخبط لتأليف حكومة وقد بات من الواضح ان أهمية لبنان تناقصت على المستوى الدولي ويكفي ما شاهدناه في أروقة الامم المتحدة وفي الاجتماعات مع لافروف في موسكو. كل ذلك هو الواقع الذي يخشى استمراره والحديث عن محاربة الفساد اصبح مملاً، فلم نشهد ملاحقة واحدة على هذا المستوى أو تقريراً من الوزير المعني بالنشاط المتحقق خلال عهد هذه الحكومة.

الحاجة الى انتفاضة ضميرية باتت ملحة لدى من يدركون مخاطر الفشل الذي اصبح الصورة المتوافرة للبنانيين من اللاعمل واختلاق الاعذار. إما ان يكون هنالك اصلاح وإما اقرار بالعجز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*