بيننا وبينهم هذه الحرب


عقل العويط
النهار
25092018

بيننا وبينهم حربٌ لا هوادة فيها. هي، أصلاً وفصلاً، حربٌ وجوديةٌ، أخلاقيةٌ وثقافيةٌ، مفتوحةٌ على كلّ الجبهات.

نحن ننتمي إلى الذين يشهرون الولاء للدولة العلمانية المدنية الإنسانوية، للأخلاقيات، للمعايير، لسلّم القيم، للحقّ، للقضاء النزيه، للدستور، ويخضعون للقانون، ويرفضون اللجوء إلى غيره.

نحن ننتمي إلى أهالي المفقودين والمغيّبين قسراً، وننتمي إلى “ائتلاف إدارة النفايات”، لا إلى الذين يطالبون بطمرها وحرقها (كما في مشروع القانون المعروض على السلطة التشريعية)، ولا إلى الذين يرمونها في البراري، على الأرصفة، في الشوارع، في البحار، في مجاري الأنهر.

نحن ننتمي إلى الذين يريدون التوصّل إلى حلٍّ جذريّ لكارثة الكهرباء، وإلى الذين يرفضون استئجار البواخر واقتسام ثروة الغاز والبترول، وتناهب الخير العام على حساب الفقراء والمظلومين، وننتمي إلى الذين يرفضون تشويه الطبيعة وتدمير ثقافة المشهد، ويواجهون فتح الكسّارات والمقالع وشفط الرمال برّاً وبحراً، ويمتنعون عن تقديم الرشى، وتجذير منطق المحسوبية.

ننتمي إلى الذين يرفضون ترويع القضاء، وترهيبه، والضغط على القضاة لحملهم على تغيير قراراتهم الحرّة، الحقوقية والقانونية والدستورية، في شأن كلّ شيء، وفي كلّ آن، وخصوصاً في شأن القرارات المزمع صدورها قريباً عن المجلس الدستوري في قضية الطعون الانتخابية والتزوير الرهيب الذي رافق مجمل مراحل العملية الانتخابية، وأدى إلى إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها.

ننتمي في هذه اللحظة بالذات، إلى معرض “بيروت آرت فير”، وإلى متحف “نابو” الجديد على سفح جبل الشقعة في منطقة شكا – الهري، وإلى مجلة “غاليري ماغازين” الفصلية الجديدة عن مقتنيات بيروت الفنية، وإلى معارض جميل ملاعب، كميل حوا، أنس البرايحي، أنطونيو سينيوريني، دانييل جينادري، عبد الوهاب حوام، فؤاد دباس، صفوان دحول، بصير محمود، أنابيل ضو، روي ديب، كالين عون، وإلى العروض المسرحية والفنية الراقية، وإلى سيول الكتب الخلاّقة التي تشقّ طريقها إلى رفوف المكتبات والمعارض، شعراً وروايةً وتأملاً وتفكيراً وتأريخاً وتحليلاً سياسياً، وإلى المؤتمرات والندوات المهيبة، وإلى الحفلات والمهرجانات الموسيقية والفنية غير المبتذلة. ننتمي إلى هذا كلّه وغيره، مما يحصل الآن في بيروت الصغيرة هذه، في لبنان الضئيل هذا، في لبنان المغيَّب، “المسرطن”، الممعوس تحت سنابك الزعران، وننتمي إلى الإعلام الحرّ المسؤول، والجامعة العريقة، وننتمي إلى كلّ ما يُكتَب ولا يُنشَر، وما يُحضَّر من فنون ولا يُحكى عنه، وما يُنصَت إليه في العتمة ولا يعرف به أحد.

ننتمي إلى هذه وهؤلاء. أما اللائحة هذه، فلا تنتهي. انتماؤنا هو إعلان حربٍ بلا هوادة، لا عدّة لنا فيها إلاّ هذه العدّة “الحربية”، الأخلاقية والثقافية، التي نواجه بها أهل الظلام والتخلف والاستبداد والنهب والرجعية، ونواجه بها السلطة، وجماعة الطبقة السياسية، والطغمة الدينية والطائفية والمذهبية والمالية والأمنية والمخابراتية.

هي حربٌ، ومستمرة. إلى أن ينتصر لبنان الذي ننتمي إليه، على لبنان “الرسمي” البشع هذا!

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*