بيفن لغولدمان قرأت التوراة فلم أجد حقا لليهود في فلسطين كلها

 

المصدر أرشيف النهار
14082017

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف جزءاً جديداً من سلسلة الأسطورة والأمبراطورية والدولة اليهودية القنوات السرية للمفاوضات العربية-الأسرائيلية التي كتبها محمد حسنين هيكل. يحمل هذا الجزء عنوان  “بيفن لغولدمان قرأت التوراة فلم أجد حقا لليهود في فلسطين كلها”، وكانت قد نشرته “النهار في  23 آذار 1996.

بيفن “قرأت التوراة جيداً ولم اجد فيها ما يشير الى ضرورة ان يمتلك اليهود فلسطين” (ارنست بيفن لناحوم غولدمان) توحي القراءة الاولى للوثائق البريطانية عام 1946 ان الحكومة البريطانية بزعامة كليمنت آتلي رئيس الوزراء العمالي، كانت ترى في شأن فلسطين رأياً يختلف نوعاً ما عما ذهبت اليه حكومة المحافظين بزعامة ونستون تشرشل رئيس الوزراء السابق الذي اشتهرت عنه صهيونيته الجامحة. لكن القراءة الثانية المتأنية لهذه الوثائق تظهر ان الحقيقة كانت اكثر تعقيدا من ذلك، لأن التأثير الصهيوني كان نافذاً الى قاعدة حزب العمال بأكثر من نفاذه في قمة حزب المحافظين (في ما عدا ونستون تشرشل شخصياً).

وربما بدا ان سياسة ارنست بيفن وزير الخارجية العمالي القوي تأخذ منحى مغايراً، لكنه في الحقيقة كان طريقاً آخر الى الهدف عينه. والحاصل انه كانت امام بيفن اعتبارات عدة تظهر واضحة في تصرفاته:

1- وزير الخارجية البريطاني الجديد يريد قبل الحسم في فلسطين ان يصل الى تسوية لاوضاع البلدان العربية المحيطة بها، وهي بالتحديد الاردن والعراق ومصر وكلها بدرجة او بأخرى تحت النفوذ البريطاني وفق ترتيبات ابرمت قبل الحرب. – شرق الاردن منذ تنصيب عبد الله اميراً عليه عام 1922 تحت الحماية. – والعراق مرتبط بمعاهدة عام 1930 وهي علاقة اكثر تقدماً بمسافة قصيرة من الحماية. – ومصر ضيقة الصدر بمعاهدة عام 1936 التي اصبحت “غير ذات موضوع”، على حد تعبير احد وزراء خارجيتها في ذلك الوقت وهو احمد لطفي السيد باشا. وكان تقدير بيفن ان يبدأ بالأسهل وينتهي بالأصعب في شأن هذه البلدان الثلاثة قبل البت النهائي لموضوع الدولة اليهودية في فلسطين. وفي ظنه ان الدولة اليهودية اذا نشأت قبل تسوية العلاقات مع شرق الاردن والعراق ومصر، فان المشكلة الفلسطينية سوف تتداخل بما هو اوسع منها، ومن ثم تجعل المفاوضات المنتظرة مع هذه البلدان الثلاثة مشكلة عويصة بالاتصال والتشابك.

2- وكان ارنست بيفن يريد تفادي خطر آخر راه مقبلاً، وهو ان الولايات المتحدة الاميركية تدخل منطقة الشرق الاوسط بطريق الاقتحام تقريباً. وهذا يضع الحكومة البريطانية العمالية في صورة تبدو معها كأنها مستسلمة لمقادير اميركية، فاذا حاولت ان تعترض فان الاعتراض قد يؤثر على العلاقات الخاصة بين البلدين، وهو أمر لا تتحمله بريطانيا التي خرجت من الحرب طامعة في مساعدات اميركية تعوض اعباءها. وفي ذلك الشأن ايضاً فان ارنست بيفن احس بأن دول المنطقة التي يريد ان يسوي الامور معها (الاردن والعراق ومصر)، راحت تستند الى التناقضات البريطانية – الاميركية وتلعب على اوتارها. واذا لم يتوصل بسرعة الى ترتيبات جديدة مع هذه الدول فان الاقتحام الاميركي قد يعطل، ويخلق تعقيدات اضافية لا تتحملها الظروف.

3- ومن ناحية اخرى، فان ارنست بيفن كان يرى نفوذ الحركة الصهيونية الصاعد في الولايات المتحدة. وهو لا يريد ان يترك الزمام في يد الولايات المتحدة التي لا يعتقد بخبرتها في قضايا الشرق الاوسط، وهو يخشى انها تقتحمه مثل “ثور اندفع الى محل لبيع الزجاج والخزف الصيني، ومن الارجح انه سوف يكسر كل ما فيه”. وكان بيفن يخشى من ان انشاء الدولة الاسرائيلية قد يتم الآن برعاية الولايات المتحدة الاميركية وليس بريطانيا، وذلك ما لا يريده. ثم انه الى جانب ذلك يخشى ان تحصل الدولة اليهودية على كل فلسطين، واذا حدث ذلك فانه سوف يعطيها وضعاً اكبر مما تريده بريطانيا التي كانت مستقرة على التقسيم بحيث تظل في يدها فرصة اقامة ما تراه من توازنات. وكان الفكر البريطاني الاستراتيجي من اكثر من قرن يقوم على ضرورة انشاء العازل الحاجز بين مصر وسوريا، تحقيقاً لمطلب الفصل بين ضلعي الزاوية الاستراتيجية جنوب شرق البحر الابيض.

لكن وزير الخارجية البريطاني لا يريد لهذا العازل ان يملك قوة مستقلة غالبة تعتمد على واشنطن ولا تأبه بلندن. ومن ثم تتمكن من السيطرة على المنطقة ولحسابها، وليس لحساب السياسة البريطانية في كل الاحوال. وقد حاول بيفن ان يقنع الحركة الصهيونية كي تتذرع بالصبر، وتكررت لقاءاته بقياداتها. ويروي الزعيم الصهيوني ناحوم غولدمان في مذكراته التي صدرت تحت عنوان “المأزق اليهودي”، انه في لقاء وبيفن عام 1946 فوجىء بوزير الخارجية البريطاني يوجه اليه سؤالاً صريحاً: – ماذا تريدون بالضبط في فلسطين؟ فرد غولدمان: “نريد فلسطين نفسها”. وقال بيفن: هل افهم انكم تريدون فلسطين كلها؟ وهز غولدمان رأسه ايجاباً.

وقال بيفن: هل تريد من الحكومة البريطانية ان تتنازل عن اهم منطقة استراتيجية في العالم لدولة يهودية في فلسطين؟ فرد غولدمان طبقاً لقوله: “سيدي وزير الخارجية.. ولم لا؟”. وابتسم بيفن وقال: لكن العهد القديم لا يقول ذلك. وقد قرأت التوراة ولم اجد فيها ما يشير الى حق اليهود في امتلاك كل فلسطين. وكان رد غولدمان: “وانا ايضاً قرأت التوراة ولم اجد فيها ما يدل على ان الحكومة البريطانية لها الحق في امتلاك كل فلسطين”. وبدأ بيفن سياسته فعلاً بترتيبات جديدة مع شرق الاردن. وفي مارس (آذار) 1946 تم توقيع اتفاق جديد يحل محل اتفاق الحماية بين الحكومة البريطانية والاردن. وبمقتضى الاتفاق فان امارة شرق الاردن اعيدت تسميتها لتصبح المملكة الاردنية الهاشمية، واصبح عبد الله ملكاً عليها وليس مجرد امير.

وكان القصد المطلوب وقتها تهيئة الملك عبد الله لكي يأخذ الجزء العربي من فلسطين التي سوف يجري تقسيمها بين العرب واليهود. وبحيث تنشأ من الاثنين – شرق الاردن وغربه الى خطوط التقسيم – دولة عربية تملك امكانات الحياة بمساعدة بريطانيا. وكانت السياسة البريطانية ترى استمراراً لتطبيق سياسة الفصل بين الداخل والساحل في العالم العربي، ان الساحل الفلسطيني سوف يدخل معظمه في الدولة اليهودية، وان الداخل الفلسطيني سوف يستحيل عليه ان يكون كياناً مستقلاً، وبذلك فأن توجيهه الى عمان وربطه بملكها هو افضل الترتيبات المطروحة. ثم ان خلق دولة اردنية شرق النهر وغربه، ووجود جيش لا بأس به، كالفيلق العربي تحت قيادة الجنرال البريطاني غلوب باشا او اي قائد غيره، يعطي بريطانيا فرصة ما في ضبط التصرفات الاسرائيلية، وبحيث لا تجمح بها المطالب وتخرج عن طوع الاستراتيجية البريطانية. كانت تلك خطوة بيفن الاولى والسهلة! وجاء الدور على الخطوة الثانية مع العراق.

وكانت الحركة الوطنية العراقية تلح على اعادة النظر في معاهدة عام 1930، ودخل بيفن في مفاوضات بالفعل مع السيد صالح جبر رئيس وزراء العراق، وتوصل الطرفان الى خطوط اتفاق دارت حوله المناقشات بين المعارضة والتأييد. وكانت الاوضاع العامة في العراق شديدة القلق، فهذا البلد العربي عاش تقلصات سياسية عنيفة بدأت بوفاة الملك فيصل الاول، ثم بمأساة مصرع ولي عهده غازي في حادث سيارة غامض داخل قصر الزهور في بغداد، ثم جاء انقلاب عسكري بقيادة بكر صدقي، ثم جاءت ظروف الحرب واذا الثورة تندلع فيه تحت زعامة السيد رشيد عالي الكيلاني، وبدت الثورة معادية لبريطانيا وقريبة من المانيا، وتعرض العراق لغزو الجيش البريطاني، وكانت طليعته الفيلق العربي الاردني بقيادة الجنرال غلوب باشا، ثم فشلت الثورة وعادت الاسرة الهاشمية – فرعها في العراق – الى بغداد في ظروف عاصفة. كان نوري السعيد (باشا) ذلك الصديق القديم لعزيز المصري قد اصبح رجل الهاشميين القوي في العراق، وكان من انصار ترتيب مع بريطانيا يحل محل معاهدة عام 1930، لكن المعارضة الوطنية العراقية كانت دائماً تشك في نياته، وهكذا فان بيفن كان عليه ان يتفاوض مع رجل آخر غير نوري السعيد الذي آثر ان يظل بعيداً حتى لا يثير الظنون.

وكانت تلك تجربة قلقة ومعرضة للشكوك! ثم حان اوان الخطوة الثالثة مع مصر لترتيبات جديدة تحل محل معاهدة عام 1936. كانت مصر خارجة من الحرب العالمية الثانية في حالة ثورة، وكان مطلبها في الاستقلال وجلاء القوات الاجنبية قاطعاً لا لبس فيه. وفوق ذلك فان مصر كانت قد عثرت على هويتها العربية، وتنبهت الى دورها في محيط امتها، وكان تأثير الشخصيات التي تنتمي الى مدرسة الشرق قد تنامى، واكثر من ذلك فقد كان بين ساستها من لمحوا ان ما يجري في فلسطين، فضلاً عن مشكلة اقامة دولة يهودية فيها هو جزء منه رغبة تسعى الى عزل مصر وحجزها في المشرق. وكانت الحركة الوطنية قد جمعت قوى كثيرة من كل الاحزاب والجماعات والاتجاهات، في شبه جبهة وطنية عريضة تمكنت من تحريك كل قوى الشعب المصري في مطلبين: الاستقلال الوطني بوحدة مع السودان تحت التاج المصري. ثم قضية فلسطين جار عربي ومعبر الى الشرق. وسقطت وزارة النقراشي تحت ضغط الحركة الوطنية، وتألفت وزارة جديدة برئاسة اسماعيل صدقي باشا الذي ألف هيئة قومية للتفاوض مع الانكليز (قاطعها حزب الوفد) ثم راح صدقي باشا يتباحث مع ارنست بيفن للوصول الى اتفاق جديد يحل محل معاهدة عام 1936.

وانقسمت هيئة المفاوضات وتعددت فيها الاتجاهات، ومضى اسماعيل صدقي (باشا) وحده مصمماً على التوصل الى اتفاق بانت خطوطه تحت عنوان “مشروع معاهدة صدقي – بيفن” لكن مسار مشروع المعاهدة واجه عواصف شديدة. وربما كان من الضروري ملاحظة ان مطلق الاستقلال تداخل في شكل واضح مع قضية فلسطين ولعله من الضروري ملاحظة ان اغتيال اللورد موين وزير الدولة البريطاني امام بيته في الزمالك، ثم مثول قاتليه امام محاكمة علنية، اعطى مصر فرصة لأن تطل من الداخل على فكر الحركة الصهيونية وتوجهاتها في فلسطين، والذي حدث هو ان الشابين المتهمين بقتل اللورد موين وقفا امام المحكمة واسهبا في شرح “الدوافع الوطنية” الى اغتيال وزير الدولة البريطاني في القاهرة. وكانت مصر كلها تتابع وترى وتصغي باهتمام. وتحرك الملك فاروق بسرعة يريد ان يضع نفسه في مقدم الحركة الوطنية والقومية.

ومع ان بعض الدارسين يرون ان تحرك الملك السريع كان متعلقاً بمصالحه اكثر منه ايماناً بافكار وطنية وقومية، الا ان ذلك منطق ينطوي على تعسف شديد. ان الناقدين للملك يرون انه تحرك مدفوعاً برغبة في تعويض الخسائر التي لحقت بسمعته وهيبته وشوهت صورته حتى بالمعنى الطبيعي المباشر، وربما كان بعض ذلك صحيحاً، ولكن سحبه على الاطلاق ومن دون تدقيق هو موضع التعسف. ذلك انه يصعب تجريد اي انسان، مهما تكن احواله، من احساس بالمناخ العام المحيط به ثم التفاعل مع ذلك المناخ. واذا كان هذا الانسان هو ملك البلاد فمن الطبيعي ان يكون التزامه ازاء المناخ العام قوياً حتى وان قيل ان ذلك الالتزام اقرب الى زاوية العلاقات العامة منه الى زاوية الاقتناعات والمبادئ. وفي الحالتين، سواء كان احساس الملك عميقاً او كان مجرد تظاهر، فان موقفه في حد ذاته يعكس حقيقة انه كان امام هدف يلتقي عليه اجماع شعبه، او اجماع غالبية مؤثرة فيه. وفي كل الاحوال فان تبني الملك فاروق سياسة التوجه شرقاً كان له صدى متجاوب مع فترات النهوض في التاريخ المصري القديم وعلى امتداده الى العصر الحديث، وآخره تجربة جده الاكبر محمد علي. ان الملك فاروق خطا خطواته الاولى بادئاً من باريس!

كان الحاج امين الحسيني مفتي القدس وقائد ثورة عام 1936 مختبئاً في باريس التي قصدها بعد سفرة طويلة ومرهقة. فهو بعد فشل الثورة وصدور امر بالقبض عليه هرب من فلسطين قاصداً العراق، ومنها ايران، ومنها تركيا، ومنها ايطاليا والمانيا، فلما انتهت الحرب بهزيمة آخر بلد لجأ اليه توجه خفية نحو باريس. وفي باريس وجد الحاج امين الحسيني ان السفارة المصرية في العاصمة الفرنسية تبحث عنه في هدوء بواسطة بعض اللاجئين العرب فيها ممن ظن السفير انهم على اتصال بزملائهم في المنفى. كان السفير وقتها محمود فخري باشا، وهو زوج الاميرة فوقية اخت الملك فاروق من ابيه. واستطاع فخري باشا ان يعثر على المفتي، والتقاه فعلاً ليقول له “ان الملك فاروق يرحب به في مصر وهو بلد عربي شقيق لفلسطين ومجاور لها”.

وكان الحاج امين ذكياً، فبعدما ابدى الترحيب اضاف ملاحظة قال فيها ما مؤداه انه وهو يضع دعوة الملك فاروق على رأسه وفي قلبه، يتمنى ان لا يكون من شأنه اقامته في مصر ان يسبب “احراجاً لملكها او لحكومتها”. والغريب ان عملاء الوكالة اليهودية في باريس، وكانوا يبحثون عن مخبأ الحاج امين الحسيني فيها، رصدوا لقاءه مع فخري باشا، ورتبوا محاولة لخطفه وكانوا يريدون استجوابه ثم الخلاص منه بعدها. لكن مفتي فلسطين استطاع ان يدبر اموره وان يصل الى مرسيليا ليستقل منها باخرة حملته الى الاسكندرية حيث كان في انتظاره ضابط من الحرس الملكي.

كان الملك يتصرف بعيداً عن حكومته من دون علم رئيس وزرائه اسماعيل صدقي باشا. ومن المفارقات (طبقاً لرواية وكيل الديوان الملكي حسن يوسف باشا في شهادة مسجلة بصوته) ان رئيس الوزراء عرف من صديقه رينيه قطاوي بك وهو من اقطاب الجالية اليهودية وزميل لصدقي باشا في اتحاد الصناعات، “ان مفتي فلسطين وصل الى مصر خفية وان القصر على علم بالموضوع”. واثار صدقي باشا مسألة المفتي مع الملك في اجتماع بينهما كان يعرض فيه نتائج محادثاته مع اللورد ستانسغيت الذي رأس الجانب البريطاني في هذه المحادثات.

ويظهر ان الملك فوجئ بما اثاره رئيس وزرائه، وكان رد فعله الانكار، لكنه عاد في نهاية المقابلة وقال لصدقي باشا انه يتمنى لو كان ذلك صحيحاً وهو لا يرى بأساً من لجوء المفتي الى مصر، وانه اذا طلب الحاج امين الحسيني هذا الحق في مصر فانه سوف يوافق عليه فوراً. وكان لصدقي باشا رأي مختلف عرضه على الملك ومؤداه “انه من الخير ان نفرغ من قضية المفاوضات مع الانكليز في جو هادئ. وان كل هذا الجو العام السائد في مصر عن القضايا العربية توريط لا لزوم له ومن شأنه ان يضايق اليهود وهم اصحاب اقوى نفوذ مالي في مصر وفي العالم”. ويظهر ان الملك الذي لم يجد تشجيعاً من رئيس وزرائه آثر ان يتكتم على الموضع وخشي ان يصل صدقي باشا الى الحقيقة بواسطة وزارة الداخلية، وهو في ذلك الوقت مسؤول عنها الى جانب رئاسته للوزارة. وهكذا فان الملك امر بأن يتوجه المفتي ضيفاً عليه في مزارعه في انشاص، وبالفعل ذهب الحاج امين الى هناك.

ثم قام الملك فاروق بخطوة ثانية، فدعا الى اول مؤتمر قمة عربي في مزرعته الخاصة في انشاص، واستجابت الدعوة كل الدول العربية القادرة على نوع من الحركة في ذلك الوقت، وهي السعودية واليمن والعراق وسوريا ولبنان والاردن. وفي 28 مايو (ايار) صدر عن الاجتماع بيان يمكن اعتباره بداية عمل عربي مشترك يتصدى لما يجري في فلسطين. كان القرار الاول للمؤتمر “رفض توصيات لجنة بريطانية – اميركية اشارت بفتح ابواب فلسطين لهجرة اليهود”. وكان القرار الثاني “اعلان من ملوك العرب ورؤسائهم انهم متمسكون باستقلال فلسطين والحفاظ على هويتها العربية”. وكان قرار الملوك والرؤساء الثالث “تشكيل هيئة وطنية تمثل كل القوى الفلسطينية بحيث يتفقون جميعاً على منهج واحد ينأى بهم عن الخلافات التي تستغلها الحركة الصهيونية وتنفذ من ورائها الى تحقيق اهدافها”. كان المغزى الحقيقي لمؤتمر انشاص ان مصر بدأت تتجه نحو المشرق.

لم يعد شاغلها هو البحر الابيض وما وراءه، ولم يعد همها مجرد الحاق السودان بها تحت التاج المصري، وانما تحول اهتمامها بطريقة واضحة الى فلسطين، معبرها من سيناء الى محيط اوسع ترتبط به وهي تستشعر عمق هذا الارتباط وجذوره التاريخية وآفاقه المستقبلية. ثم تعزز هذا المغزى حين انشئت الهيئة العربية العليا لفلسطين تحت زعامة مفتي القدس الحاج امين الحسيني، واتخذت الهيئة من القاهرة مقراً لها. كان الملك فاروق قد اضاف الى اجتماع انشاص على مستوى القمة العربية لمسة مسرحية الحقها به في اللحظة الاخيرة، فقبل ان ينتهي الاجتماع، اخطر الملك ضيوفه بأن الحاج امين الحسيني موجود بنفسه في انشاص، وهو يقترح ان يدعوه ليرحبوا به اظهاراً لتضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ولم يعترض احد لأن المفاجأة أخذت الكل. وفي الواقع فان احداً منهم لم يكن لديه اعتراض، وحتى الملك عبد الله الذي كان يعتبر المفتي عدواً له لم يبد اعتراضاً. وبالفعل فان الحاج امين الحسيني دخل فصافح الجميع، وبدا ان اللحظة له، ولفلسطين. وفيما بعد فان الملك عبد الله قال() انه من ساعة ان رأى المفتي تشاءم من ظهوره على ساحة الاحداث.

واستطرد قائلاً: “هذا الرجل لم يظهر في بلد الا وحلت المصائب بهذا البلد. تصدى لثورة فلسطين وفشلت الثورة. وذهب الى العراق فقامت فيه حركة رشيد عالي الكيلاني، وضربها الانكليز. وخرج من بغداد الى طهران فاذا شاه ايران رضا خان يفقد عرشه ويخلع وينفى الى جنوب افريقيا. وخرج من ايران الى ايطاليا فسقط موسوليني وقبض عليه وعلقت جثته من الخطاف الحديد لجزار، وتوجه الى برلين فاذا الجيش الالماني يهزم وهتلر يضطر الى الانتحار. ثم ذهب المفتي الى مصر”.

وسكت الملك، وقال له محدثه: “ولكنه جاء الى مصر ولم يحدث شيء”. ولم يتردد الملك عبد الله وانما قال على الفور: “يا بني… جاءتها الكوليرا! ووقتها كان وباء الكوليرا قد تفشى فعلاً في مصر! ولم يكن الملك عبد الله هو وحده الذي لم يسترح لظهور المفتي في مصر، ولكن صدقي باشا احس هو الآخر بالضيق، لأن الملك فاروق اخفى المسألة عنه وفاجأه بها، وايضاً لأنه كان قد اخطر عدداً من اصدقائه اليهود بأن المفتي ليس في مصر كما قيل لهم.

وكان مما يستوقف النظر ان صدقي باشا اصدر بياناً عن رئاسة مجلس الوزراء في شأن مجيء المفتي الى مصر، جاء فيه بالنص: “اذا كانت الحكومة المصرية قد سمحت باقامة السيد امين الحسيني في ديارها، فهي ترجو في الوقت عينه ان لا ينظر (المفتي) الى هذه المسألة الا بالروح الكريمة نفسها التي انبعث عنها قرارها اداء لواجب المجاملة. ولا يخفى ان مصر اليوم تجتاز مرحلة من ادق مراحل حياتها السياسية. نرجو لها التوفيق والفلاح في ظل الهدوء والنظام، ولا ريب ان سماحته مقدر لذلك”. كان البيان الحكومي يعكس مشاعر رئيس الوزراء، ولا يعكس افكار الملك. ان الحركة الصهيونية في فلسطين وفي الوكالة اليهودية تحت قيادة ديفيد بن غوريون كان لديها ما هو اكثر من حكايات ملك عربي عجوز، ومأزق رئيس وزراء عراقي وقع معاهدة مع بريطانيا لا يستطيع تمريرها، او رئيس وزراء مصري متوجس من مجيء مفتي فلسطين الى القاهرة من دون علمه، ولعلها كانت تتابع التحولات في مصر وتستشعر ان دخول مصر الى ساحة الصراع كفيل احداث تغيير في موازين هذا الصراع. فمصر بقوتها الذاتية خطر لا يستهان به. ثم ان مصر بتأثيرها العربي يمكن ان تكون العامل المساعد على ابراز ارادة عربية موحدة.

واخيراً فانه اذا استقلت مصر، ومضت بعد الاستقلال الى مطالب التنمية، فانها تستطيع ان تعطي العالم العربي قاعدة قادرة على مواجهة التحدي. وهكذا فان ربيع عام 1946 وصيفه شهدا تركيزاً يهودياً وصهيونياً غير مسبوق في القاهرة. – بعد يومين من اجتماع انشاص طلب الحاخام ناحوم افندي مقابلة الملك فاروق، وليس هنا محضر لهذه المقابلة او ورقة مكتوبة عنه، ولكنها وفقاً لشهادة مسجلة فان وكيل الديوان الملكي حسن يوسف باشا يروي ان “الحاخام ابدى للملك خشيته من الاندفاع المصري نحو قضية فلسطين، وابدى انه لا يؤيد قيام دولة يهودية فيها، ولكنه يرى ان وقوف مصر ضد هجرة اليهود الينا ينطوي على انكار لكل ما تعرض له اليهود في اوروبا تحت الاحتلال النازي”.

ثم ان الحاخام اظهر قلقه من ان يؤدي الاندفاع المصري الى موجة من العداء ضد رعايا الملك اليهود، وهم دائماً من المخلصين لعرشه ولبلده الذي هو بلدهم، وانه “حامي الجميع”، واليهود بالذات معه ومع والده من قبله “اثبتوا دائماً ولاءهم وتفانيهم في خدمته وخدمة البلاد”. وعبّر الملك فاروق عن مسؤوليته عن حماية “رعاياه اليهود” لا يفرق بينهم وبين المسلمين او الاقباط، كما ابدى رغبته في ان يستعمل “يهود مصر” نفوذهم مع يهود فلسطين لكي يخففوا من غلوائهم ضد العرب، موضحا ًانه في حالة وقوع صدام في فلسطين فان حكومته لا تستطيع ان تظل بعيدة عن المشاعر العربية. – وطوال صيف 1946 فان الياهو ساسون مستشار الشؤون العربية في الوكالة اليهودية (ووالد موشي ساسون الذي اصبح فيما بعد سفيراً لاسرائيل في القاهرة) اقام اقامة شبه كاملة في مصر.

وتظهر تقارير القسم المخصوص (البوليس السياسي) المرفوعة الى الديوان الملكي ان الياهو ساسون اجتمع برئيس الوزراء المصري اسماعيل صدقي باشا، كما اجتمع بعدد من الساسة المصريين، وبينهم محمود فهمي النقراشي باشا الذي كان رئيساً للوزراء قبل صدقي باشا وبعده. واجتمع ايضاً مع مصطفى النحاس باشا وهو زعيم المعارضة في ذلك الوقت، واجتمع ايضاً مع عدد من كبار موظفي وزارة الخارجية. كما ان رينيه قطاوي بك رتب له اجتماعاً في بيته مع عدد من المثقفين وقادة الرأي العام في مصر.

– ان الياهو ساسون عقد ايضاً ثلاثة اجتماعات او اربعة مع حسن يوسف باشا وكيل الديوان الملكي، ونقل اليه رسائل موجهة الى الملك فاروق من زعماء الحركة الصهيونية وبينهم وايزمان وبن غوريون. بل ان بن غوريون جاء بنفسه الى القاهرة ونزل في بنسيون صغير في عمارة الخديوي بشارع عماد الدين، وكان هدفه ان “يقدم الى الملك ولمن يهمه ان يسمعه من المصريين كل التأكيدات التي يريدون سماعها عن حسن نيات الوكالة اليهودية في فلسطين حيال مصر وشعبها”.

ان هناك استدراكاً يقتضيه الانصاف، فكل هؤلاء السياسيين المصريين الذين قابلوا الياهو ساسون وغيره، لم يكونوا متورطين في شيء ولا يمكن اتهام احد منهم بالتعاون مع الصهيونية، ذلك ان هذه الحركة لم تكن ظاهرة بعد للوعي المصري العام، سواء على مستوى الشعب او على مستوى الحكومة. ثم انه كان هناك خلط باستمرار بين ما هو مألوف من أمر يهود مصر وما بين الحركة الصهيونية، مضافاً الى ذلك انه بدا ان مصر تستطيع ان تلعب دوراً في القضية الفلسطينية يصد عن شعب فلسطيني مصاعب يمكن تلافيها.

وكان النحاس باشا من انصار هذا الرأي. وقد سجل الحاج امين الحسيني انه عندما ذهب لمقابلة النحاس باشا، فوجئ به يقول له: “يا اخي لماذا لا تسوون اموركم مع اليهود عندكم وتريحوننا جميعاً من “وجع الدماغ”. والشاهد ان كل الاتصالات التي دارت بين ساسة وزعماء مصريين في هذه الفترة وممثلين عن الوكالة اليهودية او عن الحركة الصهيونية العالمية، كانت داخل اطار سياسي يمكن فهمه، وربما – وليس هذا اتهاماً

– ان الوحيد الذي قد لا تنطبق عليه هذه المقولة هو اسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء الذي قد يمكن القول ان مصالحه تشابكت مع مسؤولياته. وربما ان صدقي باشا كان لديه دافع اضافي ليس متوافراً لغيره، فلعله ظن انه يستطيع ان يجامل اليهود في فلسطين، شريطة ان يبذل اليهود جهدهم وان يستعملوا نفوذهم في انكلترا لتسهيل الوصول الى اتفاق بين مصر وبريطانيا، وفي ذلك الوقت فان مستقبل صدقي باشا وماضيه كانا مرتبطين بنجاح مفاوضات صدقي – بيفن.

ان صدقي باشا لم يعش ليقرأ الوثائق البريطانية تكشف له كيف ان الحركة اليهودية والصهيونية في العالم كانتا تبذلان جهدهما للحيلولة دون اتفاق بين مصر وبريطانيا على معاهدة جديدة تستقر بها الامور بين البلدين، قبل ان تقوم الدولة اليهودية في فلسطين. فقد كانت القيادات الصهيونية واولها ديفيد بن غوريون في ذلك الوقت ترى “ان اي اتفاق تتوصل اليه بريطانيا مع مصر سوف يدعم موقفها في الاصرار على اعطاء اليهود قسماً من فلسطين فقط وليس كل فلسطين كما كان الامل”.

ثم ان بن غوريون كان يستغل تعثر المفاوضات المصرية البريطانية حول مستقبل قاعدة قناة السويس لكي يقنع بريطانيا بأن دولة يهودية تقوم في فلسطين سوف تكون على استعداد لأن تعقد معها اتفاق يضمن لها قاعدة عسكرية في النقب تتمكن بها من حماية قناة السويس وتأمين وجود قريب لها في مصر يكون باستمرار عنصراً ضاغطاً على الاستقلال المصري وحدود تأثيره وفعله! () حديث للملك مع محمد حسنين هيكل جرى في شهر يونيو (حزيران) 1948. الحلقة المقبلة: من يملك القوة يملك الحقيقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*