بيروت في البال لرياض جركس ساحة البرج كرسي المدنية والمتعبين

النهار
15122017
الأرشيف

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه زاهي وهبي في “النهار” بتاريخ 22 كانون الثاني 1997 حمل عنوان: “بيروت في البال لرياض جركس ساحة البرج كرسي المدنية والمتعبين”.

لاعوام خلت كان “الويمبي” لا يزال ذاك المقهى المشرع زجاجه على الرصيف رغم ان الابواب الحديد كانت قد ملأت شارع الحمرا، والسواتر الرملية عمت المدينة. وكنا قلة تأتي كل صباح ومساء، نتحلق حول طاولة وفنجان قهوة واحاديث كثيرة عن الحرب والاحتمالات وعن الشعر والنساء، وعن الكهرباء متى تعود ويشتعل الشارع بالاضواء والى آخر الهموم المعروفة زمن الحرب والاهوال.

يومها كانت الوجوه مألوفة والرواد قلائل. يتكررون كل صباح وكل مساء. وكان ثمة رجل بلغ من العمر عتيا، يأتي وعصاه في يمناه، وقرنفلة لا تفارق بذلته الانيقة، وبضع شعرات في رأسه يحرص على تسريحها و”توضيبها” بعناية فائقة، وكنا نعرفه باسم “الكولونيل” لا اكثر ولا اقل. مضت الايام والاعوام، ودار الزمن دورته، وتوقفت حرب، بل حروب، وجاء سلام، او ما شبه لنا انه كذلك، وأقفل “الويمبي” والناس راجعة من الاقفال، وأضاء شارع الحمراء ابوابه وعادت مقاهيه الى شيء من السهر الخجول، ولم نعد نرى “الكولونيل”. الى ان جاءتني يوماً هدية هي كتاب عنوانه “بيروت في البال” ومؤلفه رياض جركس.

الكولونيل في البيت فتحت الهدية/ الكتاب وفلفشت الصفحات فوقعت عيني على صورة اعرفها. انه “الكولونيل”. وبدأت القراءة. كان صاحب مقهى “الدبلومات” الشهير في الروشة واحد من الامكنة التي كانت ذات يوم من علامات بيروت الفارقة، بيروت التي في البال حسب عنوان رياض جركس وكتابه الذي يقارب بيروت من زاوية دافئة حنونة، هي زاوية ناس واسماء ساهمت في صنع بيروت وليلها وسهرها وبهجتها وزمنها الحلو السالف. وجركس لا يرثي الامكنة ولا ينوح على الاطلال، بل يتذكرها عبر ناسها، عبر اصحابها وروادها وصانعيها، ويترك الدمعة للقارئ، ان يذرفها ساعة يشاء حسرة على ما ضاع من العمر، لا من الامكنة.

وما العمر الا ذكرى سويعات حلوة هنا وهناك، مع هذا وذاك، من معشر الندامى، وهم كثر في كتاب رياض جركس. ادهشني ان ذاك الرجل الذي كان يقصد الويمبي كل صباح، حريص على الجلوس في الكرسي ذاته، يصغي كثيراً ويشارك في الحديث قليلاً، ادهشني انه كان صاحب “الدبلومات” الذي افتتح العام 1959 واقفل عشية الحرب 1975، وكان يأتيه الرئيس سليمان فرنجية، والرئيس صائب سلام وحميد فرنجية وقادة الجيش ووديع الصافي ومحمد سلمان وصباح وسميرة توفيق، ويتذكر الكولونيل فريد فرهود صاحب اول مقهى في الروشة تخدمه الآنسات: “كانت الآنسة اللبنانية تسهر حتى الرابعة او الخامسة صباحاً وتعود الى بيتها من دون ان يضايقها احد، موضوع الامن لم يكن مطروحاً بالنسبة الى بيروت” (ص123) رأس بيروت والذكريات الحلوة في كتاب “بيروت في البال” تنساب تباعاً من مدينة مسكونة بالتاريخ ومدخل الى احيائها، ثم الى رأس بيروت يوم لم يكن فيها اثر للعمران ومعابرها موحشة مقفزة الى ان جاء “الاميركان”؛ ويومها كان شارع الحمرا يعرف باسم شارع لندن، وشارع جان دارك كان شارع “الشمبانيا”، وكانت المحلة ميداناً للذئاب و”الواوية” فصارت من ارقى احياء بيروت.

بعد هذا المدخل يبدأ جركس فصل “البشر قبل الحجر” لقاءات وذكريات مع رعيل من المؤسسين لحياة فنية واجتماعية صاخبة امثال: محمد شامل الذي ولد وفي فمه ملعقة من خشب، محمد علي فتوح وذكريات “الكراكوز” وصندوق الفرجة قبل انتشار المسارح والملاهي وكيف كان الرجال يقومون بادوار النساء الى ان جاءت لمياء فغالي وتخطت التقاليد، ويوم غنى عبد الوهاب في “التياترو الكبير” وتبعته ام كلثوم، ومن السميعة يومها احمد شوقي والاخطل الصغير.

الى عبد الحميد سلام الضابط صاحب الباريزيانا التي بنيت على انقاض سينما الديك، حيث غنى وديع الصافي وصباح وفايزة احمد وصالح عبد الحي وكان الجمهور ينقسم سميعة من حلب وراقصين من كل مكان؛ وحسن الجاك الذي يعتبر تسمية بيروت عروس العواصم صحيحة مئة في المئة، ويتذكر كيف قابلته ام كلثوم بالوفاء منذ جاء بها والده الى بيروت حتى ختام حفلاتها في بعلبك، ويقول “ساحة البرج كانت كرسي بيروت يجلس عليها كل متعب، وكل قاصد فن او ترفيه عن النفس، كانت ملتقى جميع الطبقات” (ص 63).

وحسن الجاك عمل في سينما والده التي كان اسمها “ريكس” ثم صار “الزهراء” وورث عنه لقب الباشا. اما نعيمة المصرية فقد ابرق اليها عبد الناصر ولعب معها سامي الصلح “دق طاولة”، ووضعت ام كلثوم اذنها على بطنها وقالت “خذي بالك” وبعث رياض الصلح انصاره للاطمئنان على سير عملها، فيما كان كل قبضايات البلد يطلبون رضاها واصحاب الصالات يخافون، وكانت نعيمة المصرية كلمة تملأ افواه السهارى والسكارى وكان يكفي ذكر اسمها حتى يترنح الليل في رؤوس عشاق الليل، قبل ان تذهب الى الحج وتزور البيت الحرام.

اول فيلم لبناني اسماء وذكريات تتوالى في كتاب رياض جركس عبر لقاءات اجراها شخصياً او نقب عنها في “الارشيفات” الضائعة، ومن الاسماء ابو عبد الجرس (رشيد علي شعبان) الذي دق الجرس فدخل الناس للمرة الاولى الى السينما، عمل في “زهرة سوريا” كبائع كازوز وشوكولا ليتفرج على الافلام مجاناً، حقق اول فيلم لبناني روائي ومثله ويعتبر ان شارلي شابلن هو اعظم ممثل، وتكر سبحة الذكريات مع علي بيضون ومسرح فاروق وكيف خسر محمد عبد المطلب في سباق الخيل، وابو عبد البيروتي (احمد خليفة) وخبريات القبضايات وكرمهم، ومنصور القرم الذي احتل بيروت خمسين سنة يوم كانت الراقصة ممنوعة من الظهور الا اذا ارتدت سبعة فساتين وحكاية “الغارسون” الذي صار صاحب صالة غنى على خشبتها وديع الصافي “عَ اللوما”. مع اميل دبغي نتعرف الى مؤسس اول صالة سينمائية في شارع الحمرا حملت اسم الشارع وكان اول فيلم يعرض فيها “كاديلاك من ذهب خالص”.

وكيف افتتح ابن اخته منح اول مقهى رصيف “الهورس شو” ثم توالت الصالات والمقاهي مع خالد وشفيق عيتاني. وفي الكتاب لقاء مع وجيه رضوان عن مسرح شوشو، وعمر قرمان صاحب مسرح الامير، وزهير السعداوي الذي الف جمعية الندامى في الدولتشي فيتا ومن ابرز شروطها الاستماع الى ام كلثوم، حيث كان الشباب يأتون اما هرباً من حزب او من خيبة امل، ومع نديم صافي ورياض جركس والد المؤلف الذي سأله ولده قبل وفاته: كيف كانت “المدينة”؟ فأجاب: بيروت صاحبة مروءة. زاهي وهبي *) “بيروت في البال” لرياض جركس مهدى الى عبد العزيز جركس 172 صفحة من قطع كبير فاخر وغلاف انيق وصور من بيروت المتعاقبة، في منشوات “رياض الريس للكتب والنشر”، طبعة اولى بيروت 1996.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*