بيروت عاشت “ليلة المتاحف” في احتفالية استثنائية: قرية صغيرة استعادت حياتها… ولو للحظات عابرة!

8 نيسان 2017
النهار

كانوا جميعهم هُناك، حيث طيف التاريخ والعراقة، حيث الأوراق النقدية، وتاريخ العملة، والنقود الصليبيّة والأخرى الأوروبيّة. في المتاحف الّلوحات على أنواعها، والتُحف النادرة. حيث المنحوتات التي تغوص في عوالم هذا المُبدع أو ذاك. حيث الأحلام التي تحوّلت فنوناً على أنواعها تغوص في “نزوات” من ابتدعها، ولم لا هواجسه وانخطافه العابِر… وتلك النوادر التي لم تتمكّن الأيام من أن تسلب منها وهج اللقاءات الأولى.

جاؤوا الى المتاحف، وكانوا من كل الأعمار. أرادوا أن يعيشوا اللحظة بكل انفعالاتها. فاذا باللحظة تستمر ساعات طويلة، تحوّلت خلالها العاصمة الخليلة قرية صغيرة استراحت على العجقة “اللذيذة”. وكأن الكبار والصغار كانوا “رفقة عمر”، تقاسموا الاحتفاليّة الجميلة التي اتخذت عنوان “ليلة المتاحف”. وها هي المناطق اللبنانيّة تفتح متاحفها مجاناً للجميع، وتهتف بحماسة عاشقة عشرينيّة: تعالوا الى حيث الثقافة والعراقة!

وكان لها ما أرادت!
في العاصمة بيروت تحوّلت الاحتفاليّة تظاهرة شعبيّة، سُرعان ما انتقلت “هزّاتها الارتداديّة” الى مواقع التواصل الاجتماعيّ من خلال مئات الصور ومقاطع الفيديو الـ”لايف” التي عكست انفعالات الشارع وجنونه الرائع. بعضهم ركن سيارته بعيداً من هذا المتحف أو ذاك، بعدما كاد أن ييأس من الاختناق المروريّ الذي لم يُغضب أي شخص هذه المرّة! العشرات اختاروا السير على الأقدام. استغلّوها فرصة للتنزّه في الشوارع البيروتيّة المُزخرفة بالحكايات.
نُزهة “لطيفة” في هذه الأمسية الربيعيّة، التي اتخذت خلالها الابتسامات والهُتافات شكلاً، “ولك انت كمان هون!؟”، وكانت النظرات الودودة زينتها الخلفيّة.
أمّا أهل الاعلام، فكانت لهم نُزهة من نوع آخر، تقاسموها مع وزير الثقافة الدكتور غطّاس خوري الذي اختار أن يزور متاحف العاصمة في الأمسية الشهيرة والخارجة عن التقاليد وكل ما هو عاديّ، معهم، مُتنقلاً في الباص المُخصّص لهم.
وصل مُتأخراً بعض الشيء عن الموعد المُقرّر لزيارة المتاحف مع الصحافيّين، على اعتبار أنه أصرّ على حُضور الجلسة في مجلس النوّاب. وبعدما يُقارب الساعة من الانتظار أمام مصرف لبنان في شارع الحمراء التاريخيّ، وصل “معالي الوزير”، وتهافتت عليه مُختلف وسائل الاعلام. وكانت عشرات الأسئلة وعشرات الـ Selfies مع زوّار متحف مصرف لبنان، ولبّى خوري كل طلبات الكبار والصغار وأجاب عن أسئلتهم. وخلال 3 ساعات ونصف الساعة، لم تُفارق الابتسامة ثغره. وضع نفسه في تصرّف هؤلاء الذين أرادوا الاحتفال بالحياة من خلال احتفالهم بعراقة المتاحف وتاريخها الذي ارتدى “حلّة العيد”. في هذه الأمسية التي تقاسم خلالها “ولاد البلد” لحظات عابرة من الفرح، ووضعوا جانباً تلك الهموم المرسومة على “جبين أيامهم”، كان وزير الثقافة الصديق الحاضن للكبار والصغار. زار بعد المتحف التابع لمصرف لبنان، متحف الجامعة الأميركيّة في بيروت، وبعده متحف سرسق، وبعده فيلا عوده، وصولاً الى المتحف الوطني حيث عرض الليزر. زار متحف مصرف لبنان “زاوية وزاوية”. جاء دوره في طرح الأسئلة عن هذه القطعة النقديّة وتلك. كانت له ملاحظات، “المصمّم العالمي هارميس استوحى احدى ابتكاراته من هذه القطعة النقديّة”. الزوّار الأجانب تعاملوا معه وكأنه نجم الساعة. وكذلك الأولاد. الكبار صفّقوا له، وهو ضحك مطولاً وتحدث مع الجميع باسترخاء. هذه الأمسية مُخصّصة لنا جميعاً. البلد بأسره قرية، والعاصمة هي منزل العائلة الكبير، والمتاحف غرفها الخاصة!
في الباص المُخصّص لأهل الاعلام، “تساير” مع الجميع. ناداهم باسمهم الأول. صور الـSelfie “حتى بالباص”؟ لم لا؟ في المتحف التابع للجامعة الأميركيّة، غنّى له تلامذة احدى المدارس “طلّوا حبابنا”. رافقوه غناء فيما تنقّل من غرفة الى أخرى مُستمعاً الى شرح القيمين عن المتحف. في طريق العودة الى الباص، قال لبعض الذين اقتربوا منه طالبين التقاط الصور له أو معه: “تفضلوا زوروا المتاحف معنا بالباص!”. البعض لبّى الدعوة. هذه الأمسية فعلاً مُخصّصة للجميع! في الطريق الى متحف سرسق هَتَف فجأة بعدما اشتدّت الزحمة ومنعت الباص من التقدّم “حتى خطوة واحدة”، “هيا بنا نكمل الطريق سيراً على الأقدام!”. نزل أهل الصحافة من الباص، يتقدمهم الوزير خوري، فاذا بالناس في السيّارات يلتقطون الصور لهذا “الموكب” غير التقليديّ عبر النوافذ، هاتفين، “يا أهلا بمعالي الوزير!”.
وفي متحف سرسق، أصرّ الزوّار على التحدث معه وكأن صداقة قديمة تجمعهم به. تعرّف الى بعض الأعمال الفنيّة الراقية في المجموعات الدائمة والأخرى الموقتة. الى فيلا عوده سيراً على الأقدام مُجدداً. في الفيلا العريقة هتف رجل يحضن ابنته، “معالي الوزير ليش بدكن تدمروا البيت الأحمر؟ مش حرام؟”. أجابه خوري، “مين قلّلك رح يتدمر؟ البيت باقي”. في الطريق الى المتحف الوطني، اشتدّت الزحمة. فاذا بالباص يتوقّف من دون سابق تصوّر وتصميم بالقرب من جامعة القديس يوسف. عندئذ قرّر الوزير ان يزور المتحف التابع للجامعة، ومن دون أن يكون الموقع في البرنامج المطروح للأمسية. وهناك، تحولت زيارته الى مهرجان شعبيّ تخلّلته الضحكات “وأكيد صور السيلفي”! وفي المحطّة الأخيرة في المتحف الوطنيّ، كانت تصريحاته لمختلف وسائل الاعلام، وزيارة خاطفة للمتحف الأسطوريّ، الى عرض الليزر في نهاية اللقاء.
انتهت هذه النزهة التي أخرجتنا من رتابة الأيام العاديّة. في طريق العودة في الباص، لم يعد “معالي الوزير” مع أهل الصحافة. وساد الهدوء “المُتعب” الجوّ. ولكن المَشهد في الخارج، من خلال النوافذ، كان “زيّ ما كان” قبل ساعات: ناس في كل مكان. زحمة لذيذة. بيروت في هذه الأمسية كانت فعلاً قرية صغيرة تمسّك “ناسها” بالسعادة … ولو للحظات عابرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*