بيتي توتل تضع لبنان وأهله داخل «فريزر»

الحياة
18022018
أيّ أمّ لبنانيّة لم يؤرقها هاجس غياب ولد من أولادها في إحدى دول أوروبّا أو الخليج؟ أيّ أمّ لم تنتظر بحرقة مجيء فرصة عيد الميلاد ورأس السنة لتستقبل أولادها العائدين إليها من الغربة التي ابتلعتهم؟ أيّ بيت لبنانيّ لم تنهشه براثن الهجرة والانتظار والسكايب والـ”فيديو كول”؟

تعود الممثّلة والكاتبة والمخرجة اللبنانيّة المبدعة بيتي توتل إلى الخشبة عبر مسرحيّة ف (فريزر)، ويشاركها فيها كلّ من آغوب درغوغاسيان، جاك مخباط وهشام خدّاج (على المسرح)؛ وعبر السكايب جوزيان بولس، كاتي يونس، جلال الشعار، سيريل جبر، نادر موصللي، سامر سركيس ونتالي فريحة. تمثيل متقن متماسك يحكم قبضته على الأدوار، وممثّلون يؤدّون أدوارهم بحرفيّة عالية ويمنحونها بعداً كوميديّاً دراميّاً أنيقاً. خفّة، طرافة، حنكة مسرحيّة تضحك من الواقع من دون أن تشوّهه أو
أن تقع في السهل من الكلام.


بيتي توتل

دوّامة وجع وألم وغضب تجاه الواقع يصهرها تمثيل كوميديّ جميل ثاقب تقدّمه توتل وممثّلوها على خشبة مسرح دوار الشمس في سلسلة عروضات ثانية. نصّ مدروس واضح مترابط مكتوب بالعامّيّة يدخله شيء من الأرمنيّة، لا هو يقع في المبتذل ولا هو يصيب الجمهور بوخز الحزن الخانق. لقد تمكّنت بيتي توتل مجدّداً من إيجاد التوازن الثقافيّ الاجتماعيّ المثاليّ لمسرحها. خلطة دراميّة – كوميديّة تعكس الواقع بمآزقه وتقدّمه على طبق من التمثيل الممتاز الذي لا غبار عليه. الهجرة، الفراغ، الزواج من شريك أجنبيّ، الحياة الزوجيّة الجامدة، الخوف من الوحدة، الخوف من عدم اللقاء واجتماع العائلة، هموم الواقع اليوميّة وغيرها معضلات وطنيّة كثيرة يواجهها اللبنانيّ بشجاعة، وتصيب وجع العائلات اللبنانيّة كلّها في العمق.

بلد بلا أحلام

يشعر الجمهور، للوهلة الأولى، بشيء من التوجّس تجاه عنوان المسرحية «فريزر». لا هو عنوان يفضح ما خلفه ولا هو عنوان مشجّع تماماً على توقّع نصّ مميّز. لكنّ توتل لا تخيّب الآمال، تضع جمهورها أمام واقعه بهدوء وابتسامة وخفّة، على الرغم من الواقع المرير الذي يُنقل. صحيح أنّ الجمهور يضحك، لكنّ الجمهور ليس سهل الانقياد. صحيح أنّ توتل تعالج موضوعها بـ «لطف» مسرحيّ وأناقة دراميّة هادئة إلّا أنّ الهمّ لا يتغيّر والمأزق لا ينجلي. إنّ أزمة انقطاع الكهرباء حقيقيّة. مأساة قطع الطرقات على عدد الأيّام لا مفرّ منها. الخوف من عدم القدرة على الانتقال من نقطة «أ» إلى نقطة «ب» كلّ يوم خوف ملموس ويوميّ. إنّ كارثة النفايات لا تزال موجودة فلا تتحرّك ولا تتحسّن. إنّ هاجس هجرة الأبناء وعدم رغبتهم في العودة إلى الوطن جرح يسكن كلّ بيت لبنانيّ. إنّ انهيار البلد وتوقّفه لأيّام نتيجة كلمة قالها رجل سياسة عن رجل سياسة آخر مأساة مضحكة مبكية تسلّط الضوء على العقم السياسيّ الذي وصل إليه لبنان. إنّ الوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ غير مقبول، وهذا لا علاقة له بالكليشيه الأبديّ «تناحر الأديان». فالمجتمع اللبنانيّ يعاني لأنّه يعيش في ظروف محبطة قاسية تسير به نحو الانحدار والهبوط، ظروف تجبر أبناءه على النفور منه والهرب إلى أيّ مكان آخر. ليست الأديان هي ما يسيء إلى لبنان، بل الطبقة السياسيّة التي لا تبالي بما يحدث خارج مصالحها. ليس صراع الأديان هو ما يدفع بالشباب إلى الهجرة، بل العقليّات المتجمّدة السائدة والتهوّر السياسيّ والجمود الفكريّ الذي يسكن أهل البلد من صغيرهم إلى كبيرهم. جمود يقتل الطموحات والأحلام ليتحوّل «الفريزر» (البرّاد) من مكان صغير يحافظ على نوعيّة الأطعمة إلى مكان وجدانيّ رمزيّ يعود إلى المكان الأكبر، وهو الوطن الذي يجمّد أهله ويمنعهم من التطوّر والتقدّم والتحرّك ويجبرهم على الهرب منه: «ما البلد هيك فريزر وعم يفضّوا».

الهرب من الواقع

تهرب الأمّ من وحدتها ومن فراغ بيتها ومن الصمت الذي يخلّفه غياب ولديها إلى المطبخ. تحاول محو هجرتهما بتكديس الأطعمة في «الفريزر» بانتظار من يأخذها إليهما أو بانتظار عودتهما إلى ربوع الوطن. وتحلّ المصيبة عندما تخرّب الكهرباء «الفريزر» وتُضطر الأم إلى إفراغه. تفرغه من الأطعمة ومن آمالها بعودة أبنائها. تخرج منه همومها وذكرياتها والأم التي تتألّم لفراق ابنيها، كأنّها تودّعهما من جديد، تخسرهما من جديد. كأنّها اكتشفت فجأة أنّهما لن يعودا وأنّ الفريزر (أي الوطن) معطّل إلى أجل غير مسمّى ولا يستطيع أن يحتوي شيئاً مجدّداً.

حوادث مشوّقة وغير متوقّعة يتابعها المتفرّج بابتسامة لا تخبو على مدار ساعتين، ابتسامة تتحوّل ضحكة تعلو في أحيان كثيرة. ديكور لداخل منزل لبنانيّ بسيط، لغة جميلة يوميّة عامّيّة، إضاءة خافتة مريحة، شاشات تنقل صور الأبناء من غربتهم، وتمثيل رفيع متوهّج ينقل إلى كلّ لبنانيّ ما يجده في بيته: هجرة وفراغ ورغبة في الهرب من الواقع الجامد جمود الفريزر.

لكنّ المفرّ غائب والحقيقة باردة والوطن فريزر عالق في مأساته وجامد فيها، لا هو قادر على احتضان أبنائه ولا هو قادر على تقديم ما يغريهم بالبقاء: «لا نحنا فينا نفلّ ولا هنّي بدّن يرجعوا»…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*