بولا.. والأوغاد

 

 

بتول خليل|الثلاثاء09/10/2018

Almodon.com

مؤيدو العهد ومناصرو التيار البرتقالي، وإعلاميوهم، باتوا محترفين في تضييع الحقيقة وطمس معالمها (علي علوش)

أصبحت لغة التطاول والطعن بالشرف والكرامة، من يوميات اللبنانيين واللبنانيات واستعمالها كسلاحٍ مشروع للدفاع عن العهد ورموزه وسياساته، تمسّ حتّى من اختارها الناس لتمثلهم في الندوة البرلمانية. وجه نسوي مثقف، وملمّة بالشأن العام، تتحسس أوجاع المواطنين وتتكلم بصوتهم، والآتية إلى مقعدها النيابي للمرة الأولى من المجتمع المدني ومن خارج الأحزاب التي ساهمت تاريخياً في تدمير البلد، سواء في الحرب أو في السلم. هذا كله يعني أنّ الفشل لم يعد مقتصراً أو خفياً، بل بات له صوتاً مدوّياً يرتفع أكثر فأكثر.
بولا يعقوبيان آخر أهداف العهد، التي صوّب زمرة من الناعقين باتجاهها. لم تتوقع أن يتم الرد على انتقاداتها ومساءلتها المشروعة، بالأساليب السوقية الرخيصة، كون هؤلاء لا يقيمون للديموقراطية وزناً، ولا للحرية قيمة، ولا للاختلاف مساحة، ولا للمشاركة حيزّاً. فهم ربيبو المدرسة الإلغائية التي لا تنضب جعبتها من الكلمات البذيئة، لتحقير الآخر، والذين تضيق صدورهم بمجرّد إبداء رأي وعدم انتهاج أسلوب النفخ والالتحاق بجوقة المطبلين والمزمرين. فهذه الشلّة والثلّة تتفيأ في ظل العهد وتغطيته وأمانه. وهي المحظية التي ينالها شرف التقرّب والزحف فوق عتبات العروش.يعقوبيان، التي ارتكبت خطيئة رفع الصوت في وجه الفساد، من منطلق احترامها وفهمها لممارسة عملها في المجلس النيابي، والتي تجهد لإبقاء الضوء على الخلل والتقصير والاهمال والاعتراض على التهرّب من المسؤوليات بهدف إلقائها على عاتق الآخر في كل المجالات، جعلها ذلك تتعرض لحملة مسعورة وممنهجة، يقودها أشخاص معروفون بقربهم من “التيار الوطني الحر” ومشهورون بهجومهم الشرس على كل من يقترب من قياداته. هي وجوه غنية عن التعريف، يتصدرهم جوزيف أبو فاضل، والملتحق بركبه الملحّن بأمر السلطة، سمير صفير، الذي أطلق الكونشيرتو الأخير من سمفونية شتائمه، عبر تغريدة قصد فيها يعقوبيان قائلاً: “بالزمانات ع أيام القذافي، عملت ال بي سي مقابلة معو بالتسعينات، بسعي من صالح الكامل تاع اي ار تي. راح فريق التصوير على ليبيا وقعدوا كام يوم. صوروا المقابلة وبس بدهم يرجعوا قلّن القذافي خلولي المذيعة هون أسبوع تاني، وهكذا حصل! حدا بيعرف مين هيدي المذيعة؟”.

يعقوبيان التي باشرت برفع دعوى ضدّ أبو فاضل، عقب كلامه وايحائاته النابية بحقها، ذكرت خلال استضافتها في برنامج “الأسبوع في ساعة”، بأنها سترفع دعوى مماثلة ضدّ سمير صفير، واصفة إياه بـ”الوغد الصغير” الذي يقف وراءه “وغد كبير” هو جبران باسيل، ما دفع جوقة الشتّامين إلى التغريد مجدداً، فخاطبها صفير بالقول: “لا أنا ولا جبران باسيل قارينيك يا سيدة الأوغاد”. أما أبو فاضل، فنشر تغريدات قال فيها: “إلى أصحاب الحصانات النيابية، مهما كانت النتائج، ومهما تفننتم في ذكر العمالقة الكبار وتذاكيتم بالحصانة النيابية​ لحماية أجسادهم المنهكة.. بانتظاركم ستندمون يا عواهر الألوية وعملاء الاحتلال والأسواق المفتوحة، والله ستندمون وستبكون”!

ما تتعرض له يعقوبيان، أقل ما يُقال فيه أنه محاولة اغتيال بالكلمة، من متكالبي وورثة النفَس الالغائي وتركة أنظمة الوصاية، والذي يستمرئون مسح الجوخ للديكتاتوريين، مشكّلين في حد ذاتهم الخطر الأكبر على حرية التعبير، من خلال ممارستهم الترهيب والتهديد وتضييق الحصار على الصحافيين والناشطين والمواطنين، الذين يعبرون بكلمة أو صورة عن اعتراضهم أو عدم رضاهم عن كيفية تسيير أمور الدولة والتعامل معها. تلك الحملة ترافقت مع ازدياد موجة الاستدعاءات والتوقيفات والتحقيقات، والتي أتت كلها على خلفيات التعبير عن الرأي ليس إلا.

وكل ما تواجهه يعقوبيان يندرج في سياق هذه الحملات التي دأب عليها العهد منذ بدايته، لكن الاختلاف في الأسلوب هنا، هو التركيز على الهجوم الكلامي، كون المستهدفة نائبة في البرلمان وصاحبة حصانة. لذا فالتعرّض إليها واغتيالها معنوياً وشعبياً هو السبيل الأمثل، الذي انتهجه هؤلاء في التعامل معها.

يعقوبيان كانت قد عبّرت عن تعجبها لعدم انتهاج مهاجميها مبدأ الرد ومواجهة الموقف بالموقف، وهو الأسلوب الذي بات واضحاً الافتقار إليه لدى مؤيدي العهد ومناصري التيار البرتقالي، كونهم اشتهروا بتضييع الحقيقة وطمس معالمها، وإلقاء الغموض والالتباس ومغمغة أي مسألة تشير إليهم بالأصبع وتصوّب على مكامن الخلل في أدائهم وأسلوب تعاطيهم. وهو ما تنتهجه أيضاً وسائل الاعلام التابعة لهم والدائرة في فلكهم، حيث تنتحر على منابرهم الموضوعية وتوأد الحقائق وتستبدل بالشعارات الفارغة والباس أثواب الطهارة والقداسة والتنزّه، والارتقاء من الأخطاء عند قياداتهم ورموزهم.

ولم يوفّر موقع “التيار” يعقوبيان من هجومه، إذ نشر مقالاً اعتبر فيه أن إنجازات المرأة في خطر، محذراً من أن نضالات المرأة اللبنانية “تكاد تطيحها بولا يعقوبيان” وأن “العراضات الإعلامية والفقاعات الكلامية لا تحوّل النائب يعقوبيان بطلة لدى الرأي العام بقدر ما تثير اشمئزازه واحباطه بأن من خرجت من رحم الناس ليست على قدر المسؤولية، ما يؤخر التغيير المرتجى لوصول أكبر عدد ممكن من النساء الى مواقع القرار متى فُقِدت الثقة الشعبية بها، كونها لم تشكل استثناء عمّا هو وجود”.

التقليل من احترام المرأة واحتقارها والطعن في شرفها، خصوصاً العاملة في الشأن الإعلامي، بات أمراً معهوداً لدى قياديي التيار ومحازبيه ومناصريه. إذ سبق للنائب ابراهيم كنعان، أنّ صبّ سيلاً من شتائمه على الإعلامية غادة عيد، على الهواء مباشرة، طاعناً بشرفها وقائلاً لها “اجري أنضف منك ومن برنامجك” و”انا بعرف وين كنتي يا بلا اخلاق”.

التصويب على بولا يعقوبيان يهدف بشكل أساس إلى عدم تمكينها من رفع صوتها ضدّ العهد وفضح ممارسات أزلامه، وإلقاء الضوء على الفساد ونفي خرافة الانجازات التي باتت تتردد على أكثر من لسان. عدا عن كون استهدافها يأتي مخافة تكريس كسر لوائح السلطة من قبل المجتمع المدني، الذي كاد أن يحقق اختراقاُ في الانتخابات البلدية العام 2016، وتم الاعلان عن فوزه بمقعدين في الدائرة الاولى لبيروت في الانتخابات النيابية الاخيرة، لتعود السلطة وتعلن عن تغيير في النتائج حصل في اللحظة الأخيرة. أما القاعدة الواضحة والمسلّم بها، فهي محاولة إسكات وكتم أي صوت محقّ تتصاعد شعبيته ويلتف الناس حوله، ما يكثف من محاولات السلطة بكسر أي رمز يفتح نافذة للأمل بالتغيير الحقيقي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*