بنو معروف في قلب العاصفة… خريف الدروز أم مخاض طويل؟


موناليزا فريحة
النهار
12082018

فجأة وجد الدروز أنفسهم في عين العاصفة. في اسرائيل وسوريا ولبنان، هزت بني معروف سلسلة اضطرابات منفصلة في الظاهر، الا أنها بدت في باطنها تهديداً لطائفة تجاوزت أزمات القرنين الماضيين بحنكة وعرفت بتماسكها أمام المحن.

شرع “قانون القومية” يهودية اسرائيل التي لم يكن أحد يشكك بها، مكرساً بالقانون جميع من هم من غير اليهود، مواطنين من درجة ثانية، فكانت خيبة دروز الداخل أكبر من غيرهم، هم الذين توهموا في وقت ما أن في وسعهم أن يكونوا متساوين في هوية إسرائيلية تتسع لغير اليهود.

عندما نشأت دولة إسرائيل سعت حكوماتها إلى عزل أبناء الطائفة الدرزية عن إطارهم العربي، باللعب على وتر أن الدرزية قومية بذاتها. واستغلت رواية تزويج النبي شعيب ابنته للنبي موسى، لتقول للدروز إن ثمة علاقة مصاهرة تاريخية تربطهم باليهود تضاهي علاقتهم بالعرب. وعام 1956، أصدر أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن غوريون قراراً يلزم بموجبه الدروز بالخدمة الإجبارية في الجيش وواجه في حينه مقاومة شديدة من أبناء الطائفة. وفي عام 1959 فصلت السلطات الإسرائيلية المحاكم الدرزية عن المحاكم الشرعية الإسلامية بغرض تعزيز عملية فصلهم عن وسطهم العربي الطبيعي، وخصصت لهم سلطات محلية ومدارس ومناهج خاصة لخلق شعور لدى الطالب الدرزي بانتمائه إلى طائفة مستقلة ومميزة عن العرب والفلسطينيين.

عاش الدروز ومعهم بعض الشركس والبدو في فلسطين وهم يعتقدون أن وجودهم مرتبط بوجود اسرائيل، وتوهموا بأن يهود إسرائيل لن ينسوا جميلهم، ولن يفرطوا بهم بعدما حاربوا في صفوف جيشهم وصاروا في نظر إخوانهم العرب عملاء.

ويزيد عدد أعضاء الطائفة الدرزية في اسرائيل حالياً عن 120 ألفا ويخدم أبناؤها في الجيش الإسرائيلي ويسمح لهم خلافاً للعرب الفلسطينيين الاخرين، بتبوء مناصب رفيعة في الجيش، ويمثلها في الحكومة الحالية وزير الاتصالات أيوب قرّا.

فبعد 70 سنة على انشاء دولة اسرائيل، أدركت الاقلية الدرزية أن هذه الامتيازات لا تعني شيئاً في حسابات اسرائيل الكبرى ولا تحميهم من التمييز الاسرائيلي الموصوف. وقد تجلت هذه الخيبة بوضوح في التظاهرة التاريخية التي خرجت في تل أبيب ورفعت فيها شعارات من نوع “اذهبوا الى مقابر الجيش حيث دفنا اولادنا”، ” لقد قدمنا لكم الخدمة المطلوبة حسب “الاتفاق” ولكنكم قمتم بخديعتنا “، ” بعد كل ما قدمناه ألقونا للكلاب” … واشياء كثيرة من هذا القبيل.

وعكس الجنرال المتقاعد عماد فارس مشاعر الدروز في أصدق تعبير، قائلاً: “يبدو انه تقرر أن ندفن خارج المقبرة.لقد كان الشعور دائما أننا غير متساوين ، إنه أمر محزن، لأننا اعتقدنا دائما أنه في يوم من الأيام ستتم معاملتنا بمساواة، ولكن الآن عندما تكرس (هذا الفكر) في القانون تبدو المساواة بعيدة”.

السويداء

  في السويداء اتخذت محنة الدروز منحى دموياً في هجوم هو الأول من نوعه ضرب محافظة بقيت في منأى عن أحداث كبيرة وعمليات عسكرية طيلة سبع سنوات هي عمر الثورة السورية.

وتعد السويداء أهم مركز سكني للموحدين الدروز في سوريا التي تضم 700 ألف درزي، ينتشرون أيضاً في صلخد وشهبا والقريا في جبل العرب وجرمانا قرب دمشق وفي ضاحية صحنايا جنوب دمشق، إضافة إلى ريف القنيطرة وقرى في ريف إدلب شمال ، فضلاً عن وجود عدد كبير منهم في الجولان السوري المحتل.

السويداء.

واختارت المحافظة الوقوف على الحياد في الثورة السورية ضد النظام، واحتضنت آلاف النازحين من محافظات سورية مجاورة لها. وظهرت في المنطقة عام 2015، حركة معارضة للنظام قادها الشيخ وحيد البلعوس، سميت بـ “تجمع شيوخ الكرامة”، لكن انفجاراً كبيراً بسيارة مفخخة أودى بحياة البلعوس الذي كان يُوصف بـ “شيخ الكرامة”، وعدد من رفاقه في آب من ذاك العام، أعقبه توتر كبير في عموم المحافظة بسبب اتهام النظام بالوقوف وراء عملية الاغتيال.

وكان بلعوس رفض انخراط الدروز في صفوف قوات النظام، إضافة إلى مواقف أخرى أثارت قلق النظام الذي خشي من فقدان ورقة الأقليات في الصراع الدائر، إذ يزعم أنه حامي هذه الأقليات في سوريا.

 قتل في  اليوم السوري الأسود نحو 200 سوري، و جرح 200 من أهالي السويداء، في المدينة وفي ريف المحافظة، في سلسلة هجمات مباغتة وتفجيرات انتحارية نفذها مسلحون ينتمون إلى “داعش”، بعدما فتحوا جبهة غير متوقعة امتدت على طول نحو 20 كيلومتراً في ريفي السويداء الشرقي والشمالي الشرقي، مستهدفين قرويين قتلوا عدداً منهم، إضافة إلى قتلهم عشرات آخرين في تفجيرات انتحارية وسط المدينة.

 وأتت تلك الهجمات في خضم صراع عسكري محتدم في منطقة قريبة من هذه المحافظة بين فصيل تابع لتنظيم “داعش” من جهة، و قوات النظام التي تواجه مقاومة شرسة من هذا الفصيل، من جهة أخرى.

وقبل السويداء، بدا دروز لينان منذ الانتخابات النيابية طوائف عدة تخوض حرب الغاء بعضها ضد بعض متأثرة بمناخات داخلية واقليمية متشعبة.

وعلى رغم سلسلة الاضطرابات التي تفتك بالطائفة في الدول الثلاث، يرفض مصدر درزي وصف الوضع ب”خريف الدروز”، ويميل الى توصيفه ب”مخاض” سيكون طويلاً لا للدروز فحسب، وإنما للمنطقة كلها، رافضاً خصوصاً مقولة انتهاء الحرب السورية.

في وضع دروز اسرائيل، يعدّ ما اعتبر تمييزا لابناء الطائفة بمثابة استغلال فاضح لهم، وأنهم كانوا دائماً مصنفين من الدرجة الثانية بدليل أن سياسة مصادرة الاراضي التي تنطبق على العرب الاخرين تنطبق عليهم ايضاً، وكذلك الاهمال في المدارس والمستشفيات وغيرها من المرافق. أما السماح لهم بالوصول الى مستويات عليا في الجيش فكان دائماً تمييزاً سلبياً في محاولة للقول إن الدروز ليسوا عرباً، ولسلخهم عن هويتهم العربية وتاريخهم وبيئتهم واستخدامهم في مواجهة أهلهم.

 هذا لا يعفي من القول إن الدروز شعروا بخيبة كبيرة. لكن المصدر يؤثر اعتبار   ما يحصل حالياً  صحوة، وإعلدة ربط مصيرهم بمصير أبناء جلدتهم من العرب. حتى في الرد الذي أطلقه صالح طريف الذي يعتبر وسطياً، ركز على أنه “هذه المرة لن نقبل” بمزيد من الكلام والوعود “وأننا نريد بنداً يؤكد الحقوق والمساواة” لا على مستوى الدروز فحسب، وإنما على مستوى كل أبناء هذه الدولة.

أثبت “قانون القومية” خطأ الرهان الدرزي على اسرائيل، مع أن المصدر الدرزي يفضل اعتبار ذلك الرهان تعاملاً مع أمر واقع اندفع فيه البعض في مغامرات غير محسوبة، ولا يعفي العرب من المسؤولية، بتعاملهم مع جميع من بقوا تحت الاحتلال بأنهم عملاء، وجزء من ذاك الكيان.

  في أصعب الظروف التي تمر بها المنطقة، ثمة “هبة درزية ” على حد قوله هي الاقوى في اسرائيل ويدعمها ما بين 20 و30 في المئة من اليهود، الامر الذي يمثل برأيه فرصة حقيقية، ولكن “يجب تبينها من الخارج”. ويبقى نجاحها رهناً بعوامل داخلية وخارجية.

تظاهرة الدروز في اسرائيل.

وفي قراءته لمحنة الدروز في السويداء ينطلق من الأهمية الاستراتيجية لتلك المنطقة الواقعة على تماس بين اسرائيل وسوريا والتي دخلت مرحلة الخطر تحديداً بعد قمة هلسنكي التي كرست أمراً وحيداً هو الاتفاق الروسي-الاميركي على حماية المصالح الاسرائيلية.

قبل هلسنكي كانت هناك موافقة معلنة امام العالم على حرية الحركة الاسرائيلية في سوريا رغم كل التقنيات الروسية، وحتى الضربات للتيفور والشعيرات كانت باتفاق روسي-أميركي-اسرائيلي، وكذلك على تحييد القصر الجمهوري والمقرات الامنية، والاكتفاء باستهداف الوجود الايراني. وبعد هلسنكي، بدأت مرحلة التفاهمات الفعلية.

تتشعب القراءة الدرزية لتوضيح الظروف المحيطة بمذبحة السويداء والتجاذب حول هذه المنطقة التي تضم غالبية درزية الى جانب بعض البدو وبعض القرى السنية، وقد أدخلت إليها جماعة “داعش” في الفترة الاخيرة، في شكل مشبوه على رغم التصريحات المتكررة عن استعادة معبر نظيف ومحافظة درعا.

 منذ بدء الحرب، واصل بعض الدروز المنضمين الى الجيش السوري مهماتهم، بمن فيهم بعض الضباط الذين حاربوا بشراسة، منهم العميد عصام زهر الدين الذي قتل اخيراً.

مذذاك، حاولت مرجعيات درزية اقناع اهالي المنطقة بتجنب الحرب مع السنة، سواء البدو أم غير البدو، والبعض تفاعل، واكتفى بالاصرار على حمل السلاح في المنطقة والدفاع عنها، فيما التحقت مجموعة صغيرة بالمعارضة.

وحاولت اسرائيل الدخول على خط الازمة، محاولة تقديم نفسها حامياً للدروز في الوقت الذي حاول ايضاً النظام السوري عبثاً استمالتهم للانخراط في صفوفه.

تندرج القراءة الدرزية لأحداث السويداء في سياق السباق على المنطقة الذي حوّل أبناء هذه الطائفة أداة ووسيلة لاسرائيل والنظام معاً. ويعتبر التوقيت مؤشراً قوياً لفهم ما حصل وسط محاولات دولية مكثفة لمنع مذبحة في ادلب واصرار النظام على المعركة هناك.

  ولكن أية علاقة لادلب بالسويداء، يقول هذا المرجع: “تعد المحافظة ما بين عشرة وخمس عشرة قرية درزية في جبل السماق. ودفع الامور الى هذا الحد في السويداء سيؤدي الى تحريك شعار “غيرة الدين ” عند الدروز. والانتقام سيحصل إما مع الجيران، وهذا هدف النظام منذ البداية ، وإما في معركة ادلب تحت عنوان حماية الدروز والانتقام من الارهابيين هناك لأخذ الثأر”.

هذا في العنوان العريض، أما التفاصيل التي أحاطت بمذبحة السويداء فتذهب ايضاً في اتجاه سيناريو تواطؤ بين النظام و”داعش” وبغطاء روسي.

فقبل أسبوع من المجزرة طلب النظام الاسلحة التي لدى شباب المنطقة بذريعة أن الاضطرابات انتهت، والامور ذاهبة الى التهدئة. و طالب ايضا بتسليم 53 الف مطلوب للخدمة العسكرية لأن الجيش بحاجة اليهم.

ومع رفض الغالبية تسليم اسلحتها، دخل الروسي على الخط، وزار ضباط روس المحافظة وحاولوا اقناع شيوخ عقل طائفة الموحدين بإلحاق الشباب الدروز بالخدمة الاجبارية، مقدمين نفسهم ضامنا لهم، فكرر اهالي المنطقة اصرارهم على الخدمة في منطقتهم، لا خارجها وغيرها من المطالب. ورفض الدروز المعارضون للنظام، وهم قلة، تسليم اسلحتهم. وفجأة حصل ما حصل وسط انقطاع تيار الكهرباء واجتياح “داعش” للقرى.

 ووسط علامات استفهام كثيرة تطرح هنا وهناك عما حصل، زار وفد درزي ضم النائب تيمور جنبلاط موسكو.

 لم يتضح بعد ما عاد به الوفد من موسكو. ويكتفي المصدر الدرزي المطلع على أجواء الزيارة بالاشارة الى أن نقاشاً هادئاً وعقلانياً حصل في موسكو استكمالاً لحديث سابق مع القيادة الروسية عن أهمية تلك المنطقة وحساسيتها. وأضاف: “أعتقد أن المجزرة حركت الامور، وصار الروس يدركون دورهم في وجوب في التعاطي معها بأعلى درجات الحذر”.

 لبنان

يربط المصدر الدرزي المعركة الداخلية المحتدمة بين دروز لبنان، بالحرب السورية مباشرة. فخلافاً لقراءته الشخصية للنزاع الدموي، يقول إن النظام يعتبر نفسه منتصراً ومرتاحاً في سوريا، وبدأ تصفية حساباته في لبنان الذي أخرج منه ذليلاً عام 2005.

في نظر النظام السوري أن رئيس حكومة لبنان ضعيف واسير معادلة سياسية، ولم يعد لرمزية ابن رفيق الحريري أهمية في الطائفة السنية. وبعد الانتخابات النيابية، صار اكثر من ثلث النواب السنة ضد زعيم تيار المستقبل سعد الحريري.

في الطائفة المسيحية، هناك قلق تاريخي من سمير جعجع. لكن هذا القلق لا يشكل هاجساً. فعلى رغم مضاعفة حضوره انتخابياً، يواجه ا فريقاً اقوى شعبياً على الارض ويمثله رئيس قادر على الوقوف في وجه رئيس الحكومة. وفي هذه المعادلة، لا يبدو النظام السوري قلقاً من الطائفة المسيحية، فيما الطائفة الشيعية كتلة حديد متماسكة في صف النظام.

 وعلى هذا الاساس،” لم يبق الا الزعيم الدرزي وليد جنبلاط متمرداً على النظام ،وحان وقت تصفية الحساب معه والامساك بقرار الطائفة في مرحلة تسليم ابنه. وهم يعتقدون أن العملية متعثرة، لذلك بدأ الضغط في لبنان بطرق عدة، ومن خلال شخصيات مختلفة”.

في الخلاصة، ليس ما يحصل “خريفاً درزياً” ، وإنما في رأيه مرحلة جديدة من مراحل الفوضى الدموية الكبرى في المنطقة، في كل ساحاتها ، وخصوصاً الساحة السورية وكذلك حيث ثمة تنوع، اي العراق ولبنان وفلسطين. وبما أن الدروز جزء من هذا النسيج، فهم معرضون مثلهم مثل غيرهم لتداعيات اخفاق “الربيع العربي” والتراجع العربي والهرولة نحو اميركا ومن خلفها اسرائيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*