بليغ حمدي…سيرة الحب والألحان

محمود الزيباوي|السبت23/09/2017


أحيت 
“فرقة عبد الحليم نويرة للموسيقى العربية”مؤخراً ذكرى رحيل الموسيقار بليغ حمدى الرابعة والعشرين، وقدمت في مسرح دار الأوبرا، حفلة كبيرة استعادت فيه بعضاً من أشهر ألحانه. وأصدرت “شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات” بهذه المناسبة سلسلة من الأسطوانات ضمّت مجموعة من أشهر الأغنيات التي لحّنها لكبار المطربين خلال مسيرته الفنية التي انطلقت أواسط الخمسينات

ظهر اسم بليغ حمدي للمرة الأولى في وسائل الإعلام سنة 1954، يوم قدمته الإذاعة المصرية كمطرب جديد. في منتصف كانون الأول-ديسمبر، نشرت مجلة “الفن” صورة لهذا المطرب، وقالت في تعليقها ان الإذاعة بثّت أغنية “قلبي من الشوق يا جميل سهران ينادي عليك” المسجلة على لحن أغنية من الفيلم الإيطالي “آنا” بكلمات مصرية وضعها سعيد المصري، غنّاها “المطرب الجديد بليغ حمدي، وهو شاب اكتشفته الإذاعة حديثاً في برنامج الهواة”. لم تطل مسيرة هذا المطرب الجديد، فبعد فترة وجيزة، اتجه إلى التلحين، ومن ألحانه الأولى غنّت فايدة كامل “ليه يهجر ليه”، وغنّت فايزة أحمد “ما تحبنيش بالشكل ده” و”حسّادك علموك”.

في العام 1957، لمع اسم الملحن الناشئ من خلال أغنيتين أدّاهما عبد الحليم حافظ على الشاشة الكبيرة. في فيلم “الوسادة الخالية” الذي بدأ عرضه في تشرين الأول-أكتوبر، غنّى العندليب من كلمات إسماعيل الحبروك “تخونوه”، وفي فيلم “فتى أحلامي” الذي بدأ عرضه في كانون الأول-ديسمبر، غنّى من كلمات مأمون الشناوي “خسارة خسارة”. في هذه الفترة المبكرة من حياته، تحدّثت الصحافة عن ارتباط الملحن الصاعد بالراقصة سامية جمال، غير أن هذه العلاقة انتهت في تموز-يوليو 1959. كتبت “الكواكب” يومها: “فرحة ما تمّت، فإن سامية جمال ما كادت تعلن خطبتها هي وبليغ حمدي حتى سارعت لتعلن فسخ الخطبة. وإذا أردت أن تعرف السبب، فتّش عن المرأة: إن المرأة هي التي حوّلت الفرح إلى مأتم”.

تابع بليغ مسيرته الفنية في الإذاعة وفي السينما، ونافس محمد الموجي وكمال الطويل اللذين سبقاه في دخول معترك التلحين، وتصدّرت هذه الأسماء الثلاثة عالم الأغنية المصرية الحديثة. جذب هذا الجيل الجديد من الملحنين كوكب الشرق أم كلثوم سنة 1955، فغنّت من ألحان محمد الموجي “اوقدوا الشموس” و”حانة الأقدار”، وغنّت من ألحان كمال الطويل “غريب على باب الرجاء” و”لغيرك ما مددت يدا”، والقصائد الثلاث، كتبها طاهر أبو فاشا لبرنامج إذاعي خاص برابعة العدوية. تجدّد هذا التعاون في العام التالي، فأنشدت أم كلثوم من ألحان كمال الطويل نشيد “والله زمان يا سلاحي”، ثم غنّت من ألحان الموجي “ما احلاك يا مصري” في 1957، والأغنيتان من تأليف صلاح جاهين. دخل بليغ حمدي بدوره عالم أم كلثوم من الباب العريض في العام 1960، مع أغنية “حب ايه” من كلمات عبد الوهاب محمد، وتكرّرت التجربة في العام التالي مع “انساك ده كلام” من كلمات مأمون الشناوي. حصدت الأغنيتان نجاحاً واسعاً، ومع هذا النجاح بدا بليغ حمدي ألمع ملحني الجيل الجديد، وهو في الثلاثين من عمره.

في النصف الأول من الستّينات، وضع الملحن الشاب مجموعة كبيرة من الألحان المنوّعة أدّتها أشهر الأصوات الغنائية في الإذاعة المصرية كما في السينما. في فيلم “يوم من عمري”، غنّى عبد الحليم “خايف مرة أحب” من كلمات مأمون الشناوي. وفي “الشموع السوداء”،غنّت نجاة الصغيرة “كل شيء راح” من كلمات إسماعيل الحبروك. وفي “ألمظ وعبده الحامولي”، غنّت وردة الجزائرية “يا نخلتين بالعلالي”من كلمات صالح جودت. وفي “ثلاثة رجال وامرأة” غنّت صباح “عايزة أنساه” من كلمات عبد الوهاب محمد، كما غنّت “اللي حبك ظلمك” من كلمات علي مهدي في “جوز مراتي”، و”حب وحبايب” من كلمات فتحي قورة في “طريق الدموع”. بعد “انساك ده كلام”، غنّت أم كلثوم “انا وانت ظلمنا الحب” من كلمات عبد الوهاب محمد العام 1962، “كل ليلة وكل يوم” من كلمات مأمون الشناوي العام 1963، “سيرة الحب” من كلمات مرسي جميل عزيز العام 1964، و”بعيد عنك” من كلمات مأمون الشناوي العام 1965. وساعمت هذه الأغاني الطويلة في تكريس إسم ملحّنها.

في النصف الثاني من الستينات، نهل بليغ حمدي من التراث الشعبي، وقدّم سلسلة طويلة من الأغنيات لا تزال حيّة في الذاكرة، أشهرها تلك التي أدّاها محمد رشدي وشادية. دخل عبد الحليم في هذه التجربة، وغنّى من كلمات عبد الرحمن الأبنودي “انا كل ما قول التوبة” سنة 1966، ومن كلمات محمد حمزه “سواح” سنة 1967، وحقق نجاحاً فاق كل التوقّعات.

واصلت أم كلثوم تعاونها المثمر مع بليغ، وقدّمت في 1967 “فات الميعاد” من كلمات مرسي جميل عزيز، ثم نشيد “سقط النقاب” نظم عبد الفتاح مصطفى، إثر الهزيمة الكبرى. في هذه المرحلة التعيسة من تاريخنا، غنّى عبد الحليم من شعر الأبنودي “عدّى النهار والمغربية جايّة تتخفّى ورا ضهر الشجر”، و”تاج الشوك فوق جبينه وفوق كتفه الصليب، دلوقت يا قدس ابنك زي المسيح غريب غريب”.

في صيف 1968، زار بليغ حمدي بيروت، وأجرت معه هاديا كستي حديثا طويلا نُشر في مجلة “الحسناء”. رأى بليغ أن “سيرة الحب” هي أحلى لحن قدّمه لأم كلثوم، وأن”جانا الهوا” و”عدوية” هما من أجمل الألحان التي قدمها لسائر المطربات والمطربين، واعتبر أن عبارة “عايزنا نرجع زي زمان، قول للزمان ارجع يا زمان” من أغنية “فات الميعاد” هي أحلى كلام لحّنه. من جهة أخرى، تحدّث بليغ عن الحب، وقال أن له حبيبة “يحبها من سنتين، وبنتخانق دايماً، واحنا الاتنين مجانين”، وهي “أديبة عربية”، “ذكية، حساسة، فنانة، موهوبة، سمراء، قصيرة، عمرها 25 سنة”. وعلّقت هاديا كستي في ختام اللقاء: “تركته لأقلب في قاموس الأديبات العربيات، أبحث بينهن عن “هي” التي تقف وراء بليغ حمدي، لا كحشرية تهوى جمع أخبار الناس، بل كرسولة من ملايين العشاق تحمل رسالة إلى مُلهمة بليغ حمدي: امنحيه أكثر كي يغدق العطاء”.

بعد فترة وجيزة، كشفت الصحافة اللبنانية اسم الأديبة العربية، واتضّح أنها غادة السمان. قيل يومها ان الأديبة السورية سافرت إلى القاهرة استعداداً لنيل الدكتوراه، وأنها أقامت مع بليغ في بيته، “وقد نشأت قصة حبّهما في بيروت بعدما تعرّفت عليه صدفة في إحدى السهرات، ومن ثمّ راسلها، وكتبت له، ولحقها إلى لندن، ولحقته إلى القاهرة”. لكنّ غادة السمان نفت هذا الخبر، وكتبت في ردّها عليه: “ضناً بمزيد من الحبر يُراق حول هذه الشائعة، يبدو من واجبي وضع حدّ لها بالقول ان إطار علاقتي ببليغ وبأسرته الصديقة، يختلف عن الإطار الذي رسمته الشائعات. لم أقل ذلك من قبل لأنني أرفض عادة أن أزجّ بحياتي الخاصة في معرض أي نفي أو تأكيد”.

وصل بليغ حمدي في هذه الفترة إلى قمة المجد، وتواصل هذا النجاح في السنوات الأولى من السبعينات. قدّم لأم كلثوم سنة 1969 “ألف ليلة وليلة” من كلمات مرسي جميل عزيز، وفي 1971 “الحب كله” من كلمات أحمد شفيق كامل، وفي 1973 “حكم علينا الهوى” من كلمات عبد الوهاب محمد، وبهذه الأغنية ختمت كوكب الشرق سيرتها الفنية الطويلة. في مطلع السبعينات، تبنّى بليغ الصبيّة عفاف راضي، ولحّن لها خلال سنتين سلسلة من الأغاني المميزة، أوّلها “ردّو السلام” من كلمات سيد مرسي. وواصل تعاونه مع عبد الحليم، ولحن له من كلمات محمد حمزه أغاني عديدة حقّقت كلها نجاحاً جماهيرياً كاسحاً. كما لحّن لصباح أجمل أغانيها المصرية، ومنها “يانا يانا” كلمات مرسي جميل عزيز، و”عاشقة وغلبانة” كلمات محمد حمزه. وقدّم لنجاة الصغيرة تباعاً “في وسط الطريق” من تأليف حسين السيد، “سكة العاشقين”  تأليف عبد الرحيم منصور، ثم “يا خسارة نسي” تأليف محمد حمزه. في هذه الفترة، عادت وردة الجزائرية إلى مصر، وهام بليغ بها، ووهبها أغنيتين أعدّهما في الأصل لنجاة. بأمر المحكمة، منعت نجاة إذاعة “العيون السود” و”حكايتي مع الزمان”، ثمّ سمحت بذلك بعدما عادت وتصالحت مع ملحّنهما.

اقترن بليغ بوردة، وكرّس الجزء الأكبر من ألحانه لها خلال فترة زواجهما التي دامت ست سنوات، وجعل منها واحدة من أكبر مطربات مصر. تعامل بليغ مع عدد من الأصوات الجديدة في السنوات التالية، وتعرّض لأكبر نكسة حين اضطرّ للرحيل عن مصر بعد اتهامه بحادث انتحار الفنانة المغربية الصاعدة سميرة مليان سنة 1984، فقضى في الغربة خمس سنوات، وعاد إلى وطنه منهكاً بعدما تمّت تبرئته من هذه القضية، وتوفّي عن عمر يناهز 62 عاماً، تاركاً ميراثاً هائلاً من الألحان لم يُصنّف إلى اليوم.


اقترن بليغ بوردة، وكرّس الجزء الأكبر من ألحانه لها


مع سامية جمال


مع عفاف راضي

مع حبد الحليم حافظ ومحمد حمزه


بليغ حمدي 1954

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*