“بلومبرغ” وتحليلها للأوضاع المالية والاقتصادية اللبنانية


مروان اسكندر
النهار
09032018

وكالة بلومبرغ  للاخبار والتحليلات الاقتصادية حققت نجاحًا ملحوظًا منذ أسّسها مايكل بلومبرغ الذي تولى رئاسة بلدية نيويورك سابقًا ونجح في تحفيز النشاط المالي، وقد اصبحت هذه الوكالة من مصادر المعلومات الرئيسية عن الاسواق المالية العالمية.

من المؤكد أن الوضع اللبناني يحتاج الى المعالجة، لكنه لا يزال أفضل من وضع اليونان بعد حصولها على المساعدات الوفيرة. وعلى رغم أن معدّل زيادة موارد المصارف في لبنان قد انخفض، فإن الوضع المصرفي لا يزال افضل مما كان وضع المصارف اليونانية قبل تلقي اليونان المساعدات الاوروبية.

لا مجال لمقارنة وضع لبنان بوضع اليابان. فالدين العام في لبنان نسبة الى الدخل القومي يوازي 150 في المئة على افتراض ان الدخل القومي يوازي 55 مليار دولار، مقابل 220 في المئة لليابان. ودين اليابان في أكثره هو بالين ويحمله اليابانيون، والاستثمارات الاجنبية في اليابان قليلة نسبيًا لحجم اقتصادها، وتالياً لا تخوف من التصنيفات الدولية.

في رأينا أن تقدير الدخل القومي اللبناني بـ55 مليار دولار هو دون الواقع، ونستند في هذا الرأي الى حجم الانفاق الذي يقاس بشيكات المقاصة والبالغة أكثر من 72 مليار دولار سنويًا تمثل الانفاق المسجل بالشيكات المسددة للمشتريات والاستثمار. ويضاف اليها حجم المبيعات مقابل بطاقات الاعتماد الذي بلغ 20 مليار دولار عام 2017 وموارد الخزينة التي تتوافر من المكلفين، وهذه الموارد مقتطعة من مداخيل اللبنانيين وتالياً لا تدخل دورة الانفاق على الاستهلاك والاستثمار، وهي تساوي أقل بقليل من 12 مليار دولار (9.25 مليارات واردات ضريبية، و2.6 ملياران واردات غير ضريبية).

السؤال هو، كيف يكون الدخل القومي 55 مليارًا فقط ما دامت دورة الانفاق الاستهلاكي والاستثماري 72 مليارًا، يضاف اليها انفاق بطاقات الاعتماد 20 مليارًا، وواردات الضرائب وغير الضرائب 12 مليارًا تقريبًا، والمجموع يتجاوز 103 مليارات؟

اضافة الى الحسابات الموثقة المدرجة اعلاه، نشير الى أن مسؤولي البنك الدولي يعتبرون ان الاقتصاد الاسود (أي الاقتصاد الذي يشمل تعويضات العاملين غير المسجلين في قوى العمل الرسمية) يساوي نسبة 30 في المئة، سواء العمال الزراعيين، أو المياومين، أو الناشطين في اعمال غير قانونية الخ. وجدير بالذكر ان الاقتصاد الاسود في ايطاليا يمثل 30 في المئة من الدخل القومي والاقتصاد الاسود في لبنان يشمل نفقات المهجرين الذين يحوزون معونات دولية يقدر أنها تبلغ ملياري دولار سنويًا.

نؤكد ان الدخل القومي يتجاوز 70 مليار دولار سنويًا، وتالياً فإن الدين العام، الذي هو في نسبته الرئيسية بالعملة اللبنانية، لا يتجاوز 115 في المئة من حجم الدخل القومي الحقيقي.

على رغم هذه الحسابات التي توفر صورة غير تلك التي صورها تقرير “بلومبرغ” والمقارنة بأوضاع اليونان، لا شك في ان السياسة المالية تعاني انفلاشاً هو في طابعه سياسي. فالعجز المقدر في ارقام موازنة 2018 التي هي قيد الدرس يوازي بالفعل وعند مقارنته بالدخل العام البالغ 70 مليارًا أو أكثر، لا يزال يتجاوز نسبة 11.4 في المئة من الدخل القومي الحقيقي وهذه نسبة بالغة الارتفاع.

اللجنة الوزارية التي تعمل على انجاز أرقام مقبولة لدى الاطراف المدعوين لمساعدة لبنان في مؤتمر باريس (فمؤتمر روما سيأتي بمساعدات عينية لان لدى الدول المشاركة فيه فائضاً من الاسلحة التي يمكن تخصيص لبنان بنسبة منها) لن توفر الصورة المطلوبة، هذا مع العلم ان اعتماد سياسة جديدة في مجال الكهرباء فقط يمكن ان ينقذ الوضع. فان كان ثمة توجه حقيقي نحو اختصار العجز، يمكن ايلاء توليد الكهرباء للقطاع الخاص. وهنالك عروض لتوفير الطاقة لكل لبنان من اكثر من طرف بوفر يفوق الملياري دولار سنويًا، لا حاجة الى اقتراضها لاستئجار بواخر لن تؤمن في أفضل الاحوال التغطية الشاملة الا استنادًا الى تكاليف المعامل المهترئة الحالية والسفينتين المستأجرتين أكثر من 400 ميغاوات فعلية بما ان الخسارة التقنية وغير التقنية وتأخر التحصيل والفوترة تؤدي الى خسارة 50 في المئة من الطاقة المنتجة. واذا كانت طاقة الباخرة أو البواخر الاضافية 800 ميغاوات وعملت بكل طاقتها، فلن تستطيع تأمين تغذية للمستهلكين تتجاوز 400 ميغاوات.

اذا اراد السياسيون التوجه الى باريس مع أمل في الحصول على معونات، عليهم اليوم قبل الغد اعتماد تأمين الكهرباء من القطاع الخاص، وحينئذٍ يساهمون في خفض عجز الموازنة ملياري دولار. فتأمين الكهرباء من القطاع الخاص يؤدي الى وفر على حساب المدفوعات يتجاوز المليار دولار سنويًا، وتكون رحلة الالف ميل في الاصلاح قد تحققت، ويصبح في الإمكان التوجه أولاً للحصول على معونات مؤتمر باريس 3 التي لم تتأمن نتيجة سوء الادارة البالغ الضرر والتي توازي أربعة مليارات دولار. وربما بعد ذلك نستطيع استقطاب معونات وتسهيلات دولية.

ويشار الى ان محاولات اختصار النفقات، وربما زيادة الواردات، تبحث فيها لجنة المال والموازنة برئاسة النائب ابراهيم كنعان، صاحب كتاب “الابراء المستحيل” حول عدم توافر قيود 11 مليار دولار شاء اتهام الرئيس السنيورة في المقام الاول بهدرها. وكتابه الصادر عام 2012 لم يتطرق اطلاقًا الى الإنفاق على الكهرباء التي تولى وزاراتها منذ عام 2005 وحتى 2012 وما بعد وزراء تيار النائب كنعان وحلفاؤهم، وكانت تلك الفترة شاهدة على تبديد 10-11 مليار دولار على الكهرباء. واستنادًا الى خبرة كنعان في معالجة الارقام لا يمكن توقع تحسن ملحوظ في ارقام الموازنة لعام 2018.

الاستقامة لتحسين وضع لبنان لا تزال ممكنة شرط تخلي السياسيين عن قولبة المشاريع لقناعات خاطئة وحينئذٍ يستحق تقرير “بلومبرغ” الاهمال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*