بلطجة


سمير عطاالله
2
7122017
النهار

     قسّم العام المنصرم نفسه قسمين، وبين رجلين، وليس بالضرورة بالتساوي. فالخطوط المستقيمة ليست شرطاً في السياسة، ولا الاستقامة. وعندما وضع النمسوي روبرت موزيل “الرجل الذي لا خصائل له” إنما كان يستعير من شواهد التاريخ. أنهى ثلاثة أجزاء والسرد لم ينته بعد.
  جزر مارشال. ميكرونيزيا. ناورو. بالاو. وتوغو. تلك هي الدول التي اقترعت الى جانب قرار دونالد ترامب القدس عاصمة اسرائيل. عندما فاز   بالرئاسة في إحدى أغرب الحملات الانتخابية، لم ينل أي ولاية من ولايات “النخبة”. راهن عليه اليمين الريفي، ولا يريد أن يخيب آمال الحالمين باميركا بيضاء من دون الوان وظلال أخرى.

بدا ترامب خلال الحملة الانتخابية مثل جوزف ماكارثي آخر، أو مثل عنصري ألاباما في حرائق القرن الماضي. ولما فاز، قيل ان الرئاسة سوف تروضه وتقدم له صورة للعالم اكثر وضوحاً. جميع نخب أميركا في الصحف والجامعات والمعاهد لم تراهن على ذلك.

يتمتع الرئيس في الديموقراطية الاميركية القائمة عل تراث الحزبين، وفي الديموقراطية الروسية القائمة على تراث القيصر، بالقوة نفسها، مع فارق سني العهد: ثمان في واشنطن مثل حلم يوسف الصديق، وأبدية في موسكو، مثل العادة. في عام واحد أقدم الفيل الاميركي والدب الروسي على تحطيم قاعة الخزف في وجه العالم: الأول شهر الفيتو، مزوّدوا دعم ناورو وتأييدهما، والثاني حوَّل مجلس الأمن مرمى فيتوات بشأن سوريا. الأول تجاهل مجموع دول مجلس الأمن، والثاني تجاهل مجموعها إلا قليلاً.

كانت هذه سنةَ ازدراء خرافة الاسرة الدولية وما يتبع، من تعابير فارغة مثل حقوق الإنسان وغيرها. الغطرسة الاميركية في ذروتها، والغطرسة الروسية في نسختها الجديدة: يأتي فلاديمير فلاديميروفيتش لزيارة اصدقائه القدامى وحلفائه الجدد: سوريا ومصر وتركيا، فلا يمنحها ثلاثتها إلا يوماً واحداً من وقته: اصبح في حميميم، واضحى في القاهرة، وأمسى على البوسفور. ثلاثة بواحد، مثل مسحوق “يس” العجيب.

لا وقت للياقات وأصولها. الربّاع الروسي منهمك برسم الشرق الأوسط الجديد فيما يعود الملاكم الاميركي الى شرق التوراة. ويهتف له نتنياهو ان “الأمم المتحدة بيت الاكاذيب”. فالحقيقة الوحيدة في هذا العالم هي توغو وجزر مارشال وناورو وبالاو، والى آخره. ذكرتنا السيدة نيكي هايلي في استخدام الفيتو في وجه 14 دولة بيوم استخدمته المسز مادلين اولبرايت في وجه الدول نفسها لإزاحة بطرس غالي، بسبب موقفه من مجزرة قانا.

كانت المسز أولبرايت قد صنعت لنفسها شهرة القوة عندما وصفت فيديل كاسترو بأنه “من دون خصيتين” . أي ليس رجلاً. وبعد سنوات من تركها الديبلوماسية الاميركية، قابلتها في مطار جدة، فأدركت أنها تتحدث عن خبرة.

عام آخر. وسنة عربية أخرى، لها الف عنوان كلها مأسوية، لعل أبرزها علي عبدالله صالح، نائب العريف اليمني الذي صار عقيداً، الذي صار فريقاً، الذي صار رئيساً، فلما صار سابقاً، ذهب يطلب النجدة من اعدائه، فانجدوه، ثم قتلوه فوق حلبة الرقص مع الموت.

كانت صور كثيرة من مسيرة علي صالح منفرة: تقلب وجشع ونكوص والاعيب. وكان يستحق، ربما، محاكمة “مهداوية” في صنعاء، أو قانونية في لاهاي. لكن أي بشري يستحق هذا النوع من همجية الثأر؟ لا. هذا ليس تقليداً عربياً. الناحية العربية في المسألة هي فقط التمادي في القباحة، والحرص على تجاوز مساوىء القتيل. أما التقليد نفسه، أي أن تقتل رجلاً وهو يبحث عن ملاذ، فكان في اسوأ صوره، عندما قبض الشيوعيون على بنيتو موسوليني وعشيقته كلارا بيتاشي، هاربين الى سويسرا، واقدموا على اعدامهما. علقوه من ساقيه.

طوال حكمهما كنتُ أكتب ضد بقاء ظالم مثل القذافي، مخادع مثل علي صالح، في موقع التسلط على حياة الناس ومستقبل الدول. كلاهما عثر على عدو جعل الناس تترحم على أيامه.

لاحظ، جنابك، أن السبق الوحيد في العالم العربي هو في مدى التوحش. بينما كان “داعش” يختتم فصوله الهمجية، كان الحوثيون يعرضون للعالم نوعية العقاب الذي انزلوه في الرجل الذي باعهم صنعاء.

من بوتين في حميميم يدعو جنوده الى العودة: “البلاد تنتظركم ايها الرفاق”، الى ترامب يستقبل أحفاده من جاريد كوشنير، مقدماً لهم هدية الميلاد: استعدنا لكم القدس من باقي الأديان. لم تعد المدينة التي بنيت على أعلى تلة رمزية في العالم، من اجل ان تكون المنارة الروحية للعقائد السماوية. صارت برج ترامب.

في هذا العالم المدجّن مثل أفيال السيرك، وقف الفتى الأغر ماكرون يرفض ويعترض. خذها مني، عزيزي مانويل، انت تذكّر العالم بشجاعة شارل ديغول وبرؤيته. وإذا كان لي أن اختار مشهد العام – أو العقد، إذا شئت – فلن اختار سوى صورتك وسط الجماهير في شوارع الجزائر العاصمة. فيما كانوا يذبحون جثة علي صالح، كنتَ تشبك يدك بأيدي ابناء ضحايا الاستعمار. فليدفن الموتى موتاهم، قال يسوع بن مريم. ذكرتنا بيوم تمشّى شارل ديغول في شوارع بون، متناسياً ان لون الراين صار قانياً ذات يوم، متناسياً ان هتلر مدَّ جزمته ذات يوم، على أقواس باريس، وقبة الانفاليد، وحديقة اللوكسمبور.

اللياقات الفرنسية شيء طيب في كل الأحوال. وسوف أشرح لك لماذا: لأن الفيل الاميركي لم يأخذ مشاعر أحد في الاعتبار عندما قرر ان يزدري نصف البشرية. أما الدب الروسي، كما يسمي بوتين نفسه مفاكهاً، فماذا فعل احتفالاً باختتام هذه السنة؟ جاء الى حميميم، ولم يدخل دمشق.

هل يحق لنا المطالبة بـ”الاتيكيت” ونحن شعوب تعرض قتيلها خمسة أيام في مسلخ لحوم؟ نطالب بأن يحفظ الغرباء كرامتنا ونحن نرمي ملايين المواطنين في شوارع الآخرين وخيامهم وبحارهم؟ نحن الذين جعلنا الكرة الأرضية تشتهي عودة الديكتاتوريات، حتى القذافي منها؟ لا تحاول أن ترمي حجراً في وجه أحد. فهذه أرض كروية، وما أن تكتمل دورتها، حتى يصيبك الحجر نفسه في عنقك من الخلف.

ربما لاحظ الجزائريون انه فيما تمتع الشاب الفرنسي بشوارع الجزائر العاصمة، حُرموا هم رؤية رئيسهم الذي لم يعد يظهر في مكان عام إلا نادراً، ولفترة قصيرة، وعلى كرسي متحرك. اين الهول؟ إنه في ان هذا الرجل الموهون أضمن الضمانات، اطال الله في عمره. عندما ذهبت الى زيارة الرئيس عبد العزيز بو تفليقة في أبوظبي قبل أكثر من عقد، قيل لي إن صحته قد لا تكفيه رحلة العودة الى بلاده. لكن رئيس “الوئام” هذا أفضل الف مرة من حرب أهلية أخرى. وهذا ليس خوف الجزائريين وحدهم، بل خوف اوروبا ايضاً. لقد لوعها مشهد الشبان العرب يحاولون اغتصاب فتيات كولونيا ليلة الميلاد. وهل تدري ما الذي اقرفها؟ “المفكرون” العرب الذين بلغ بهم الهبل الزهري انهم دافعوا عن مغتصبي الساحات. وهناك من رأى مشهداً طبيعياً في شاحنات الدهس. مثل هذا النوع الابله من الفكر العربي، هو الذي يمهد ويبرر عودة اليمين الاوروبي الفاشي. انغيلا ميركل عاجزة عن تشكيل حكومة في المانيا، والنمسا تعطي اليمين في حكومتها الجديدة ثلاث حقائب: الخارجية، الداخلية، والدفاع. نحن مساكين بالذين يكتبون “أفكارهم” في الصحف كمن… يكتب على الجدار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*