بلدة أنفة: تراث بحريّ وآثار ممتدّة في أعماق التاريخ

رولا حميد
30092017
النهار

تلتقي في بلدة أنفة عناصر التاريخ والتراث والسياحة. والآثار المنتشرة في أرجاء البلدة، ومعالمها التراثية تشير إلى تاريخية البلدة، وقدمها، وسكن الإنسان لها منذ آلاف السنين قبل الميلاد.

على صعيد التراث، مظاهر مزجت بين الحضاري القديم والتقليد الأكثر حداثة، وأبرز ما فيها صناعة الملح، والأبنية ذات الطابع التراثي، وصيد السمك.

وعلى الصعيد السياحي، فإنّ عناصر التاريخ والتراثيات، متى توفرت، فهي تشكل عناصر سياحية هامّة، لكن في أنفة تضاف عناصر سياحية ترتكز على التفاعل مع البحر، خاصة أنّ العديد من المنتجعات السياحية أقيمت على شاطئها، واتخذ السكان من تجاورهم للشاطئ منطلقاً لتأسيس منشآت تؤهل لسياحة دائمة من أكشاك خاصّة، ومقاه ومطاعم وأشباه خلجان لرسوّ المراكب، وأشهرها ما يعرف بموقع “تحت الريح”.

شكلت أنفة عبر التاريخ مسكناً للإنسان القديم تشير إليه بقايا إنشاءات منها على سبيل المثال، عديد من الأدراج المحفورة في الصخور، وممرّات صخرية وشبكة مواصلات.

ولدى مرجعيات البلدة أنه لم تتوافر تنقيبات جدية للبحث في تاريخ البلدة، لكن التقصّيات السطحية التي حصلت في المنطقة بين عامي 1945 و 1965 مكّنت من الحصول على بعض الأدوات التي تعود إلى حقبة عصر الحجر القديم الأوسط، التي امتدت بين نحو 100000 سنة و35000 سنة تقريباً قبل الزمن الحاضر.

ومن المميزات البارزة للبلدة وجود رأس طويل يزيد على خمسمئة متر ممتد من البرّ في بحرها بعرض يصل إلى ١٢٠ متراً، وتناقل السكان عن القدماء أنها قلعة استخدمت على فترات متفاوتة في التاريخ.

ولا يستبعد ناشطون في البلدة أن يكون اسمها مستمداً من هذا الرأس الذي يشبه الأنف. وينتهي الرأّس بجدران من الحجارة القديمة الكبيرة تدلّ على بقايا القلعة. ويتميز الرأس بانقطاعه عن البرّ من الجهة الخلفية بخندق واسع يناهز الخمسة عشر متراً عرضاً، وارتفاع عشرة أمتار لعزل القلعة.

منذ عامين تقريباً، شرعت فرق تابعة للمديرية العامّة للآثار في وزارة الثقافة اللبنانية، بالتعاون مع فريق من جامعة البلمند، وخبراء أجانب، بالبدء بحفريات على مواقع مختلفة من الرأس بغية الشروع في كشف تاريخ التل المعروف بالقلعة.

وبهدف تثبيت هوية البلدة التاريخية، يلجأ السكان إلى رسائل “تل العمارنة” حيث استُنتج اسم البلدة من لفظات وردت في الرسائل مثل “أنبي” و”أنبا” و”نفين”.

غير أنّ العثور على بعض اللقى الأركيولوجية أثناء تنفيذ بعض الأعمال والمشاريع العامّة في البلدة، من بقايا عمرانية متواضعة أو مدافن حجرية وفخاريات ومسكوكات تعود إلى تلك الفترات، ينبئ بأنّ البلدة كانت آهلة قديماً.

وتنتشر على الشاطئ مراكز دينية ممتدة من العصور الوثنية استخدمت في العصور المسيحية اللاحقة، وجرى ترميم معظمها، وتدلّ على عراقة وقدم تاريخيين، خصوصاً إحدى المواقع المجاورة لكنيسة تعرف بـ “سيدة الريح”، وعلى جنباتها ظهرت بقايا رقع فسيفساء تدلّ على أنها من العصر البيزنطي، ويرجح أنها كانت أرضية لكنيسة كبيرة دمرت، وبقيت أجزاء منها، وجرى ترميم القسم المعروف اليوم بـ “سيدة الريح”.

ومن الآثار التاريخية الهامّة كهفان صخريان يقعان على مرتفع يعلو عشرين متراً عن سطح البحر، وعثر عندهما على بقايا من حيوانات بحرية كالسمك والأصداف المتحجّرة.

الكهفان تجويفان كبيران واحد اسمه كهف “الشق” والثاني كهف “العمود”، وقد حول الناشط البيئي جورج ساسين كهف الشق الواقع في أرضه إلى متحف للأدوات القديمة المنقرضة، وللّقى التي عثر عليها المنقّبون.

 تراثياً

في التراث، تشتهر أنفة باعتماد أهلها استخراج الملح من البحر، وذلك منذ زمن بعيد جداً، فانتشرت على الشاطئ آلاف البرك التي جرت مياه البحر إليها بالضخّ بمراوح هوائية. وتراجعت صناعة الملح كثيراً إلى حدود الانقراض بسبب المضاربة الخارجية، واستيراد الملح بأسعار منخفضة، في ظلّ غياب الحماية الرسمية لها.

وعلى هامش صناعة الملح نشأت في البلدة مصانع للمراوح التي تحرّك مضخات لضخّ مياه البحر إلى البرك، ولا يزال واحد منها عاملاً حتى اليوم، ويقوم صاحبه رامح نخول بتصنيع المراوح، وربما كان آخر من يصنعها على امتداد الشاطئ اللبناني.

وأجرت منظمات بيئية مدنية في البلدة محاولات إحياء لصناعة الملح بتجهيز البرك بطواحين الهواء من صنع محليّ، فعاد عدد منها إلى العمل وبقي بهدف الحفاظ للتراث والذاكرة.

أما الأبنية في أنفة فيغلب عليها الطابع التراثي، ويشير بعض منها إلى ثراء شهدته البلدة، وقامت بلديتها بترميم واجهات هذه الأبنية في الشارع العام، وبعض الأحياء الداخلية، لكن الأهالي أخذوا على عاتقهم ترميم منازلهم في بقية الأحياء محافظين على طابعها التراثي، فبدت أحياؤها الداخلية مرتبة، ومتجددة مع الحفاظ على الطابع التقليدي.

رئيس بلدية أنفة المهندس جان نعمة تحدث لـ “النهار” عن بلدته، وشؤونها، وبداية عن الحفريات المستمرة على القلعة حيث يقوم عليها فريق متخصص بإشراف المديرية العامة للآثار وبإدارة خبراء من جامعة البلمند تديره الدكتورة نادين هارون، وتحدث نعمة عن احتمال وجود خندقين إضافيين ينضمان إلى الخندق البارز، وربما كانت المملكة التي قامت هنا قد استخدمت سلسلة خنادق للحماية. كما ظهر أن القلعة كانت أهم موقع لصناعة النبيذ، كمّاً ونوعاً”.

ولا يريد نعمة الدخول في تفاصيل ليست من اختصاصه، لكنه أشار إلى العثور على فخاريات قديمة، مكّنت من حلّ لغز فخاريات أخرى عثر عليها في بيروت، وبسببها أمكن تحديد تصنيع هذا الفخار في أنفة قديماً.

نعمة الذي يحب كل زقاق وحجر في بلدته، يريد أن يراها عروس المدن، ولذلك يجري التخطيط في بلديته على مستويات سياحية وبيئية، وأهمّ ما هو منوط بالبلدية، حسب نعمة، هو شبكة المجارير التي نفذ قسم منها، والباقي على الطريق، ومن شأن ذلك تعزيز النشاط السياحي على شاطئ أنفة، ونشوء سوق الأكل. وقد لوحظ نشاط سياحيّ ملحوظ بعد تنفيذ قسم من المجارير، إضافة إلى شبكة لمياه الشفة تؤمّن غزارة مياه للبيوت، وتعفيها من استخدام المضخات.

كذلك تخطط البلدية لتأهيل وترميم الحارة الشرقية في البلدة بحيث تصبح متكاملة مع بقية الأحياء الأخرى المرممة.

وتتعاون البلدية مع مؤسسات عالمية متخصصة من أجل حماية البلدة بيئياً في البرّ والبحر، ومنع الصيد، أو تنظيمه، وتخطط لإقامة متحف يؤمل أن تشارك في إنشائه مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية حيث أبدت السيدة ليلى الصلح رغبة المساهمة بإنماء البلدة.

وأشار نعمة إلى تحضير البلدية لكتيب إرشادي يمكّن السياح من عبور البلدة ومعرفة تفاصيلها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*