بكركي وبعبدا… “اختلاف في وجهات النظر” منذ قرن

هالة حمصي
النهار
16112017

لقارئي خرائط الاحوال الجوية بين #البطريركية_المارونية ور#ئيس_الجمهورية_الماروني، التناقض في المواقف امر مألوف جدا في العلاقات التاريخية بين القيادتين المارونيتين. 6 بطاركة موارنة، ونحو 21 رئيسا للبنان منذ اعلان دولة لبنان الكبير العام 1920، جميعهم موارنة، باستثناء واحد، ارثوذكسي. قرن يمرّ، وبين #بكركي و#بعبدا “علاقة عضوية وتكاملية”، ولكن ايضا “اختلاف في وجهات النظر” حول مختلف الملفات، بتعبير
المحامي الدكتور #انطوان_صفير، الاستاذ المحاضر في القانون الدولي عضو اللجنة الوطنية للاونيسكو والخبير في المجمع البطريركي الماروني.

من اول الطريق، أبرزت بكركي تمايز مواقفها عن مواقف الرئيس الماروني في مسائل كثيرة. تمايز طبيعي، بالنسبة الى مراقبين. وبالتالي لا استغراب اطلاقا ان يعلن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في الرياض موقفا يناقض الموقف الرئاسي الرسمي من استقالة الرئيس سعد الحريري، و”لا تباعد قائما حاليا بين بكركي وبعبدا”، على ما يؤكد صفير، بل مجرد “تعبير عن الرأي”.

على مر العقود، اعلنت بكركي رأيها في مختلف الشؤون اللبنانية، حتى لو خالفت به رأي الرئيس الماروني، وصولا الى المعارضة والمقاطعة والمواجهة السياسية المباشرة. ثورة على طريقتها. في المبدأ، العلاقة بين الصرحين “تكاملية، بمعنى ان البطريرك الماروني يتكلم من حيث المبدأ. اما رئيس الجمهورية، فيعمل من حيث الواقع”، على ما يوضح صفير. وثمة تفصيل عملي مهم. البطريركية تعتبر انها “قيّمة على ثوابت الكيان اللبناني… يختلف بطريرك عن آخر بالاسم، ولكن ليس في الثوابت. اي بطريرك ماروني يعتبر انه قيم عليها”. ويدافع عنها.

بكركي القيمة على لبنان

حتى قبل اعلان دولة لبنان الكبير العام 1920، كانت بكركي تعتبر نفسها المعنية الاولى بلبنان. إعلان الجمهورية اللبنانية في 23 أيار 1926، ثم الاستقلال في 22 ت2 1943 والميثاق الوطني… في كل المفاصل التاريخية للبنان، أبرز البطاركة المتعاقبون موقع بكركي في المعادلة اللبنانية، وحتى اسبقتيها، ودورها كمسؤولة عن حماية لبنان وكيانه.

هذه المسؤولية تحملتها بكركي منذ البداية. اسم كبير يستحضره التاريخ: الياس الحويك (1899-1931)، البطريرك الماروني الـ72، الذي اتفق المؤرخون على انه كان له دور قيادي في استقلال لبنان وولادة دولة لبنان الكبير العام 1920. في محطات تلك المرحلة، توجه البطريرك، في مقدم وفد لبناني، الى فرنسا للمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس العام 1919، متمسكا بمطلب الاعتراف باستقلال لبنان. وظفر به.

البطريرك الياس الحويك.

لا تعتبر بكركي انها تتدخل في سياسة لبنان، بل تجد ان مسؤوليتها عنه توجب ان تكون لها كلمة تقولها بشؤونه. كلمة مسموعة، منتظرة، لها كل الوقع، ويحسب لها حساب… كأن فيها الحكمة التي تعرف ما هو الافضل للبنان. وليس لخير احد ان يستاء البطريرك. لدى تعيين شارل دباس الأرثوذكسي رئيساً للجمهورية بعد إقرار دستورها العام 1926، ابلغ الحويك امتعاضه الى الانتداب الفرنسي. الموارنة هم الأكثر عدداً وكان لهم الفضل في استقلال لبنان، وبالتالي الرئاسة من حقهم. يومذاك رد عليه المفوّض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل بتطمينه إلى أن مارونياً سيخلف دبّاس بعد انتهاء ولايته. وهذا ما حصل. في 28 ك2 1934، اصبح الماروني حبيب باشا السعد الرئيس الثاني.

تصرّح بكركي. تصدر بيانات وطنية. تنتقد بصراحة. تبدي امتعاضها واستياءها. تحذر. تثني حيثما يجب. توجّه. تنخرط بقوة في مجريات الاحداث، وتحاول تغييرها. في صرح البطريركية، تتقاطع الحياة السياسية اللبنانية، بكل ازماتها وانفراجاتها. مع البطريرك انطون عريضة (1932-1955)، رفعت بكركي الصوت عاليا تجاه الوضع القائم. في تلك المرحلة، عبّر البطريرك عن استيائه من كيفية ادارة انتخابات ايار 1947. واعلن معارضته زيادة عدد النواب كما نوت عليه الحكومة (1949)، مجددا موقفه العام (1950) بهذا الشأن.

تمايز مواقف بكركي كان جليا منذ البداية. “وقد اتاحت ظروف تلك المرحلة دورا واسعا للبطريركية”، على قول صفير. “في بداية الجمهورية اللبنانية الاولى، كان الوجود المسيحي في لبنان والدور الماروني اكبر، لكون الموارنة العنصر المؤسس للكيان اللبناني”.

المعوشي القوي 

وواصلت بكركي انخراطها بقوة في الحياة السياسية اللبنانية مع البطريرك الخلف بولس المعوشي (1955-1975) الذي كانت له، وفقا لصفير، “خلافات في وجهات النظر مع الرؤساء الذين تناوبوا في عهده على الرئاسة”، اي كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو.

في حصيلة سريعة، عارض المعوشي “السياسة الخارجية لرئيس شمعون وإدارته الانتخابات النيابية العام 1957 وسعيه إلى تعديل الدستور وتجديد ولايته، ووقف منه على طرف نقيض خلال ثورة 1958 داعما المعارضة”، وفقا لدراسة اعدها الصحافي نقولا ناصيف.

وجاء فيها ايضا: “بعد أكثر من سنة على بدء عهد جديد العام 1959، تردّت مجدّداً علاقة البطريرك الصعب المراس والكثير الإصرار على التدخّل في الشؤون السياسية حتى أدقّ تفاصيلها، بالرئيس الجديد فؤاد شهاب، وبلغت القطيعة. عارض جهود الغالبية النيابية تجديد انتخاب الرئيس، بعدما انتقد بقسوة نتائج الانتخابات النيابية العام 1964 والتجاوزات التي رافقتها. ثم أيّد في عهد شارل حلو حلفاً سياسياً وانتخابياً جمع 3 زعماء موارنة هم كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إده. ودَعَمَ إسقاط مرشح الشهابية للرئاسة إلياس سركيس العام 1970، بينما ناوأ الوجود الفلسطيني المسلح و”اتفاق القاهرة” العام 1969″.

ووصل الخلف البطريرك أنطون خريش (1975-1968) في زمن صعب جدا، زمن الحرب اللبنانية، والذي صعّب عليه ان يتابع الدور القوي الذي مارسه اسلافه في الحياة السياسية اللبنانية. ورغم عجيج الحرب والطحن الميليشياوي، ابقى صوت بكركي مرفوعا بالدعوة الى الحوار والوحدة الوطنية ووقف العنف… حتى تنحيه العام 1985.

بطريرك في مواجهة دمشق 

نبض جديد في بكركي العام 1986. مار نصرالله بطرس صفير البطريرك الجديد. ونادت مجددا بكركي باستقلال لبنان وسيادته، في ظل وجود عسكري سوري ضاغط فيه، ووصاية سورية تتحكم في كل مفاصله. بطريرك مقاوم بصلابة على طريقته، في وقت كانت القيادات المسيحية تتخبط في فراغها وانقساماتها، مع تمايز واضح بين بكركي وتوجهات الرئاسة الاولى.

الاحداث كثيرة في عهد صفير. فمع انه “جارى الحكومة العسكرية، برئاسة قائد الجيش ميشال عون الذي خاض في 14 آذار 1989 حرب تحرير ضدّ سوريا”، الا انه اختلف معه حول اتفاق الطائف، ودعمه (1989)، مؤيدا انتخاب رينه معوّض (5 ت2 1989) رئيساً، ثم الياس الهراوي (24 تشرين الثاني)، بعد اغتيال الاول.

تأييد وما بعده معارضة، وحتى مقاطعة. دعم مقاطعة انتخابات العام 1992. وعارض تعديل الدستور لتمديد ولاية الهراوي (1995)، وايضا تمديد ولاية خلفه إميل لحود (2004). معه، اصبحت بكركي في مواجهة مباشرة مع الوصية دمشق وحلفائها السياسيين اللبنانيين، في طليعتهم رئيسا الجمهورية المارونيان يومذاك. لكنها تحوّلت زخما قويا استمدت منه “قوى 14 آذار” مواقفها. “نداء المطارنة الموارنة” في 20 أيلول 2000 شكّل خريطة الطريق.

الى جانب رفضه التمديد لرئيس الجمهورية، حرص ايضا صفير، رغم كل الظروف الضاغطة، على تأكيد مواقف بكركي من مجمل القضايا السياسية، لا سيما قانون الانتخاب، ولم تكن تلتقي مع مواقف رئاسة الجمهورية. يقول صفير: “كان البطريرك على خلاف جوهري مع الرئيسين الهراوي ولحود. يومذاك، لم تكن الازمة تتعلق بالاداء، بل بالوصاية السورية التي وضعت على لبنان في تلك المرحلة، وكانت تتدخل في الحياة السياسية اللبنانية. وقد رفض البطريرك صفير ذلك”.

شطط وتصويب 

في قراءة للعقود العشرة الماضية، يرسو المشهد على الآتي: “في الممارسة السياسية، هناك شطط احيانا لدى رئاسة الجمهورية. وكان البطاركة الموارنة، منذ لبنان الكبير حتى اليوم، يطلبون تصويب بعض المسارات في الدولة، ليس على مستوى اداء الرئاسة فحسب، انما ايضا على مستوى اداء المؤسسات الدستورية”، يشرح صفير. ببساطة، البطريرك هو “ضمير كل لبنان، وعليه ان يقول كلمة الحق في وجه اي كان. وهذا ما مارسه البطاركة الموارنة، كل على طريقته وشخصيته، ايضا وفقا للظروف”.

6 عهود بطريركية… وتناقلت بامانة هذا تمايز بكركي في مواقفها، وصولا الى البطريرك الـ77 مار بشارة بطرس الراعي. في مسألة التناقض بين موقفي البطريرك الراعي والرئيس ميشال عون من استقالة الحريري، لا يجد صفير ان “هناك تباعدا بين الزعيمين. كل شخص يعبّر عن رأيه، نظرا الى موقعه، او ما لديه من معطيات تتعلق بالواقع الراهن، او بعلاقات لبنان الاقليمية”. المؤكد بالنسبة اليه ان “البطريرك حريص على موقع الرئاسة وعلاقته بالرئيس. وهذه الامور ستتوضح في الاسابيع المقبلة”.

Hala.homsi@annahar.com.lb

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*