اخبار عاجلة

بعد خيارِ حقيبةِ السفر أو النعش… وَعيٌ في الغرب لوجود المسيحيّة الشرقيّة

قبل أن يتعرّض مسيحيّو الشرق للترهيب والإرهاب، عانوا رفض أوروبا العلمانيّة تاريخها المسيحيّ. فكيف تلوم أوروبا اليوم مضطهدي المسيحيّين في العالم في حين هي نفسها تضطهد هويّتها وتاريخها المسيحيَّين ؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المفكّر الجيوسياسيّ ألكسندر ديل فال[1]. ذلك كان حال أوروبا حيال مسيحيّي الشرق. وما يتعرّضون له من اضطهاد معنويّ وجسديّ لقي اللامبالاة حتّى العام 2010، عام الوعي الذي كان ضروريًّا من أجل الغرب كما من أجل الشرق. لمَ كان هذا الوعي العام 2010 ولمَ سبقته مرحلة لامبالاة ؟

في نهاية تشرين الثاني 2010، بعد مدة قصيرة من الهجمات ضدّ المسيحيين في بغداد، أصدرت منظّمة “مساعدة الكنيسة المتألّمة”، وهي منظّمة كاثوليكيّة مرتبطة بالكرسيّ الرسوليّ وتدافع عن الجماعات المسيحيّة في 130 بلداً، تقريرها السنويّ عن الحريّة الدينيّة أنّ معظم بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، حين لا يعاني فيها المسيحيّون اضطهادات عنيفة، يحدّ القانون بقسوة من حريّة عبادتهم فيها.

في حزيران (يونيو) 2010، وعلى إثر قمّة عقدتها منظّمة الأمن والتعاون في أوروبا ، في الأستانة (كازاخستان) عن موضوع الخوف أو الرُهاب من المسيحيّة ، أعلن رئيس وفد الكرسيّ الرسوليّ، المونسنيور توسو، أنّ “أكثر من 200 مليون مسيحيّ، في كلّ أرجاء العالم، يعانون في شكلٍ أو آخر الحقد والعنف والتهديد ومصادرة ممتلكاتهم  واستغلالات أخرى، بسبب إيمانهم. من ناحيته، وللمرّة الأولى في تاريخه، دقّ البرلمان الأوروبيّ ناقوس الخطر في 19 كانون الثاني (يناير) 2011، حين صوّت لقراٍر يدعو إلى منع اضمحلال “2000 سنة من التقليد” في الشرق الأوسط[2].

وفي رسالته السنويّة من أجل السلام التي تمّت قراءتها في كلّ الكنائس في الأوّل من كانون الثاني (يناير) 2011، دعا البابا بندكتوس السادس عشر أيضًا المسؤولين السياسيّين إلى”وضع حدّ لكلّ المضايقات ضدّ المسيحيّين” الذين يعيشون “في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط ولا سيّما في الأراضي المقدّسة”[3].

الرُهاب من المسيحيّة
Christianophobie

في كلّ أرجاء العالم، يتمثل الرُهاب الجديد من المسيحيّة بالحقد على الغرب من جرّاء الحروب الصليبيّة وإنشاء المستعمرات والإمبرياليّة الإستعماريّة وحتّى الصهيونيّة. يُضطَّهَد المسيحيّون على أنّهم “طابور خامس” للغرب، و”عملاء للخارج”، وكمعتنقين للدين نفسه الذي يعتنقه “المستعمرون” الأوروبيّون والأميركيّون الذين يكنّ لهم الإرهابيّون كرهًا أعمى يشمل المذنب والبريء.

وحتّى وإن كان الرُهاب من المسيحيّة الجديد يبدو شكلاً من أشكال “مقاومة” “الظالم” القديم، فهو يضرب أوّلاً المسيحيّين من السكّان الأصيلين في البلدان التي خضعت للاستعمار قديمًا أو التي تشعر بأنّها “أهينت” من الغرب المسيحيّ. في ما يتعلّق بجزء من العالم الإسلاميّ، غالبًا ما يتمّ تجاهل أو تناسي أصل مسيحيّي الشرق الذين كانوا مقيمين في هذه المنطقة قبل تجذّر دين (الإسلام) ممن يتّهمونهم اليوم بأنّهم “شركاء””الصليبيّين” الأميركيين. الإتّهام متبادل  : المسلمون يتّهمون الغرب بالإستعمار، والغرب المسيحيّ يتّهم الإسلام بالإرهاب.

لامبالاة الغرب بمسيحييّ الشرق وحياده العلمانيّ

في الواقع، منذ زمن طويل، لم يعد الخلاص الذي تعرضه المسيحيّة يحرّك الغرب. فالغربيّون اليوم هم أبعد ما يكون عن كونهم “صليبيّين” أو مدافعين عن الجماعات المسيحيّة من السكّان الأصيلين في العالم. الغربيّون اليوم ليسوا في وارد إقامة سلطة مسيحيّة ولا الدفاع عن وجود مسيحيّ، فهم يعيشون – منذ قرن على الأقلّ – هاجس عدم الدخول في صراع مع بعض الديكتاتوريّات الإسلاميّة المصدّرة للنفط أو مع الشيوعيين المزوّدين السلاح النوويّ (كوريا الشماليّة والصين، إلخ.)

بيّنت القوة الغربيّة منذ أكثر من قرن أنّها لم تعد تحرّك وسائلها العسكريّة الضخمة لتمنع المجازر في حقّ المسيحيّين، كما تبيّن لنا في تركيا (إبادة الأرمن والأشوريّين الكلدان في العام 1915)، وفي جنوب السودان (في الأعوام 1990-2000، إلخ.) أو في الخارج. من ناحية أخرى، استخدمت هذه القوّة الضاربة العسكريّة مرّتين منذ 1990 لتقلب أحد الأنظمة الإسلاميّة الذي يكاد تكون علمانيّاً وكان يحمي مسيحييّه (العراق، 1990 و2003)، وهو نظام كان يحارب الإسلاميين المتطرّفين. هذه الأمثلة وحدها تبيّن عبثيّة النظريّات عن الخوف من المسيحيين التي تشجب أو تندّد بمؤامرة غربّية تهدف إلى توسيع “إمبراطوريّة مسيحيّة”  بالقوّة وبالتواطؤ مع أقليّات مسيحيّة.

وفي حين أنّ المُعادين للعنصريّة يستعجلون إدانة لا بل معاقبة من يطلق كلاماً يطاول الأديان غير المسيحيّة، لا يذكر هؤلاء أبدًا الإضطهادات التي يتعرّض لها المسيحيون في الأراضي الإسلاميّة أو غيرها من البلدان، على ما يلاحظ مارك فروماجيه ، مدير منظّمة “مساعدة الكنيسة المتألمة. وإذا أخذنا مثل السودان، يتبيّن لنا ما يُعرَف بـ”الكيل بمكيالين”. في الواقع، بقدر ما تتحدّث وسائل الإعلام والمجتمع الدوليّ عن مجازر دارفور منذ الأعوام 2000، حيث الضحايا (ما يقارب 000 200 ) في النظام الإسلاميّ العسكري في الخرطوم هم مسلمون، يتبيّن  صمت الإعلام والمجتمع الدوليّ عمّا حصل في جنوب السودان حيث قضى مليونان من المسيحيين والحلوليين ضحايا إبادة ارتُكِبَت بين 1983 و 2005 وسط لامبالاة عامّة في إطار حرب تدميريّة شنّها الشمال العربيّ من أجل أسلمة مسيحيّي الجنوب وإلغائهم تمامًا.

الذريعة الأساسية لإضفاء الشرعيةّ :

المسيحيون “أعداء الإسلام”

وكذلك في المؤسّسات الدوليّة. فمجلس حقوق الإنسان في منظّمة الأمم المتّحدة، الذي نشأ في حزيران (يونيو) 2006 ندّد بـ”الإسلاموفوبيا” في الديموقراطيّات الغربيّة وبقي صامتًا حيال المجازر التي ارتكبتها الميليشيات الإسلامويّة في جنوب السودان أو في نيجيريا حيث الضحايا هم مسيحيّون. إضفاء الشرعيّة على هذه المجازر قائم على ذريعة  أساسيّة، وهي : “المسيحيون “أعداء الإسلام”. من هذا المنطلق يتمّ التنديد بهم على أنّهم يتماهون مع القوّتين الدوليتين (الغرب وإسرائيل) اللتين يُفترض أنّهما تهدّدان الإسلام والمسلمين “بتحالفهم في “المؤامرة اليهوديّة-الصليبيّة” أو “الصهيونيّة-الصليبيّة”.[4]

في الحياد الذي اعتنقه الغرب من جرّاء علمانيّة لطالما كانت معادية للإكليروس، وفي الشعور بالذنب من جرّاء صفحات التاريخ المظلمة (الحروب الصليبيّة، وموقف الكنيسة خلال الحرب
العالميّة الثانية، والإستعمار، إلخ.)، فرنسا والإتّحاد الأوروبيّ والدول الغربيّة عامّةً، بما فيها أميركا، لا يهمّها كثيرًا التحدّث عن مواضيع تُغضب البلدان التوتاليتاريّة المضطهِدة للمسيحيّين، وذلك من أجل تجنّب إفتراضيّة “صدام الحضارات”.

وهكذا، في 25 آذار (مارس) 2010، اتُّخِذَت خطوة بشأن الغياب التامّ للمعاملة بالمثل حين دان مجلس حقوق الإنسان في منظّمة الأمم المتّحدة رسميًّا “الخوف الرهابيّ من الإسلام” (الإسلاموفوبيا)، في حين أنّ مناهضة المسيحيّة ومعاداتها وكرهها، تعاليم تُدرَّس رسميًّا في البلدان الإسلاميّة، والمؤمنين بالمسيح يتعرّضون للإضطهاد أو للقتل كلّ يوم.

لماذا هؤلاء أنفسهم الذين يدافعون عن الأقليّات المسلمة أو غيرها في أوروبا يميلون قليلاً للدفاع عن الأقليّات المسيحيّة أو المسلمة المعتدلة الذين يتعرّضون للإضطهاد في أرض الإسلام أو خارجها ؟

في الواقع، التفسير بسيط. إنّه يخضع لمنطق مانوي صارم. المسيحيّون مُضطهَدون لأنّ دينهم هو نفسه دين الغربيّين. هذا ما يقوله الإرهابيّون. وهكذا، وإن كانوا من السكّان الأصيلين في بلدان استُعمِرَت قديمًا، لا يدخل المسيحيّون في فئة الضحايا المقيمين والمضطهَدين، بل يبدون على النقيض كأشخاصٍ مضطهِدين موالين للأوروبيين والأميركيين. إذاً بلامبالاة، إستمرّت المجازر بحقّ المسيحيين في كلّ أرجاء العالم ومن دون عقاب[5] والوعي لهذا الإضطهاد جاء متأخّرًا.

وعي متأخّر ؟

أيقظ الضمائر الهجوم الإنتحاريّ الذي ارتُكِب في بغداد في 31 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2010 ضدّ الكاتدرائيّة السريانيّة الكاثوليكيّة سيّدة المعونة الدائمة والذي أوقع 58 قتيلاً من بينهم كاهنان و44 مؤمناً عراقياً. وهجوم الإسكندريّة أيضًا المنسوب إلى “القاعدة” والذي أودى بـ22 مصرياً عند خروجهم من كنيسة قبطيّة في 1 كانون الثاني (يناير) 2011، صدم بشدّة مجمل العالم الغربيّ. منذ تشرين الأوّل (أكتوبر) 2010، يبدو أنّ الترويج الإعلامي لمنفى المسيحيين العراقيين المرغمين على الإختيار بين حقيبة السفر أو النعش، فتح عيون الغربيين الذين وعوا وجود هذه المسيحيّة الشرقيّة التي كانوا يجهلونها وبالأخصّ أنّهم كانوا يعتقدون حتّى فترة قصيرة أنّ العرب لا يمكنهم أن يكونوا إلا مسلمين (حتى ليست لديهم فكرة عن وجود عرب مسيحيين). وفي حين جاء الوعي متأخّرًا، تعزّز بالتالي رفض النقد الذاتيّ من سلطات البلدان التي تشهد اضطهاد المسيحيين.

رفضٌ للنقد الذاتيّ

يا للأسف، سلطات البلدان التي يحصل فيها إضطهاد المسيحيين ما أرادت أبدًا الولوج إلى جذور المشكلة ألا وهي الايديولوجيّة السياسيّة-الدينيّة التي تزرع التعصّب في نفوس القتلة الجهاديين وتعلّم كره المسيحيّين في الكتب المدرسيّة والتعليم الدينيّ والخطابات السياسيّة. المؤكّد أنّ الهجمات الإرهابيّة ضدّ المسيحيّين والمنسوبة إلى “القاعدة” تدينها السلطات المحليّة القائمة في مصر والعراق أو في بلدان أخرى. إلا أنّ هذا لا يبيّن أبدًا أنّ الحكومات تحاول بصدق القضاء على الشرّ. فلو لم تكن “القاعدة” موجودة، لكان الإرهابيّون اخترعوها ليبرّروا استبدادهم ويستمرّوا في نسب الجرائم الظلاميّة إلى “الغريب” أو حتّى إلى “مؤامرة صهيونيّة”. ففي البلدان الإسلاميّة، من الشائع نسب الهجومات الإرهابيّة الأكثر جرمًا (11 أيلول/ سبتمبر 2001، إلخ.) إلى “مؤامرات” من الموساد أو الـ سي آي إي ، وإلى “تلاعب” يرمي إلى “تشويه الإسلام”، إلخ. فإلى متى هذا الإنكار وهذا الرفض للنقد الذاتيّ ولواقع أنّ الإرهاب اليوم يطاول المسلمين المعتدلين كما يطاول المسيحيّين ؟

———————————————————-

[1] Alexandre del Valle, Pourquoi on tue des chrétiens dans le monde aujourd’hui ? : la nouvelle christianophobie, Paris, Maxima, 2011, p. 10.

[2]  من أجل التأكيد على الحدث، رئيس البرلمان الأوروبي جرزي بوزيك ، أضاء شمعة في ذكرى المسيحيين الذين قضوا ضحايا هجمات حصلت في العراق ومصر بين عيد جميع القدّيسين 2010 والسنة الجديدة 2011، والتزموا الحضور دقيقة صمت. وافتتحت الممثّلة العليا للإتّحاد الأوروبي للشؤون الخارجيّة، كاترين أشتون  النقاش وأكّدت أنّ الإتّحاد “لن يغمض عينيه” وأدانت الإبتزازات في العراق ومصر…ثمّ صوّت النوّاب لقرار “وضع المسيحيين في سياق حريّة الدين”…

[3] Alexandre del Valle, op. cit., p. 11-12.

[4]  Pierre-André Taguieff, « La renaissance des illusions mortelles », Sur-le-Ring, février 2010.

[5]  بالنسبة إلى رينيه غيتون ، الغرب، وقد تجرّد من المسيحيّة أكثر فأكثر، “يشقى في تخيّل أنّ المسيحيين يمكن أن يُضطهَدوا لأنّهم مسيحيون. فأن يكون المرء مسيحيًّا، هذا يعني أن يكون إلى جانب السلطة”. غيتون يجرّم “جهل (عدم معرفة)  الآراء العامّة الغربيّة بوضع المسيحيين في العالم”، في المغرب، وفي أفريقيا الصحراويّة أو في الشرق. بالنسبة إليه، لا شكّ أبدًا أنّ حماية الاقليّات المسيحيّة التي تعيش في خطر “يأخذها على عاتقه الدفاع عن حقوق الإنسان”.

René GuittonCes Chrétiens qu’on assassine, Paris, Flammarion, 2009هؤلاء المسيحيون الذين يُقتَلون

 


بيتسا ستيفانو

باحثة في الأديان

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*