بشارة الخوري ستون عاماً أما موسيقاه فتخطّت حدود الزمن الفيلهارمونية بقيادة دافيد مولار ارتقت بمؤلّفاته على ضوء ستين شمعة

(مروان عساف)

10 نيسان 2017

مهما نالت مؤلّفاته شهرة، وتناوبت الأوركسترات العالمية على عزفها، يظلّ بشارة الخوري ذلك الإنسان الظريف، المتواضع، الإنساني، الحامل في ذاته الوسيعة رسالة التأمل في الحياة والترقي بها بلغة الموسيقى السامية. هكذا كان مساء الجمعة في كنيسة القديس يوسف، والأوركسترا الفيلهارمونية تحيي ميلاده الستين على شموع مؤلّفاته الكونسرتية والسمفونية، فيما صاحب العيد، يتفاعل بحواسه المسنونة مع كل عبارة، يتلقاها بسمعه ويعيد دوزنتها في موقد مشاعره.

من مكانه بدا منصهراً بالأوركسترا، فرداً من كل آلة، وتريّة أكانت أم نفخيّة، نحاسية أم خشبيّة. أما في كتابته كل آية، فيغدو هو، الوتر والهوبوا والترومبيت والإيقاع. أما في التمزّق والتوحّد، فثبّت بشارة الخوري مكانه في هذا الغرب الذي اختار نضاله الصعب فيه، خالقاً هويّته الموسيقية المتميّزة برنانة ألحانها النادرة ونبرات مفاصلها.
في كنيسة القديس يوسف، تاه المحتفى به عن ستّينه، ليشارك بأحاسيسه القلقة في موسيقاه، ويتذوّقها نبرة وفاصلة من يدي صديقه المايسترو دافيد مولار، الذي من كونشرتو إلى سمفونية، كان الملمّ بموسيقى صديقه يبعثها حيّة، بمقاديرها وتوابلها، إلى الأوركسترا.
أربعة أصدقاء من مقدّري مواهب بشارة الخوري التأليفية ومحبي موسيقاه، أتوا خصيصاً للمشاركة في العيد، فكانوا بمصاحبة الأوركسترا الفيلهارمونية، الملح الذي طيّب الوليمة. فما عدا دافيد مولار قائداً، كان غابريال يارد على البيانو وباتريك ميسّينا على الكلارينيت وفاني روبيار على الكمان، ولكل منهم بوح من القلب للمحتفى به.
بين ظل وضوء، مقطوعة من ست دقائق، سبق لنا أن سمعناها في مهرجانات بعلبك لعام 2015. ويختلف السمع إليها بحضور كاتبها، ففيما الموسيقى ترسم حكايات الآلهة الذين نقشوا أساطيرهم في اعمدة بعلبك، كان خيال بشارة الخوري يعبر بين هياكلها، سائحاً عتيقاً، سكر مع ألهتها، وظل طعم الأسطورة لحناً إنطباعياً. ست دقائق لا أكثر حتى تتم الرؤيا.
من هو باتريك ميسّينا، نافخ الكلارينيت الذي استعار من أنفاس بشارة الخوري مشاعره وعواطفه وأدخلها في مفاتيح آلته؟ كونشرتو “الخريف” لكلارينيت وأوركسترا، فبلجوئي إلى الكتاب الذي خصّت به زينة كيالي بشارة الخوري، في سلسلة “وجوه موسيقية من لبنان”، علمت أن باتريك ميسينا هو من أعد هذا الكونشرتو الخريفي، وعزفه في العام 2010 مع أوركسترا باريس للحجرة. موسيقى خيالية قال بشارة الخوري عن “الخريف” لا وصفية كما يوحيه العنوان.
بصوت خافت نتلقى الكلارينيت كصحوة الفجر، ساكناً، أفقياً إلى أن ينهض به الهوبوا كطلعة الصباح. الكلارينيت تمزّق أنفاس العازف، يعطيها من شاعريته، مرتعشة، كورق الخريف. هل سمعنا فعلاً تغريد طيور بين الشجر؟ الكمانات تعبر رقيقة، حزينة بين الآلات الهوائية. في الحركة الثانية تغدو الكلارينيت ذاكرة المؤلّف، في حقيبتها صوت الكون. منفردة، وحدانية، كمسافر زاده الخيال. في عودتها إلى الحركة الثالثة تعلو ديناميكية المشهد في مشاركة الإيقاع والوتريات والهوائيات، فيما الكلارينيت في الوسط، كراوٍ هي، تحكي للمتجمهرين حولها ذكريات مسافر.
قبل أن يجلس غبريال يارد إلى ملامسه، تذكّر قربانته الأولى في كنيسة القديس يوسف. هنا تعلّم على برتران روبيار العزف على الأورغ ونظريات الموسيقى “كنت أجلس بجانبه وأقلب له الصفحات”.
أربعة مقاطع موسيقية من فيلم “المريض الإنكليزي” لمخرجه انطوني منغيلاّ، عزفها غبريال يارد بمرافقة الأوركسترا، إهداء وفاء ومحبة لصديقه بشارة الخوري. هذه الموسيقى التصويرية الرائعة التي استحق عليها يارد جائزة الأوسكار، عادت تحيي في الذاكرة مشاهد لا تنسى.
فاني روبيار، حفيدة برتران روبيار، بدت كالرؤيا، في دخولها مع كمانها. رقيقة، عذبة، وقفت بآلتها “على حدود اللاشيء” قصيدة كتبها بشارة الخوري في قالب كونشرتو لكمان وأوركسترا. كأنه في خياله كان في انتظار هذه العازفة النادرة لتعطي ما في الكمان من أسرار قلما باح بها قلبه.
وأعود إلى كتاب زينه كيالي لاطلاع أوسع على هذا العمل الذي في فورة رومنطيقية وثورة درامية، أوكل بشارة بالكمان إلى هذه الساحرة، الرائعة في حوارها مع آلتها وتعمقها في أسرارها. تقول زينة كيالي: “الكونشرتو الأول لكمان وأوركسترا، طلبتها وزارة الثقافة في لبنان من بشارة الخوري، كما القمة التاسعة للفرنكوفونية، وعزفتها الأوركسترا الوطنية الفرنسية بقيادة كورت مازور العام 2006 “.
“الأنهار الغارقة” سمفونية من خمسة مشاهد، لها ما تقوله. فكم ماهر بشارة في بثّها أوركسترالياً معاني إنسانية. النوطة تخلق المشهد والمشهد يتآلف في قصائد متتالية، تسير بها الأوركسترا تحت راية المايسترو، كجموع تنشد السلام والأخوّة. هذا هو بشارة الخوري الجاعل من موسيقاه درباً للبشارة.
في الختام قلّد وزير الثقافة غطّاس خوري درع وزارة الثقافة للمحتفى به، وقال كلمة هنّأ فيها بشارة الخوري الذي رفع بمؤلّفاته الناجحة إسم لبنان في الخارج، على غرار العديد من اللبنانيين الذين سطعت أعمالهم الباهرة في عالم الاغتراب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*