بشأن «التفاوض مع النظام السوري»: عودة إلى التباسات خطاب القسم

 

وسام سعادة
Jul 10, 2017
القدس العربي

المرة الوحيدة التي شذّت فيها السيدة أسماء الأخرس عن مواقف زوجها بشّار الأسد كانت عندما أنكر الأخير، في مقابلة له على التلفزيون السويسري، صحة صورة الطفل المنتشل من تحت الأنقاض عمران دقنيش وأعتبرها ملفّقة من قبل «الخوذ البيضاء وهم قناع للنصرة في حلب»، في حين أعربت الأخرس عن حزنها على كل طفل سوري «سواء إيلان أو عمران أو العديد العديد من الاطفال الآخرين»، عن رفضها أن «يقسم أطفالنا في هذا الصراع طبقاً للمعتقدات السياسية لآبائهم». جارت هذه السيّدة زوجها في كل شيء حتى الآن، ولم يرفّ لها جفن حين دمّر مدينة حمص، المدينة التي تتحدّر عائلتها منها، على رؤوس الثائرين من أهلها. وحده، إمّا سوء التنسيق الإعلامي بين الزوجين، أو توزيع الدور بينهما، كي تبقى مشرفة على «الملف الإنساني ـ الإغاثي»، أو مزيج من هذا وذاك، جعلها تأسف على مشهد محزن لطفل اعتبره زوجها ملفّقاً من لدن أعداء الوطن.

والأسد الزوج ينكر طبعاً أن يكون نوع النظام الذي هو على رأسه قد تسبّب بخروج الناس عليه ثم بإنفجار المجتمع السوري بأثر من قراره هو الإفراط في الخيار القمعي الدموي. وكل شيء بالنتيجة عرضة لتباين السرديات ومحوها أو تشذيبها لبعضها البعض. يمكنك أن تقول أنّ ما حدث في سوريا كان انتفاضة سلمية في البدء ثم آلت الأمور إلى حرب أهلية نتيجة لشراسة النظام ووحشيته، أو أن تقول أنّ العنف المضاد للنظام أخذ يتطوّر بالتوازي مع الإنتفاضة السلمية منذ أيّامها الأولى، أو أن تذهب إلى أنّ العناصر التفجيرية لهذا الصراع كانت مدارة عن بعد، أو أنّ القوى الدولية والإقليمية سارعت في استثمار الأزمة وزادت الأحوال بؤساً وانسدادا. يمكنك أن تنفي عن نظامك صفة المتسبب بالكارثة، وأن تنكر استخدامك للسلاح الكيماوي ثم تسلّم الجزء الأكبر منه، ثم تسعد باطراء أمريكي مستجد فستخدمه مجدداً وتنكره مجدداً.

يمكنك أن تقول أي شيء في نهاية الأمر، والعتب على من يصدّقك أو يكذّبك. والديكتاتور السوريّ طفق منذ ست سنوات ينكر كل شيء بطبيعة الحال، فلم تنحصر المسألة عنده بعدم تصديق صورتي الطفلي ايلان وعمران. الشيء الوحيد الذي ليس بمستطاعه إنكاره هو الطوفان البشري السوري على بلدان العالم. الكارثة الانسانية الأكبر منذ الإبادة الراوندية، والتهجير الأكبر لمجموعة سكانية من أرضها منذ التهجير المتبادل للمسلمين والهندوس وقت تقسيم شبه القارة الهندية، هذا من ناحية العدد. أما النسبة فلا وجه للمقارنة: المأساة السورية تبقى استثنائية. لم يسبق لحرب أهلية أن تسببت بإخراج أكثر من ثلث السكان من بلادهم في بضع سنوات. ولو سلّمنا أنّها مسؤولية الجماعات «التكفيرية» الدموية لن يعود هذا «التسرّب الجماعيّ» مفهوماً، إلا كموقف «لامبالاة» من جانب ملايين السوريين تجاه وطنهم، وتخلّفهم عن نصرة النظام الديمقراطي الشعبي البعثي أمام الهجمة الرجعية الإرهابية. وحده الكاتب الأردني ناهض حتّر، أخذ هذه الورطة المنطقية على عاتقه، من بين مشايعي النظام الأسدي. وكتب مقالته في 9 أيلول 2015 التي شمت فيها بملايين اللاجئين، وقال انه اذا استثنى الهاربين فعلاً من «الاضطهاد الإرهابي لأبناء المكونات السورية غير الوهابية» (يقصد غير السنيّة)، فـ»إنه يمكننا القول ان معظم اللاجئين السوريين خارج وطنهم هم من الفئات غير القادرة على التعايش مع التعددية والنمط الحضاري الخاص بسوريا. وهكذا، فإن خساراتهم لا تعد نزفاً ديموغرافيا، فيما ينبغي ايقاف نزف الكتلة الوطنية المدنية». ومع أنّ الصحيفة التي كتب فيها حتّر هذا الكلام لم تتمكّن من استيعاب مواقفه العدوانية من اللاجئين السوريين، ناهيك عن مواقفه العدوانية من اللاجئين الفلسطينيين، فإنّ نطق هنا بالنيابة عن كثيرين في «محور الممانعة»، وحاول على طريقته تعبئة الفراغ في الخطاب الرسمي السوري، الذي يمكنه أن يقول عن كل شيء أنّه ملفّق ومفبرك وغير موجود، إلا هذا الحجم الاستثنائي من التهجير. خمسة ملايين لاجىء خارج سوريا مسجل وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة لعام سلف، ما يعني ثمانية ملايين لاجىء خارج سوريا على أقل تقدير، وستة ملايين نازح داخل سوريا. يمكن، بالقول، أن ينكر بشّار الأسد كل شيء، وأي شيء، إلا ما هو الأكثر كارثية: تحويله الشعب السوري، إلى مجتمع من اللاجئين، في الداخل والشتات.

مع هذا، يتذاكى أنصاره وأصدقاؤه في لبنان. يقولون أنّه ليس محبّة به كنظام، وإنما لضرورات لبنانية صرفة، على البلد أن يتفاوض مع النظام الأسدي، من حيث هو النظام الذي يمثّل الدولة السورية حتى إشعار آخر، بل يتذاكى الرئيس السابق أمين الجميّل أيضاً بأنّه «لا مفرّ من التفاوض» مع النظام، لأجل إعادة اللاجئين إلى بلدهم. بالنسبة إلى حالة التذاكي هذه لا علاقة بين المتسبب بهذه الكارثة الكبرى وبين من يمكنه أن يساهم في إعادة اللاجئين إلى بلدهم. بل أكثر، بما أنّه هجرهم فالأولى، بموجب هذا المنطق، أن يعيدهم بمعرفته. لكن، ما الذي يعنيه هذا عملياً؟ الذهاب إلى النظام السوري لإقناعه بـ»العفو» عن مواطنيه؟ لكن النظام لم يوصد رسمياً لهم بابه. اذاً؟ اذا كان هناك ما هو «تطبيقي» في كل هذا الكلام فهذا يتمثل بالسماح للجيش السوري بأن يعبر الحدود، إلى عرسال والبقاع، لـ»المساهمة» في إعادة اللاجئين ومكافحة الجماعات المتطرفة. ان لم يكن هذا هو المقصود فما هو المقصود إذاً، لا سيّما وأنّ لبنان الرسميّ لم يطرح في أروقة رئاساته وحكومته وبرلمانه وطاولة حواره حتى الآن شيئا يتعلّق باطلاق مبادرة لبنانية، ولو بحلول دنيا، للإسهام في الحل السياسي بسوريا ـ سواء دعوة من وزير الاعلام ملحم رياشي لكي تستقبل بيروت حوار السوريين مع السوريين.

بسرعة مذهلة يتطور هذا التذاكي الداعي لـ»التفاوض مع النظام لإعادة اللاجئين» و»مكافحة الارهاب» إلى مكابرة على واقعة الإنقسام اللبناني حول النظام السوري، قبل الثورة، وبشكل أكثر جذرية مع الثورة. اللبنانيون منقسمون حيال المسألة السورية، لكنهم منقسمون أكثر حول تدخل «حزب الله» في سوريا، وما يحدث مع هذا التذاكي، وكذلك مع بعض الردود المحدودة عليه، انه تجري اغفال مسؤولية «حزب الله»، تحديداً في المناطق المحاذية للحدود مع لبنان، في حركة التهجير بإتجاه لبنان. في نفس الوقت، الطرف الذي قاد المطالبة بعلاقة ديبلوماسية مع سوريا هو الطرف المناوىء لنظامها في لبنان وليس الطرف الموالي لها، ويستطيع هذا الطرف بالتي هي أحسن التعايش مع بقاء العلاقات الديبلوماسية حتى بعد الثورة والقصف الكيماوي والكارثة الديموغرافية والعزل العربي للنظام الأسدي. الطرف المتذاكي يسوّق لـ»التفاوض مع النظام لإعادة اللاجئين» كما لو أنها اعادة علاقات ديبلوماسية.

بيد أنّ إعادة التفاوض مع النظام تمثل واحدة من طيات خطاب قسم الرئيس ميشال عون. حيث قال: «وسنتعامل مع الإرهاب استباقيًا وردعيًا وتصديًا، حتّى القضاء عليه، كما علينا معالجة مسألة النزوح السوري عبر تأمين العودة السريعة، ساعين أن لا تتحول مخيمات وتجمعات النزوح إلى محميات أمنية. كل ذلك بالتعاون مع الدول والسلطات المعنية، وبالتنسيق المسؤول مع منظّمة الأمم المتحدة التي ساهم لبنان في تأسيسها، ويلتزم مواثيقها في مقدمة دستوره، مؤكدين أنه لا يمكن أن يقوم حل في سوريا لا يضمن ولا يبدأ بعودة النازحين».

لكن حتى في هذه التخريجة التي مرر فيها عون غمزة تفيد الدعوة للتفاوض مع النظام، فانه لم يسمه الا بالجملة «مع الدول والسلطات المعنية»، مشترطاً «التنسيق المسؤول مع منظمة الأمم المتحدة»، ومذكراً بالتزام لبنان مواثيقها في مقدمة دستوره، وهذا يفترض ان يعني في المقام الأول الاعلان العالمي لحقوق الانسان، التي تتعهد الدولة «بتجسيده» في الفقرة باء من هذه المقدمة، والذي لا يشبه دعوات الاستخفاف بـ»حقوق الانسان» في الأيام الأخيرة، على خلفية الانتهاكات الخطيرة لها عند اقتحام احد مخيمات اللجوء.

وأكثر، الجملة الأخيرة في هذا المقطع «لا يمكن أن يقوم حل في سوريا لا يضمن ولا يبدأ بعودة النازحين» تفترض واحد من أمرين: اما ان يتوجه لبنان لكافة أطراف النزاع السوري، لاستطلاع ما عندهم ليطرحوه في موضوع اللاجئين وعودتهم لسوريا، واما أن يسعى لبنان لربط نفسه بالتسوية السياسية السورية بشكل من الأشكال. في الحالتين، هذا يناقض معزوفة التفاوض مع النظام الأسدي كما لو كان هذا النظام يمثّل دولة «بجد».

حتى هذا المقطع اذاً، الذي يمرّر الكرة للنظام السوري، في خطاب القسم، يحتوي على مواد كفيلة لوحدها بتعطيل التذاكي الحالي المطالب «بالتفاوض مع النظام» كما لو كان هذا النظام هو الدولة السورية «العادية». علام التذاكي اذاً؟

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*