برلمان 2018 : هيمنة وانتصار وتوازنات… و7 أيار!

 

النهار
08052018

الرئيس سعد الحريري متحدثا في مؤتمر صحافي عقده أمس في “بيت الوسط” وتناول فيه نتائج الانتخابات النيابية. (دالاتي ونهرا)

قد يكون أغرب ما واكب ترقب اللبنانيين أمس النتائج الرسمية للانتخابات النيابية التي أجريت الاحد الماضي ان تطارد الشبهة بعض عمليات الفرز حتى اللحظة الاخيرة بما يثير مزيداً من الشكوك في نزاهتها على غرار ما طاول الزميلة جمانة سلوم التي اثيرت شبهة تزوير في “اسقاطها ” فجر أمس. كما ان الاسوأ في التوقيت نفسه ان تستحضر الى احياء بيروتية امس تحديدا الذكرى المشؤومة لفتنة 7 أيار 2007 كاستفزاز مرافق لـ”الاحتفاء” بنتائج انتخابية !

ومع ذلك، بدا واضحاً ان المحطات المفصلية الكبيرة التي أظهرتها نتائج الانتخابات اكتسبت دلالات مهمة لجهة رسم ملامح المشهد الداخلي وانعكاساته الخارجية المحتملة على لبنان. فمع ان أي معطيات دراماتيكية بالمعنى “الانقلابي” الشمولي على الحقبة السابقة وتوزع القوى الداخلية ومواقعها من التسوية التي بدأت مع انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لم تحملها الانتخابات، فان ذلك لم يحجب وقائع بالغة الاهمية ستترك بصماتها في قابل المراحل على مختلف ايقاعات الاستحقاقات الدستورية والسياسية تباعاً بدءاً باقلاع برلمان 2018 والشروع في الاستعدادات لتشكيل حكومة جديدة.

ذلك ان نظرة الخارج الى نتائج الانتخابات والمشهد الذي ستتركه تركزت على اعتبارها ترسيخاً لنفوذ “حزب الله” وحلفائه وتوسيع هذا النفوذ من خلال المكسب الاضافي الذي تحقق للحزب بفضل حصة سنية نيابية مناهضة لـ”تيار المستقبل” ومحسوب معظمها على الحزب وحلفائه الاقليميين كالنظام السوري وايران. وذهبت وكالة “رويترز” التي ترجمت هذا الاتجاه الى ان النتائج غير الرسمية للانتخابات تشير الى فوز جماعة “حزب الله” الشيعية وحلفائها السياسيين بأكثر من نصف المقاعد مما يعطي دفعاً للجماعة التي تدعمها إيران والمناهضة بشدة لإسرائيل، كما يؤكد النفوذ الإقليمي المتزايد لطهران. والنتيجة تنطوي على مخاطر تعقيد السياسة الغربية تجاه لبنان المتلقي الكبير للدعم العسكري الأميركي والمعتمد على مليارات الدولارات من المساعدات والقروض لإنعاش اقتصاده الهش. وقال وزير إسرائيلي إن المكاسب تظهر أنه لا فرق بين الدولة اللبنانية و”حزب الله” مما يشير إلى خطر استهداف الحكومة في أي حرب مستقبلاً.

لكن هذا “الحكم ” الذي لا يفاجئ المعنيين بقراءة المشهد الناشئ عن الانتخابات لا يبدو دقيقاً أو على الاقل مستوفياً الموضوعية الجادة، خصوصاً ان ترجيح كفة حلفاء ايران في الانتخابات يبدو متجاهلا تجاهلاً تاماً عناصر أخرى لمح اليها رئيس الوزراء سعد الحريري في رده أمس على الاستنتاج الاسرائيلي وهي عناصر تتصل بالتوازن التي من شأن الحصص النيابية التي حصل عليها “المستقبل” وقوى أخرى ان تحققه.

والواقع ان عوامل التوازن المؤثرة برزت أولاً من خلال تكريس “انتصار” انتخابي لحزب “القوات اللبنانية ” كبرت معه كتلته النيابية الى 15 نائباً وهو أمر شكل في ذاته الحدث الابرز في هذا الاستحقاق نظراً الى دلالاته المهمة. فهذه الحصة النيابية عكست تنامي نفوذ “القوات” واتساعها في البيئة المسيحية خصوصاً، فيما كان الانطباع السائد قبل الانتخابات ان تنامي النفوذ والشعبية كان من نصيب “التيار الوطني الحر” تحديداً لكونه تيار العهد وخاض المعارك الانتخابية باسم “لوائح العهد” الامر الذي أثار تساؤلات عميقة عن المسار المقبل الذي يجد فيه الافرقاء السياسيون “القوات اللبنانية ” أقوى الشركاء المضاربين للفريق المسيحي الاول المتحالف مع “حزب الله”.

احجام الكتل  

ويأتي المكسب الانتخابي لـ”القوات” ليضعها في المرتبة المتقدمة بين الكتل الاساسية في برلمان 2018. ذلك ان كتلة “التيار الوطني الحر” عادت بـ18 نائباً ملتزما التيار، فيما أفاد رئيس “التيار ” الوزير جبران باسيل ان تكتل “لبنان القوي” سيعد نحو 29 نائباً مع اضافة حلفاء “التيار” اليه. لكن الواضح ان هذا المكسب العددي لا يخفي اصابة “التيار” بصدمة ناجمة عن تقلص النتائج عما كان يطمح اليه رئيسه باسيل، وتراجعه في مناطق مهمة كانت تعتبر من معاقله.

أما كتلة “تيار المستقبل” التي اعلن الرئيس الحريري امس انها تضم 21 نائباً فتبقى الاكبر بما انها منفردة ولا تضم حلفاء. واما الثنائي الشيعي فهو موزع بين كتلة “امل” التي تبلغ 17 نائبا وكتلة “حزب الله ” التي تبلغ 14 نائبا وثمة حسابات جديدة تتصل بنواب سنة حلفاء للحزب انتخبوا في بيروت وطرابلس والبقاع الغربي سيكونون في موقع سياسي واحد مع الثنائي الشيعي. وتضم كتلة “اللقاء الديموقراطي” الجنبلاطية تسعة نواب، فيما تبلغ كتلة الرئيس نجيب ميقاتي “العزم” أربعة نواب، وكتلة حزب الكتائب ثلاثة نواب، و”المردة” ثلاثة نواب أيضاً. وبلغ مجموع النواب الجدد في مجلس النواب المنتخب 63 نائباً من 128.

واذا كانت الدعاية الانتخابية والاعلامية الحليفة لـ”حزب الله ” وحلفائه تعمدت التركيز على تراجع “كتلة المستقبل” من نحو 33 نائبا الى 21، فان الرئيس الحريري وصف الانتخابات بأنها “محطة انتهت، وقد اقترع اللبنانيون لمشروع الاستقرار والأمان والنهوض الاقتصادي”، معتبراً ان “مشروع الامل بالمستقبل انتصر”. وأضاف: “نحن نمد الأيدي لكل الحريصين على الاستقرار والشروع بتحقيق الإصلاحات المطلوبة لتقدم البلد وحماية الانجاز الكبير الذي تحقق في مؤتمر سيدر وباقي مؤتمرات دعم لبنان”.

ولفت الى ان “معركتنا كانت على جبهات عدة، ونحن انتصرنا على كل هذه الجبهات بارادة جمهور عريض يمكنه ان يرفع رأسه بالانجاز الأساسي والشعبي الكبير الذي حققه وان النتائج تعطي التمثيل الاول في عكار وطرابلس وبيروت والإقليم وصيدا والبقاع الغربي والشمالي والاوسط لتيار المستقبل و كتلة كبيرة من 21 نائباً”.

اعتداءات في 7 ايار !

في أي حال، تمثل التطور السلبي النافر الذي واكب الانتهاء من انتخابات بيروت تحديداً في حادث الاعتداء على نصب للرئيس رفيق الحريري فجر أمس، وتلاه اعتداء مماثل مساء لدى قيام مجموعات من “حزب الله ” و”أمل” بعراضات على الدراجات أدت الى اشكالات واشتباكات مع انصار “المستقبل” في بعض أحياء بيروت. وسارع رئيس مجلس النواب نبيه بري الى استنكار “الممارسات المسيئة التي قامت بها بعض المواكب السيارة التي جابت شوارع العاصمة بيروت وطاولت رموزا ومقار ومقامات نحترم ونجل”.

وقال : “ان كرامة العاصمة بيروت وكرامة أبنائها وعائلاتها الكريمة وقياداتها هي من كرامتنا، وأي مساس بها مساس بكرامتنا وكرامة كل اللبنانيين”.

وأضاف: “اننا اذ ندين بأشد عبارات الادانة كل المظاهر المقيتة التي حدثت في بعض شوارع العاصمة بيروت والتي أساء فيها بعض الموتورين لحركة أمل وحزب الله ولانجازاتهما، ان هذه التصرفات اللامسؤولة لا تعبر عن سلوكيات وأدبيات وأخلاق ومناقبية أبناء الامام الصدر وحزب الله وهي ممارسات مدانة بكل المقاييس الأدبية والأخلاقية والدينية، نضعها ومرتكبيها والقائمين عليها برسم الأجهزة الأمنية والقضائية التي اجرينا معها الاتصالات اللازمة، لاتخاذ التدابير القانونية بحقهم، لردعهم واحالتهم على القضاء المختص”.

وصدرعن “تيار المستقبل”، بيان جاء فيه ان ” فلولاً من الخارجين على القانون قامت طوال اليومين الماضيين، بنشر حالة من الفلتان والفوضى في أحياء بيروت، والقيام بعمليات تخريب والاعتداء على النصب التذكاري للرئيس الشهيد رفيق الحريري في مكان استشهاده، واقتحام منطقة عائشة بكار بمئات الدراجات النارية، واطلاق هتافات مذهبية واستفزازية، تعيد العاصمة إلى مناخات التحريض والعبث بالسلم الألهلي، وتنكأ جروح اليوم المشؤوم للسابع من ايار 2008″.

وحمل “المسؤولية الكاملة للقيادات السياسية والحزبية المعنية بضبط فلتان عناصرها، وردعهم عن مواصلة المسيرات المذهبية وما يترتب عليها من ردات فعل”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*