برج حمود عاد إلى الواجهة… اللبنانيون يدفعون ثمن موتهم

“ماذا يحصل في مكب برج حمود في الخفاء؟” عنوان شريط فيديو انتشر في صفحة “صحة ولادنا خط أحمر” بعد مرور عامين ونيف على أزمة النفايات، مظهراً شاحنة محملة بالنفايات مجهولة المصدر تدخل مرفأ الصيادين وتتبعها شاحنات أخرى، ليبرز جبل النفايات القديم جلياً. هذه الجريمة البيئية والصحية التي يرتكبها المخالفون قيل في عام 2015 إنَّ مجلس الوزراء اتخذ قراراً مخصصاً لمعالجة أزمة النفايات يتضمن عناصر الخطة، بما فيها تأهيل مكب برج حمود، على أن يتمَّ خلال الأشهر الستة الأولى من المرحلة الانتقالية العمل بإنشاء حاجز بحري لحماية المنطقة المجاورة للعمل، ثم فرز جبل النفايات واستحداث خلية صحية لاستيعاب المواد المفروزة من الجبل والمراد طمرها في الخلية الصحية، إلى جانب ردم المساحة المائية المستحدثة بالمواد المناسبة المستخرجة من الجبل. لتبدأ الخلية الصحية بعد هذه الأشهر باستيعاب قسم من النفايات المنتجة من منطقة برج حمود وجوارها كمساهمة في الحل. عامان مرَّا على القرار ولم يتغيِّر الواقع على الأرض.

قرار بالتعتيم؟

لأشهر طالب سكان منطقة برج حمود بإقفال المطمر، نظراً للخطر الداهم والأضرار الصحية والبيئية الناجمة عنه وذلك استناداً للمادتين 589/أ.م.م، و30 من قانون حماية البيئة. مرَّت السنون وأرجئت دعوى إقفال المطمر، فيما الأزمة عالقة والحلول شبه غائبة وصحة اللبنانيين في خطر. فيما سبق لمجلس الإنماء والاعمار أن ردّ على الاتهامات عبر الاستشاري المشرف على مشروع إنشاء مركز موقت للطمر الصحي في برج حمود، الجديدة البوشرية – السد، رفيق الخوري وشركاه في حديث سابق لـ “النهار”، لافتاً إلى أنَّ “المتعهد يقوم بالأعمال في موقع برج حمود وفقاً للمعايير المنصوص عليها في العقد بحيث يتم تنفيذ طبقات عدة عازلة بحسب دفتر الشروط والمبينة في المقطع المرفق بالرسالة. وان النفايات الموجودة في جبل برج حمود يعود تاريخها إلى 25 سنة على الأقل وقد أصبحت “inerte” وأن المتعهد يقوم بإنشاء أكثر من سنسول حماية قبل البدء بأية عملية ردم من ناتج جبل النفايات”. لكنَّ ما تظهره الصور يدحض كل الأقاويل.

لذلك، لجأ حينها سكان المنطقة والناشطون الحزبيون إلى القضاء وتقدموا بشكاوى ضد شركتي “جهاد العرب للتجارة والمقاولات”، و”خوري للمقاولات”، للتحقيق بأعمال هاتين الشركتين في المكب، والكشف عن جبل النفايات، والتأكد من إمكانية احتوائه على مواد سامة ومشعة. الجديد يكمن في أنَّ القضاء لم يصل لحكم نهائي بعد بل اكتفى بمنع رافعي الدعاوى من التصريح عبر الإعلام حول هذا الملف، ما يطرح السؤال: هل هناك قرار للتعتيم على هذا الملف؟ وهل المسألة سياسية وأهم من صحة اللبنانيين وحياتهم؟ أم إنَّ البيروقراطية في القضاء تقتضي الحكمة وعدم تبادل الاتهامات عبر وسائل الاعلام لئلا تضيع القضية وتتشعب؟

غياب المحاسبة والمراقبة

تحرُّك “صحة ولادنا خط أحمر” أعاد مطمر برج حمود إلى الواجهة، فتلفت الناشطة في الحراك سمر خليل في حديث إلى “النهار” أنَّه “منذ بدء أزمة النفايات لم نر أي جدية في معالجتها. إن أبسط الحلول وأكثرها منطقية هي في العمل على التخفيف من إنتاج النفايات وتشجيع الفرز وإعادة التدوير والتسبيخ للتخفيف من كمية النفايات التي تحتاج إلى التخلص النهائي أو الطمر. حتى الآن لم تبدأ الدولة بحملات لتوعية المواطنين على التخفيف من إنتاج النفايات ولم تأخذ أي إجراءات للتخفيف من استيراد أو استعمال المواد التي ترمى بعد كل استعمال (مثل الصحون والأوعية البلاستيك وأكياس النايلون وغيرها) وتشجيع المواد التي يعاد استعمالها. لم نر أي مبادرة لتوسيع معامل الفرز والتسبيخ ولا بتشجيع إعادة التدوير، بل على العكس إن بعض مصانع إعادة التدوير قد أقفلت. وفي ظل ندرة الأراضي لاستعمالها كمطامر صحية، على الدولة اعتماد الطرق التي تقلل من كمية النفايات التي تحتاج إلى الطمر. حتى اليوم لا يوجد قانون يحكم إدارة النفايات ولا استراتيجية للتطبيق. إن بعض المبادرات التي أطلقتها الدولة مثل إنشاء مكبات الكوستابرافا وبرج حمود نراها تطبق باستهتار وتتسبب بكوارث بيئية. يمكننا بكل ثقة أن نقول إن القطاعات التي تديرها الدولة هي أكبر ملوث من قطاع الكهرباء إلى المكبات وغيرها. إن الدولة اللبنانية تسنّ قوانين لا تلتزم هي بتطبيقها ولا من يحاسب ولا من يراقب وكل ذلك يساهم في تدهور الوضع البيئي وتفشي الأمراض في المجتمع”.

60 مليون دولار من جيب المواطن

وتضيف: “إن النفايات الموجودة في المكب القديم غير مفرزة ويمكن أن تتضمن نفايات خطرة كيميائية، بيولوجية ومشعة. وتطمر كما هي من دون معالجة ومن دون عزل ويردم بها البحر. وهذه المواد الخطرة يمكن أن تتسرب إلى المياه وتؤدي إلى أمراض خطيرة مثل الالتهابات والسرطان وغيرها. في حين أنَّ كلفة تلزيم مكب برج حمود تفوق الـ60 مليون دولار أميركي وهي تُدفع من جيب المواطن اللبناني. في وقتٍ ترمى هذه النفايات كما هي في البحر لتتسبب بموت المواطنين ببطء. إننا ببساطة ندفع ثمن موتنا. ووزارة البيئة لم توافق على دراسة تقييم الأثر البيئي للمكب ولم يتقدم مجلس الإنماء والإعمار بخطة للإدارة البيئية. إلاَّ أنَّ المادة 11 من قانون العقوبات اللبناني تنصُّ على أنه تعتبر من الجرائم البيئية:

– مخالفة القوانين البيئية والأنظمة البيئية التي تحمي الأملاك العامة والخاصة للدولة والبلديات والمياه الاقليمية والتعديات البيئية على الأملاك البحرية والنهرية والمياه الجوفية.

– مخالفة القوانين المتعلقة بالتخلص من النفايات على أنواعها وبخاصة النفايات الطبية والناتجة عن المستشفيات والنفايات الكيميائية والنووية.

– مخالفة الأحكام الواردة في القانون رقم 2002/444.

– نصت المادة 52 من قانون حماية البيئة 444/2002: إن المسؤولين عن أي ضرر يطال البيئة بسبب أعمال منجزة من دون تصريح أو بصورة مخالفة للأحكام القانونية والنظامية النافذة، لا سيما تلك المتعلقة بدراسات الفحص البيئي المبدئي أو تقييم الأثر البيئي، ملزمون بإتخاذ كل التدابير التي تؤدي إلى إزالة الضرر، على نفقتهم الخاصة. وإن النفقات الناتجة عن التدابير التي تتخذها السلطات المختصة لمنع كل ضرر يطال البيئة، تكون على عاتق المسؤول عن هذا الضرر”.

– كما نصت المادة 58 من القانون 2002/444 على أنه: “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من خمسة عشر مليون ليرة لبنانية إلى مئتي مليون، مَن:

– ينفذ مشروعاً يستوجب دراسة فحص بيئي أو تقييم الأثر البيئي من دون إجراء هذه الدراسة مسبقاً أو إخضاعها لرقابة وزارة البيئة والوزارات والإدارات المختصة.

– ينفذ مشروعاً يستوجب دراسة فحص بيئي مبدئي أو تقييم الأثر البيئي خلافاً لمضمون الدراسة المقدمة منه، والتي تكون قد حازت موافقة وزارة البيئة والوزارات والإدارات المختصة.

– ينفذ مشروعاً لا يستوجب دراسة فحص بيئي مبدئي أو تقييم الأثر البيئي وغير متطابق والمعايير الوطنية”، وكل ما ذكر سابقاً يؤكدِّ أنَّ العمل بهذا المكب مخالف للقوانين والتشريعات اللبنانية، والمخالف إلى جانب المتعهد هي الدولة التي لزمت الأعمال. فمن يحاسب الدولة على الجرائم البيئية؟

حماية الأجيال

ينسِّق تحرك “صحة ولادنا خط أحمر” مع المجموعات المهتمة لتنظيم تحرك على الأرض ستترتب عليها خطوات لاحقة، وتؤكد خليل “نحن كأمهات قررنا ألا نقف مكتوفين أمام كل هذا الضرر الحاصل في وطننا. ولأننا مصرون على تربية أولادنا والبقاء في هذا البلد قررنا الدفاع عن صحة أولادنا والأجيال القادمة. إننا نرى أن أكثر ما يحتاج إليه هذا البلد اليوم هو مقاومة الفساد والتلوث البيئي. فمن يحمي الأجيال أكثر من أمهاتهم”.

لم تصل الدولة اللبنانية إلى حلِّ لأزمة النفايات أما المعامل فواجهت مسلسلاً قد تظهر الأيام بأنه مفتعل، فيما صفقات المحارق عالقة! وحده واقع صحة اللبنانيين نتيجته محسومة وهي المرض أو الموت، لا حلَّ ثالثهما في ظل التقاعس المدروس وعن سابق تصور وتصميم من المعنيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*