بدأ الهجوم البري وأننا نقتل آلاف الناس فعلا

النهار
أرشيف
12022018

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف جزء جديد من سلسلة مذكرات جيمس بايكر “سياسة الديبلوماسية الثورة والحرب والسلام 1989-1992”. يحمل هذا الجزء عنوان “بدأ الهجوم البري وأننا نقتل آلاف الناس فعلا”، وكانت قد نشرته “النهار” في 13 تشرين الثاني 1995.

هجوم غورباتشيوف الديبلوماسي هذه الاعتبارات الخارجية المتعددة، فضلا عن الضغوط الداخلية، تضافرت لدفع غورباتشيوف فورا الى البحث عن حل لتجنب الحرب البرية، ولم يمض على بدء الحملة الجوية يومان حتى اتصل غورباتشيوف بالرئيس طالبا منه ان تتوقف، وقد تحجج غورباتشيوف بأن وحشية هجومنا كانت مرعبة، وان من الواضح ان صدام قد تبلغ الرسالة، وان الوقت حان لكي ينسحب التحالف الى الخلف ويسمح للديبلوماسية السوفياتية بالاعداد لحل سلمي. أجاب الرئيس على ذلك بأن التوقف سيتيح لصدام فرصة التبجح بأنه استطاع مرة اخرى ان يحدق في عيون اعدائه من علٍ… وان الحرب ستستمر. وفي العاشر من شباط اعلن غورباتشيوف بذريعة “وجود تطورات درامية ومتزايدة الخطورة” انه سيرسل مبعوثا الى العراق أملا منه في وقف الحرب. وبعد يومين وصل رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية السوفياتي بريماكوف الى بغداد ليقدم خطة الى صديقه القديم صدام. كانت عناصر الخطة بسيطة الى حد كبير. فقد حث صدام على الاعلان عن استعداده للانسحاب من الكويت، وتحديد فترة يتحقق خلالها هذا الانسحاب. ومقابل ذلك أخبر صدام ان التحالف يمكن اقناعه بالموافقة على وقف اطلاق النار، وهي صفقة لم يكن بريماكوف مخولا عرضها اصلا، فضلا عن انها لم تكن مقبولة البتة. لم يكن الرئيس مستعدا لقبول صيغة تقصر عن بلوغ قرارات الامم المتحدة. فمثل هذا الخيار لم نناقشه مطلقا، حتى على انفراد. ولست أشك في ان بريماكوف استطاع ان يروج لمبادرة سلامه الجديدة بإخبار غورباتشيوف انه قادر على تقديم مساعدة سياسية كبرى لصديقه جورج بوش ينقذ بها ارواح آلاف الجنود الاميركيين. ويحتمل ان غورباتشيوف كان قابلا للتأثر بهذا الخط من التفكير، ما دامت هذه الفرصة تشجعه على الاعتقاد بأنه سيحافظ في الوقت نفسه على علاقته بالولايات المتحدة، وسيتمكن من ايصال الجناح اليميني المزعزع الى شاطىء السلامة عن طريق “انقاذ” العراق، ومن ثم يعزز موقعه كرجل دولة من الطراز الممتاز. في 15 شباط اتصل بي وزير الخارجية السوفياتي بيسميرتنيخ هاتفيا خلال اجتماع لي مع الرئيس. وقد أخذت المخابرة في مكتب صغير خاص يتفرع عن المكتب البيضاوي. قال بيسميرتنيخ ان غورباتشيوف قد فرغ للتو من ارسال رسالة الى الرئيس يشرح فيها تفاصيل مقترحات بريماكوف، وأكثر من ذلك فانه يرى ان بريماكوف قد اكتشف وجود عناصر غير محددة، اي “عناصر مشجعة في سلوك صدام” تؤشر الى احتمال التوصل الى انفراج، بل ان صدام ارسل طارق عزيز الى موسكو فعلا لاستطلاع الموضوع مع غورباتشيوف. أجبته انني احتفظ بالحكم على الموضوع حتى وصول رسالة غورباتشيوف. وكما هو متوقع فقد حمّل بيسميرتنيخ ما قدمه بريماكوف تفسيرا أبعد من حقيقته بكثير. وليس من الغريب بناء على ذلك ان يكون قد استنكف عن ابلاغي ان رسالة غورباتشيوف تضمنت جملة كنت أعرف انها غير مقبولة منذ لحظة قراءتي لها: “لن يكون من المرغوب فيه شن عمليات برية كبرى اذا كانت معدة، خلال فترة محادثات موسكو”. لم تكن ثمة حاجة الى مناقشة رد فعلنا. ففي بيان لاحق صدر في بغداد أعلنت موافقة صدام على البحث في الانسحاب. وعندما قرأ الرئيس رسالة غورباتشيوف كان رد فعله بليغا: “لا مجال لذلك البتة يا صاح”. وقد أعلن الرئيس بعد ذلك ان الاقتراح كان “خدعة مقيتة”. اتصلت ببيسميرتنيخ لأعيد على مسامعه فكرة ان مشروع بريماكوف بمثابة عملية احتيال وتزوير. قلت له: “لن نقبل بما هو اقل من مقررات الامم المتحدة من دون شروط”. ووافقته الرأي مع ذلك، على ان صدام ربما كان قد بدأ يدرك تهافت وضعه. وأضفت: “ومع ذلك نريد برهانا لذلك” والبرهان الوحيد المقبول هو توقف صدام عن فرض شروط على أي عملية انسحاب. بدا ان بيسميرتنيخ صدم من جراء ما انطوى عليه رد فعلي من تشدد. فقال ان العراقيين تنازلوا عن موقفهم الى حد كبير، وان على الولايات المتحدة ان ترحب بهذا التطور لا ان تدينه. بعد ثلاثة ايام، اي في عصر 18 شباط اتصل بي بيسميرتنيخ هاتفيا لينقل اخبارا تبدو مشجعة اكثر. فقد أسفرت محادثات غورباتشيوف وطارق عزيز عن اقتراح جديد وشامل للسلام، وان غورباتشيوف سيبرق الى واشنطن خلال تسعين دقيقة. وطمأنني الى ان عناصر الاقتراح “تدخل في حدود ما ناقشناه فعلا”. وقد عاد طارق عزيز الى بغداد وطلب منه ان يحصل على رد فعل صدام في اسرع وقت. في عصر ذلك اليوم لخص تشيتفيريكوف خطة غورباتشيوف في مخابرة هاتفية استغرقت عشرين دقيقة. انها تشمل عناصر رئيسية اربعة. الاول مفاده ان العراق سيعلن عزمه على الانسحاب والموافقة على تحديد وقت للبدء بتحريك قواته. والثاني يشير الى ان الانسحاب سيبدأ بعد يوم من الموافقة على وقف اطلاق النار. والثالث يؤكد انه انسحاب غير مشروط. واخيرا النقطة التي سبق ان تعهدنا بها علنا، وهي ان القوات العراقية المنسحبة لن تتعرض للهجوم. وحسب تشيتفيريكوف فان غورباتشيوف أجاب على تساؤل لطارق عزيز حول المسألة العربية الاسرائيلية بقوله ان الاتحاد السوفياتي سيصر على ان تقوم الامم المتحدة بمعالجة “مشكلة الشرق الاوسط بكل ما تنطوي عليه من مسائل ونزاعات، بما في ذلك مسألة الامن الاقليمي”. وقد سجلت على هوامش كتبتها خلال المخابرة تعليقا واحدا: “ألعبان” (من اللعب على وزن أفعوان). مرة اخرى يحاول السوفيات ان يلعبوا بمسألة الربط. هذا فضلا عن ان الخطة لم تكن تتضمن اشارة الى تبادل سجناء الحرب. كما انها تتجاهل متطلبات معظم مقررات الامم المتحدة الاحد عشر. لاحظت رسالة غورباتشيوف ان رد الفعل العراقي على مقترحاته كان “الاعتراض المشوب بالاستياء”. غير ان العراقيين لم يرفضوا الخطة بكليتها، بل وافقوا على الحصول على جواب قاطع مع صدام. وقد رأى غورباتشيوف ان ثمة “بداية لتحول معين في فهم صدام حسين وطاقم عمله لحقائق الامور”. واقترح غورباتشيوف بعد ذلك ان هذه المرونة الجديدة من بغداد “يجب ان تؤخذ بالاعتبار لدى ادارة العمليات العسكرية خلال الايام القليلة المقبلة”. وقد اشتكى العراقيون له من ان “بغداد تعرضت لضربة شديدة خلال وجود ممثل الاتحاد السوفياتي هناك”. ويحتمل ان يكون بريماكوف قال امام غورباتشيوف ان الولايات المتحدة كانت أشد اهتماما بالهجوم على العراق منها بالتوصل الى حل سلمي. والحال اننا انتهجنا النهج الاول لتحقيق الثاني، وذلك من اجل الكويت والمنطقة بأسرها. تضمنت خطة غورباتشيوف بعض العناصر الجديدة، فقد بدأ صدام كما هو واضح يتصرف وكأنه يخشى فعلا هجوما بريا اميركيا. ولكن هذا ظل غير كاف. ولذلك أبلغت تشيتفيريكوف اننا غير مستعدين حتى للبحث في الاقتراح ما لم يوافق العراق رسميا على النقاط الاربع. وفي وقت لاحق ارسل الرئيس الى غورباتشيوف رسالة يقول فيها ان الخطة غير مقبولة. وتبع ذلك اعلان في 19 شباط جاء فيه ان الخطة “قاصرة” عن ان تشكل حلا مقبولا. اتصلت بيسميرتنيخ لألح على ان اي انسحاب يجب ان يبدأ بوقف لاطلاق النار، لا ان يليه كما اقترح غورباتشيوف، وان تبادل أسرى الحرب يجب ان يتم بعد 24 ساعة من ذلك. وقلت: “اننا نخشى فعلا من ان يستغل صدام حسين اي غموض”. في رسالة ثانية استهلت ب”عزيزي ميخائيل”. بعث بها الرئيس في اليوم التالي، خذل غورباتشيوف بالقدر الممكن من اللطافة. كتب يقول: “اقدر جهودك فعلا، ولكني قلق من ان عدم اكتمال اقتراحكم، فضلا عن الغموض الذي يتسم به قد ينعشان امال صدام حسين في ان يفلت بطريقة ما من تحمل عواقب افعاله، وان ينجح في الحصول على نتيجة تفتقر الى الوضوح ويمكنه استغلالها سياسيا”. وانتهت الرسالة بشرط اضافي: لا وقف لاطلاق النار قبل البدء بعملية “انسحاب” عراقي على نطاق واسع يجب ان تنجز خلال 96 ساعة. وخلال المباحثات التي اجريت عصري يومي الاربعاء والخميس وافقت وزارة الحرب بالاجماع على ارسال انذار جديد ومشابه للانذار الذي اصدرناه قبل شن الحرب الجوية، وبعد سلسلة من المحادثات الهاتفية مع حلفائنا الرئيسيين في التحالف مساء الخميس وصباح الجمعة، كنا واثقين بأن شركاءنا ما زالوا على العهد. ولكن غورباتشيوف لم يتوقف عن محاولته الحؤول دون نشوب حرب برية. ففي صباح الجمعة 22 شباط قام خلال لحظات الاستعداد النهائية لشن الهجوم بالاتصال بالرئيس، بعدما أدخل بعض التحسينات على اقتراحه. وكنت والرئيس نحاول اجراء عملية تقييم للتطورات الاخيرة في المكتب البيضاوي عندما جاءت المخابرة، كان الرئيس تأخر عن موعد احتفال في حديقة الورود، فضلا عن انه كان مرتبطا بموعد لحضور حفل أداء لين مارتن قسمه كوزير للعمل. قال لي: “تحدث معه حتى انتهي من هذا الحدث”. ولم تكن لدى أحد منا اية فكرة ان المحادثة ستطول لمدة ساعة واربعين دقيقة. استهل غورباتشيوف الحديث بقوله: “اود ان انقل اليك تفاصيل لقاءاتي الملحة مع الممثلين العراقيين. لم يوافق العراق على هذه المقترحات ولكن عزيز يعتقد ان صدام حسين سيوافق عليها”. ان العراق يوافق الآن على انسحاب فوري غير مشروط، يبدأ بعد يوم من وقف اطلاق النار ويستكمل خلال ثلاثة اسابيع. اما تبادل الاسرى فيتم خلال ثلاثة ايام من وقف اطلاق النار. ومع اكتمال الانسحاب بموجب قرار الامم المتحدة الرقم 660 تلغى كل قرارات الامم المتحدة الاخرى. وبلفتة قدمها على أنها عبارة عن تنازل كبير، ابلغني غورباتشيوف انه تخلى عن تحبيذه ربط الازمة بعملية السلام في الشرق الاوسط. أشرت لغورباتشيوف الى ان الانسحاب الذي يفكر به ليس فوريا وليس خاليا من الشروط. وأكثر من ذلك فان خطته ستمنح العراق حصانة مطلقة من جملة من العقوبات والتعويضات والمسؤوليات القانونية التي فرضتها مقررات مجلس الامن الاخرى نتيجة لقيامه بغزو الكويت. لقد دفعت الحرب الجوية صدام اخيرا الى حافة الواقع. وهو الان يرغب في التحرر من المضاعفات الاخرى المترتبة على عدوانه غير المبرر. وأخبرت غورباتشيوف انني لا أريد الادعاء انني اتحدث باسم الرئيس ولكنني اعتقد انه سيجد ان هذه الشروط لا تزال غير مقبولة. لم يكن غورباتشيوف مسرورا بسماع ما قلته. تساءل بلهجة فظة تعبر عن استيائه: “ما هي اولوياتنا؟ لقد تعاونت معكم وحاولت ايجاد دور سياسي لحماية رجالكم الذين في الخدمة فضلا عن حماية العراقيين. ان مهمتنا هي العثور على حل متشدد ولكن عملي. لا يمكنهم الانسحاب في اسبوع واحد” فأجبت: “لقد دخلوا في يومين”. ولدى عودة الرئيس اعاد غورباتشيوف على مسامعه تفاصيل خطته بدون جدوى. وبعدما اطلع على صور آبار النفط الكويتية المشتعلة كان يشعر بالاستياء تحديدا لان غورباتشيوف بدا من الناحية العملية، مؤيدا فكرة تحرير صدام من متطلبات جميع المقررات الاخرى الصادرة عن الامم المتحدة. وعندما طلب منه ان يعطي المفاوضات بضعة ايام اخرى لم يكن في مزاج يسمح له بأن يكون كريما. وقال: “هذا الرجل يمكن ان يفعل اي شيء لقد أشعل النار بآبار النفط، لا يمكننا ان نقبل بذلك”. تراجع غورباتشيوف بسرعة: “انظر انا لا أدافع عنه”. وفي نهاية المحادثة وضع الرئيس سماعة الهاتف قائلا: “هذا غير مقبول في أي حال من الاحوال”. موعد الانذار النهائي خلال ساعة وجه الرئيس تعليماته الى المتحدث مارلين فيتزووتر باصدار انذار نهائي آخر: “في محاولة نهائية لتحقيق امتثال عراقي لارادة المجتمع الدولي”. وقد اشترط الانذار على العراقيين، اذا أرادوا تجنب الحرب البرية، الموافقة على جميع مقررات الامم المتحدة السابقة، والشروع في عملية انسحاب واسع النطاق في ظهيرة اليوم التالي، 23 شباط حسب توقيت نيويورك، واستكمال الانسحاب خلال اسبوع. وطلب مني الرئيس في اعقاب ذلك الانضمام اليه في كامب ديفيد خلال عطلة نهاية الاسبوع. قال انه يريد ان اكون هناك عندما تبدأ الحرب البرية. واعتقد انه كان لديه هدف آخر ايضا. فخلال الشهر السابق كنت قد تلقيت قدرا لا بأس به من الانتقادات التي وجهتها اوساط في البيت الابيض ازعجها البيان المشترك الذي صدر مع بيسميرتنيخ. وفي تصوري ان هذه كانت طريقة الرئيس، بنهجه الكريم والصامت، في توجيه اشارة مفادها انه غير موافق على الانتقادات الجارحة التي وجهت الي. وقد احتفظ لنفسه بحق الاعراب عن شعوره بعدم الرضا عندما نكون على انفراد، الا انه شعر من جهة اخرى بعدم وجود مخولة ان تفعل ذلك، خصوصا على نحو علني ومن دون ان تفصح عن اسمها وهويتها. ورغم رفض الرئيس حاول غورباتشيوف محاولة اخيرة. فقبل نصف ساعة من الواحدة بعد منتصف ليل 23 شباط ايقظني بيسميرتنيخ في غرفة نومي في بيرش لودج ليبلغني ان طارق عزيز سيعلن قريبا التزام العراق انسحابا فوريا وغير مشروط ولهذا فليس ثمة ما يدعو الى البدء بالحرب البرية. وقال ان انذار الرئيس “اربك الاشياء” ولكن الديبلوماسية السوفياتية نجحت في تطويع صدام. ومرة اخرى ذكرت بيسميرتنيخ ان عرض الانسحاب هذا لا يعتبر غير مشروط – باعتبار ان 11 قرارا من اصل 12 ستصبح بموجبه غير نافذة المفعول – ولا يعتبر فوريا كذلك. وقلت: “اذا كان العراق قادرا على اقتحام الكويت في يومين فلا بد ان في مقدوره الخروج من الكويت خلال اقل من ثلاثة اسابيع”. بدأ تحفظ بيسميرتنيخ الديبلوماسي ينهار، قال شاكيا: “عشية انتصار سياسي وعسكري تدور خلافاتنا على مسائل حقوقية. ان هذا اشبه بمحامين يتخاصمون حول كلمات”. اجبت على ان خلافاتنا جوهرية لا تدور حول علم دلالات الالفاظ، وان صدام كان يستخدم محادثاته مع السوفيات غطاء لتنفيذ حملة ارض محروقة بغية تدمير الكويت في اللحظة التي نتحدث فيها. واضفت اننا لن نقبل باقل من التنفيذ الكامل لمقررات الامم المتحدة وكذلك القبول الكامل بشروط الرئيس. واوضحت انه اذا لزم الامر فسنعلن رفضنا دعوة غورباتشيوف الى عقد اجتماع لمجلس الامن ما لم يوافق العراق على شروطنا الكاملة ويبدأ بالانسحاب. لقد كان واضحا لي ان السوفيات، رغم ما يدعونه لانفسهم من نفوذ، ما زالوا عاجزين عن اقناع العراقيين بالموافقة على اكثر من الحد الادنى. كانت صعوبة تحديد ما يريده صدام حقيقة متكررة خلال الازمة، اسهمت في احباط ميول غورباتشيوف نحو احلال السلام، وجعلت مهمتنا اقل صعوبة. فحتى اللحظة الاخيرة كان العراقيون فاقدين المرونة في تعاملهم مع السوفيات، قدر فقدانهم المرونة في تعاملهم معنا في جنيف. وما ان كان المستعربون يظهرون على الساحة ويعيدون تنظيم صفوفهم من اجل اقناع غورباتشيوف بالسماح بعملية حوار جديدة، حتى يسارع العراقيون الى إحباط مساعيهم. ولهذا كان العراقيون في استمرار، اشد عداء لانفسهم من اي عدو. فقد كان في وسعهم تعقيد جهودنا في سهولة لو ابدوا اشارات تفصح عن شيء من الاعتدال. وربما كان عرض القيام بانسحاب جزئي من الكويت مثلا كفيلا ارغامنا على تأجيل هجومنا الارضي، فضلا عن انه كان سيجعل من الصعب الابقاء على السوفيات داخل التحالف. كان غورباتشيوف لا يهدأ. ففي ظهيرة اليوم الذي شهد موعد الانذار الاخير، وقبيل بدء العمليات الارضية، فوجئت انا والرئيس خلال لعبة كرة اليد باتصال من غورباتشيوف لتقديم مناشدة اخيرة. وقد تلقى الرئيس المخابرة في غرفة صغيرة للتمارين الرياضية. قال غورباتشيوف ان الخلافات بين الموقفين الاميركي والسوفياتي اصبحت لا تمس سوى “التفاصيل”. واضاف ان من المؤكد ان بضعة ايام من المفاوضات ستكون افضل من مجزرة الحرب الارضية. كان الرئيس لطيفا ولكن حازما. فهو يقدر جهود غورباتشيوف الا ان صدام كما اوضح، كان يمارس العابا. واقترح على غورباتشيوف تذكير العراقيين عندما يتحادث معهم بأن موعد الانذار النهائي الذي مر يجب ان يعتبر في اهمية موعد الانذار النهائي السابق الذي يتعلق بالبدء بالحرب الجوية. وقد فهم غورباتشيوف الرسالة المضمرة في سياق “اقتراح” الرئيس. بعد دقائق، اي في الساعة 25ر3 اتصل بيسميرتنيخ مرة اخرى وتحدثنا 22 دقيقة. كان يستمع الى مخابرة غورباتشيوف مع الرئيس. قال متضرعا: “لدينا الان الفرصة لمنع التوابيت من ان تعود الى الوطن من الخليج العربي”. امتدحت لبيسميرتنيخ ما سميته “هدفه النبيل”. وأوضحت ان الرئيس يقدر جهود غورباتشيوف ولكن الفارق الاساسي بيننا يظل ماثلا. فنحن نعتقد ان صدام لن ينسحب ما لم يرغم على ذلك. قلت: “ما زالوا يحاولون المساومة. علينا ان نقنعهم ان البازار ليس مفتوحا وعليهم ان يقفوا ليعلنوا انهم هزموا وانهم سينسحبون. لا يستطيعون الاستمرار في البحث عن فرصة للمساومة”. تلقى بيسميرتنيخ عملية صده بكآبة بادية. في تلك الامسية نفسها عدت مع الرئيس الى واشنطن حيث كان يستعد للتحدث الى الامة عن بدء عمليات الحرب الارضية. وفي الساعة التاسعة و50 دقيقة اتصلت ببيسميرتنيخ من وزارة الخارجية لابلغه أن العمليات الارضية قد بدأت منذ ساعة. وفي الساعة العاشرة اعلن الرئيس النبأ لكنه طلب ابلاغ السوفيات به مقدما على سبيل المحافظة على اللياقة. قال بيسميرتنيخ: “آسف لسماع هذا النبأ”. شكرته على جهوده وقلت انني اتطلع الى فرصة للعمل معه في ظروف افضل واسعد في المستقبل. لم تستمر المخابرة سوى دقيقة واحدة، اذ لم يكن هناك المزيد مما يمكن قوله. بيسميرتنيخ كان منسحبا ويشعر باحباط مشبع بالمرارة لانه لم ينجح في ايقاف ما كان مقتنعا بانه غلطة كبرى. كما فعلت عندما بدأت الحرب الجوية ابلغت حلفاءنا الاخرين في سرعة، ومن ضمنهم الامين العام للامم المتحدة ووزير خارجية ايطاليا والامين العام لحلف شمال الاطلسي ووزراء خارجية اسبانيا وهولندا وسوريا واليابان واسرائيل ولوكسمبور. وسأل السفير الاسرائيلي شوفال الذي كان من الواضح انه مبتهج بالنبأ هل نعتزم اطاحة صدام. فاجبت ان لا نوايا لدينا لتوسيع نطاق اهدافنا او تحقيق غايات سياسية. واضفت: “ولكن اذا اقصى الشعب العراقي صدام عن السلطة فلن نذرف الدموع”. نتيجة سريعة رغم العمليات الارضية كانت تؤشر الى تحول او هبوط مفاجىء في الموقف فقد كنت قلقا في شأنها. لقد انجزت الحرب الجوية على نحو افضل مما توقعه الجميع. اذ 157 لم نفقد سوى 27 طائرة اميركية في القتال. وهو رقم توقع بعضهم ان نفقده في الليلة الاولى. ولكنني كنت اشعر بالقلق مع ذلك، من ان الخسائر قد تكون جسيمة عندما ندفع بقوتين اميركيتين للمدرعات والمشاة في داخل العراق والكويت. وكان العسكريون لا يزالون يخشون ان يبادر العراقيون الى استعمال اسلحة كيماوية ضد القوات المهاجمة، فضلا عن انني كنت اعلم ان الحرب الارضية تكون عادة اشد خطرا او اكثر كلفة من حيث الخسائر في الارواح، مما يكون عليه الامر من الحرب الجوية. واذكر انني القيت نظرة من نافذة الطبقة السابعة عبر نهر البوتوماك لتستقر على مقبرة ارلنغتون الوطنية. وقد تساءلت عن عدد الاميركيين الشبان الشجعان الذين سيرقدون قريبا تحت هذه السفوح الفارغة. لم يحدث نقاش داخلي حول ضرورة الحرب البرية من اجل تحقيق اهداف حربنا وغاياتنا السياسية ايضا. كلنا كنا نفضل ان نتجنب شن حملة برية لو كان هذا ممكنا. ومع ذلك كان الرئيس، كطيار مقاتل سابقا، يدرك خصوصا حدود القوة الجوية. كما انه لم يكن مهتما باستنطاق جنرالاته مجددا، وهم الذين يعتقدون بعدم وجود خيار آخر. لم يكن التخطيط المبدئي من اجل الحرب البرية مثيرا للاطمئنان، فكثيرا ما كنا، انا وتشيني وسكوكروفت نشكو من وجود تردد واضح في البنتاغون، منذ البداية، حيال استخدام القوة من اجل تحقيق غايات سياسية او ديبلوماسية. وعندما كنت رئيسا لاركان البيت الابيض في فترة رئاسة ريغان الاولى، كنت اسمع مسؤولي الدفاع الرئيسيين يتخاصمون في استمرار حول فكرة الزام قواتنا العمل في امكنة على غرار لبنان، وحتى غرينادا. لقد كتب الكثير عن هذه الظاهرة. وكانت خطة العمليات الاولى التي قدمها البنتاغون في خريف عام 1990 تعكس هذه العقلية. كانت الخطة قتالية ولاحظ سكوكروفت انها تقصدت ايضاح السبب الذي ينبغي ان نحجم من اجله عن القتال. واما جوهرها فيكمن في تنظيم هجوم على مركز دفاعات القوات العراقية في الكويت. وقد اطلقنا عليها عبارة: خطة نصب واشنطن، الهجوم عبر الوسط. وكانت قواتنا ستتكبد بموجبها خسائر جسيمة. وبضغط من تشيني وسكوكروفت تحولت الى ما اصبح يعرف بخطة “القبضة اليسرى”، وهي عبارة عن مناورة تندفع قواتنا بموجبها الى صحراء العراق الغربية. وكان البنتاغون، كلما طرح خيار الهجوم للمناقشة، يطالب بالمزيد من الرجال والاسلحة. وأما استراتيجيا تشيني التي دعمتها انا وسكوكروفت، فكانت تدعو الرئيس الى تلبية كل طلب. وكان نشر ست حاملات طائرات وفيلق من مشاة البحرية وقوة ثانية من القوات المتمركزة في المانيا، واعادة تفعيل ما لا يقل عن 157 الف جندي من قوات الاحتياط، يهدف الى تعزيز صدقية التزامنا واحراز نصر سريع وحاسم. كما انه كان ينطوي على نتيجة اضافية مفادها القضاء على اي تحفظات لدى العسكريين. لقد منحهم الرئيس كل ما كانوا يحتاجون اليه. وكان سيناريو الحرب خطة بارعة من الخطط التي تعتمد مبدأ المناورة. وبعدما اصبح القادة العسكريون راضين فان في وسعهم اداء العمل الآن. انهم متفائلون بقدرة قواتنا على انهاء الحرب سريعا بالحد الادنى من الخسائر في الارواح. كما حصلنا على تأكيدات تضمنتها تقارير استخبارات دوريات “المارينز” التي اخترقت الدفاعات العراقية تحت جنح الظلام. فقد وجدت هذه الدوريات ان الخنادق العراقية الامامية كانت اما فارغة او مليئة بالجثث. وعندما بدأ الهجوم اخبرنا باول ان دفاعات العدو كانت تتهاوى في سرعة. كنت اعلم اننا سنخرج ظافرين، ولكني اعترف بانني كنت اقل اقتناعا بان الحصيلة ستكون بهذه النظافة او السرعة التي احطنا علما بها، خصوصا في ضوء التقديرات المبكرة لعدد الخسائر في الارواح. واخيرا كان التفاؤل قائما على اساس قوي، فالهجوم البري الذي شن في الحلكة التي سبقت فجر 24 شباط كان نجاحه مشهودا. فقد طوقت القوات العراقية، وكانت خسائر الاميركيين في الارواح ضئيلة الى حد يدعو الى الابتهاج. وخلال 48 ساعة بدأت المقاومة المنظمة تنهار على طول مسرح العمليات. وقد حوصرت معظم المدرعات العراقية في الكويت ولم تتمكن من النجاة. واعلن الرئيس ان الحرب ستستمر، الا ان قوات التحالف لن تهاجم الجنود غير المسلحين وهم يتراجعون. في صباح 27 شباط التقينا في المكتب البيضاوي لتقييم الموقف. وكان الرأي السائد هو اننا احرزنا اهدافنا العسكرية والسياسية. واذكر كولن باول وهو يقول بشيء من التأثر: “اننا نقتل آلاف الناس فعلا”. وكان العراقيون يحاولون النجاة عبر “ممر الموت”. اتصل الرئيس بنورمان شوارتزكوف الذي قال ان اهدافنا الحربية تحققت. وفي تلك الليلة اعلن الرئيس وقف اطلاق النار بعد مئة ساعة من القتال. بعد ستة اسابيع من بدايتها انتهت عاصفة الصحراء، وحقق الرئيس العهد البسيط الذي قطعه على نفسه ان “هذا لن نقبل به”. كما ان اول امتحان يتعرض له نظام ما بعد الحرب الباردة تكلل بانتصار القوة والديبلوماسية الاميركيتين. واما العراق فقد عوقب وتناقص تهديده الاستراتيجي للامن الاقليمي الى حد كبير. ولسوء الحظ فان الاحداث سرعان ما برهنت ان صدام مُني بالهزيمة ولكنه ظل في السلطة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*