بحثاً عن رجل العام في لبنان: ريمون إده عندما يُفتَقَدُ الكبار

كريم مروة
30 كانون الأول 2017 | 00:03

أتذكر اليوم بقدر عال من الإحترام والتقدير والحزن شخصية ريمون إده بصفاته وسماته التي حولته إلى رمز كبير للوطنية والديموقراطية. أتذكّره وأتذكّر معه اثنين كبيرين شكّل معهما ثلاثية سياسية رائعة من زمن جميل هما كمال جنبلاط ورشيد كرامي. وأمثال هؤلاء الثلاثة هم من نحتاج إليهم في هذه الحقبة الصعبة من تاريخ بلدنا المعذب لبنان. وترك هؤلاء الثلاثة بصمات لا تنسى على نصف قرن من تاريخ لبنان.

ورث ريمون إده الزعامة عن والده إميل إده الذي كان رئيساً لحزب الكتلة الوطنية المتعاون مع الانتداب الفرنسي. لكن ريمون عندما بدأ يمارس العمل السياسي في مرحلة ما بعد الإستقلال شقّ طريقاً خاصاً به مختلفاً في الجوهر وفي الكثير من التفاصيل عن سياسة وسيرة والده. وصار ريمون منذ ذلك التاريخ واحداً من كبار الزعامات السياسية المعروف بوطنيته اللبنانية إلى أقصى الحدود، والمعروف بتمسكه بالنظام الديموقراطي وبدفاعه عنه إلى أقص الحدود أيضاً. وباسم هاتين القضيتين الأساسيتين لم يهادن قط. وكاد يدفع حياته ثمناً لموقفه المبدئي الثابت منهما أكثر من مرة في المرحلة الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية. وقادته محاولات اغتياله الفاشلة إلى مغادرة لبنان في عام 1976 واللجوء إلى باريس التي كانت مقره الدائم في منفاه القسري حتى وفاته في عام 2000. ورغم أنه كان متعاطفاً مع القضية الفلسطينية ومعادياً لإسرائيل ولسياساتها العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه لبنان، فإنه لم يوافق على إعطاء الفلسطينيين الحق في استخدام لبنان منطلقاً لعملياتهم الفدائية ضد إسرائيل. وكان الوحيد الذي صوّت في مجلس النواب اللبناني في عام 1969 ضد اتفاق القاهرة الذي كان الرئيس جمال عبد الناصر قد شارك مع الرئيس شارل الحلو في صياغته كشكل للوجود الفلسطيني في لبنان. كما كان قاطعاً في رفضه لتحوّل منظمة التحرير الفلسطينية إلى دولة داخل الدولة اللبنانية، من دون أن يتخلى عن موقفه الداعم للقضية الفلسطينية، ومن دون أن يقطع علاقته مع قيادتها، وبالأخص مع رئيسها ياسر عرفات. كما كان حازماً في الموقف من الوجود السوري في لبنان بعد اتفاق الطائف.

ولد ريمون إده في عام 1913 في مدينة الإسكندرية في مصر. وقد سماه والده ريمون، إعجاباً منه بالرئيس الفرنسي ريمون بوانكاريه الذي تولى حكم فرنسا منذ عام 1913 حتى عام 1920. وكان الوالد إميل في ذلك الحين يقيم في لبنان. ومنعته السلطات التركية من الذهاب إلى الإسكندرية للقاء ولده البكر ريمون. لذلك كان عليه أن يبذل المستحيل لكي يتمكن من انتزاع قرار بالسماح له بالسفر. وقد حصل على ذلك القرار. وينقل بعض أصدقاء ريمون إده عنه أنه قال لوالده بعد أن كبر وأصبح صاحب رأي في السياسة تعليقاً على الجهود التي بذلها للسفر إلى الإسكندرية يوم ميلاده: “لو كنت تعرف الصبي الذي سيأتي لما تحمست إلى هذا الحد للسفر من أجل استقبالك وليداً بكراً لك”.

بقي المولود الجديد ريمون في الإسكندرية عند جدته لوالدته حتى السادسة من عمره. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918، عادت العائلة إلى لبنان. والتحق الصبي ريمون بمدرسة الآباء اليسوعيين في محلة الأشرفية في العاصمة بيروت. تعلم ريمون في تلك المدرسة تاريخ فرنسا قبل أن تتاح له إمكانية التعرف لاحقاً على تاريخ بلده لبنان. دخل في عام 1932 مدرسة الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت وتخرج منها مجازاً في الحقوق في عام 1934. بدأ ممارسة مهنة المحاماة متدرجاً في مكتب والده حتى عام 1936.

اختار ريمون إده العزوبية بخلاف شقيقه بيار وشقيقته أندريه. وحاول أن يفلسف خياره هذا بالقول إن من العيب على السياسي أن يكون رب عائلة. لكن خياره هذا لم يمنعه من أن يعيش مغامرات نسائية عديدة بقيت تفاصيل معظمها سراً من أسراره. أما حبه الأول في مصر فلم يخفه لا هو ولا أخفاه والداه. لكن يبدو أنه عاد في الأعوام الأخيرة من حياته فاعترف بخطأ إحجامه عن الزواج. إذ شعر، وهو في عمره المتقدم ذاك، أنه كان بحاجة إلى أقرب الناس إليه، زوجة وأولاد، ليكونوا إلى جانبه في اللحظات الحرجة، بدلاً من أن يستعين بآخرين. ومعروف أنه فعل مثلما فعل الرئيس الفرنسي ميتران، عندما أدرك أن من المحتمل أن يصبح في آخر أيام حياته عالة على الآخرين. فأوقف الدواء ووضع وصيته. واستسلم إلى نهاية حياته العاصفة. وكان ذلك في أواخر عام 2000.

بدأ ريمون إده حياته السياسية في مطلع خمسينات القرن الماضي بالدخول في جبهة للمعارضة كانت تتكون ضد أول رئيس للجمهورية في العهد الإستقلالي هو الشيخ بشارة الخوري. وحملت تلك المعارضة اسم الجبهة الإشتراكية الوطنية، بحكم وجود كمال جنبلاط كركن أساسي فيها. وكان الشيخ بشارة خصماً سياسياً لوالده إميل إده، وخصماً منافساً له في مكتب المحاماة. كان الشيخ بشارة الخوري رئيساً للحزب الدستوري، وكان إميل إده رئيساً لحزب الكتلة الوطنية. وكان الاثنان يتوزعان الولاء والتحالف لحزبيهما بين القوى السياسية وجماهيرها في الداخل، ويتوزعان التحالف دولياً بين فرنسا وبريطانيا. وكانت المعارضة للرئيس بشارة الخوري تنطلق من أنه خرق الدستور ليجدد لولاية ثانية له في عام 1949، بعد أن زور الإنتخابات النيابية في عام 1947، للإتيان بمجلس نيابي يعدل الدستور ويجدد له. وكان عهد الرئيس الخوري قد عرف، منذ السنوات الأولى للزمن الإستقلالي، باستشراء الفساد، الذي كان رمزه شقيق الرئيس سليم الملقب بالسلطان سليم.

صعد اسم ريمون إده في المعركة التي انتهت بإسقاط الشيخ بشارة الخوري وانتخاب كميل شمعون بديلاً منه. وظل اسم ريمون يصعد في شكل متواصل. وظل يحتل مواقع جديدة. وظل يكتسب احتراماً متزايداً في الأوساط السياسية والشعبية مع تطور الأحداث. وكانت ترافق اسمه على الدوام مواقف جريئة وصريحة وحاسمة في قضيتي الديموقراطية والإستقلال الوطني. كما كان خصماً للحكم العسكري الذي ساد في أكثر من بلد عربي. لكنه، مع ذلك، كان وزيراً للداخلية في حكومة الرئيس الجنرال فؤاد شهاب. وارتبط باسمه في تلك الوزارة أنه أصدر ونفذ الحكم بإعدام أحد رموز الفتنة الطائفية، وكان مسلماً من سكان العاصمة بيروت. وأسهم بموقعه ذاك في وضع حد لأعمال العنف الطائفية التي انتهت إليها “ثورة” عام 1958 ضد حكم الرئيس كميل شمعون. وكان الرئيس شمعون قد قلد سلفه الشيخ بشارة الخوري في تزوير الإنتخابات النيابية في عام 1957 للإتيان بمجلس نيابي يعدل الدستور ويجدد له لولاية ثانية. وابتداء من ستينات القرن الماضي تحول ريمون إده مع كل من كمال جنبلاط ورشيد كرامي إلى الثلاثي المتميز في الحياة السياسية اللبنانية. وكانت لكل من هؤلاء الثلاثة سماته وصفاته الخاصة به.

كان ريمون إده في عهد الرئيس الجنرال فؤاد شهاب متردداً بين المعارضة لحكمه بسبب اعتماده على مؤسسة الجيش كحزب سياسي في تنفيذ برنامجه الإصلاحي وبين التأييد لهذا البرنامج الأول من نوعه في تاريخ لبنان الحديث. وهو البرنامج الذي وضع فيه فؤاد شهاب القواعد القانونية والدستورية لبناء دولة ذات مؤسسات حقيقية. لكن ريمون إده سرعان ما وجد نفسه في مرحلة لاحقة في حلف ثلاثي مع اثنين من خصومه السياسيين هما الرئيس الأسبق للجمهورية كميل شمعون ورئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل. وكان ذلك في عهد الرئيس شارل حلو الذي خلف الرئيس فؤاد شهاب. والمعروف أنه في عهد الرئيس شارل الحلو ازداد تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية إلى الحد الأقصى. وفي عهده أيضاً دخلت المقاومة الفلسطينية إلى لبنان وبدأت تؤسس لدولتها الخاصة داخل الدولة اللبنانية. وكانت تلك التطورات في أساس دخول ريمون إده في ذلك التحالف الثلاثي الذي اعتذر عنه في فترة لاحقة، خلال الحرب الأهلية، حين وجد نفسه في موقع النقيض لكل سياسات وممارسات حليفيه المشار إليهما. وكان موقفه الثابت ضد الحرب الأهلية وضد التدخلات الخارجية فيها من كل الجهات.

تعرفت إلى ريمون إده في مطالع سبعينات القرن الماضي، أي في الوقت الذي كان فيه الحزب الشيوعي قد أصبح قوة سياسية أساسية في البلاد. وكنت قد أصبحت واحداً من قيادييه الأساسيين إلى جانب الشهيد جورج حاوي وآخرين من رفاق تلك الحقبة. واكتشفت في ريمون، إلى جانب الصفات التي أشرت إليها، حبه للنكتة وحرصه على مشاكسة ومداعبة من يلتقي بهم من السياسيين، واهتمامه المفرط بالوثائق والخرائط التي يقدمها لتدعيم مواقفه السياسية الخاصة بلبنان، والتي كان يستخدمها لتحديد طبيعة علاقة لبنان مع سوريا وفلسطين البلدين الشقيقين على قاعدة الاستقلال والسيادة لكل بلد واحترام خصوصياته.

ظللت ألتقي بريمون في منفاه الباريسي كلما كانت تقودني مهمة من مهماتي السياسية إلى العاصمة الفرنسية. وحين ذهبت إلى باريس بتكليف من الحزب الشيوعي اللبناني والحركة الوطنية اللبنانية مع وصول القوات الإسرائيلية إلى ضواحي بيروت في عام 1982، لتشكيل وقيادة وفد الحركة الوطنية في الخارج، تعددت لقاءاتي بالعميد.

كان ريمون إده يطمح لأن يصل بالديموقراطية وبالوضوح السياسي الكامل إلى سدة رئاسة الجمهورية. لكنه لم يكن يرغب في المساومة من أي نوع مع أي من القوى السياسية اللبنانية والعربية والأجنبية للوصول إلى هذا الموقع الرفيع. كان يريد أن يتوجه إليه اللبنانيون بالطلب لقبول هذا المنصب، ويهيئوا له شروطه. وكانت من شروطه التي أكثر من تردادها أن يتحرر لبنان من الوجود الإسرائيلي، ومن الوصاية السورية، ومن الوجود الفلسطيني المسلح. كما كان يضع شرطاً أساسياً آخر يتمثل في إلغاء الميليشيات المسلحة كلها. لكن شروطه تلك كانت تتعارض مع الوقائع القائمة في البلاد. لذلك لم يستطع أن يحقق طموحه في الوصول إلى موقع الرئاسة. وغادر الحياة كما بدأها في شبابه شخصية سياسية مرموقة تستعصي على النسيان.

كاتب وباحث

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*