بالصور- وراء الباب القديم عالمٌ سرّي: “جنود” مار مارون يتحضّرون

 

الى عالم الرهبان… “جنود” مار مارون

المصدر: “النهار”
هالة حمصي

9 شباط 2017 | 10:20

هدوء مطبق. الباب الخشبي يفتح على عالم آخر. عالم سرّي لا يدخله الا من “مُنِحوا دعوة خاصة”. رهبة. الحجارة تخبىء وجوها واسماء واحداثا وتواريخ… تراثا عمره قرون. انه الهواء الذي يتنفسه كل يوم “جنود” من طينة اخرى، “جنود” مار مارون. انهم بالمئات… والايام تعد بالخير. “هنا، ننشىء الرهبان على طريق الكمال،
ونأخذ من مار مارون سعيه الى الكمال والزهد والتقشف”، يقول النائب العام للرهبانية اللبنانية المارونية الاب كرم رزق لـ”النهار”.

انه الهدف نفسه الذي يقود، منذ 322 عاما، اول رهبانية مارونية منظّمة في لبنان “تحمل اسم مار مارون، كأب روحي لها وللكنيسة”. ما بدأ العام 1695 مع ثلاثة شبان موارنة أتوا من حلب، هم جبرائيل حوّا وعبد الله قرأعلي ويوسف البِتن، واطلقوا الرهبانية من دير مُرت مورا في إهدن، تحوّل خلال 3 قرون رهبانية “متألقة” انتشرت من شمال لبنان الى جبله وبقاعه وجنوبه وساحله مع 40 مقرا لها، بين دير ومركز رسالة. ووصلت الى ابعد القارات مع 13 مقرا لها في ارجاء العالم، منها اديرة في اوستراليا وكندا والمكسيك، ومراكز في البرازيل والارجنتين وفنزويلا…

“حيّ، حيّ، حيّ”
أديرة مترامية الاطراف حضنت آلاف الرهبان على مرّ العقود، و”خرّجت” منهم 3 قديسين لبنانيين: شربل مخلوف، رفقا الريس، ونعمة الله كساب الحرديني، اضافة الى الطوباوي اسطفان نعمه. حاليا، تضم “نحو 330 راهبا، الى جانب 40 في الابتداء، بما يجعل المجموع نحو 370″، بينهم 3 حبساء: الاب يوحنا خوند “الذي يهتم حاليا بتجديد النصوص الطقسية في دير مار انطونيوس- قزحيا”، الاب داريو اسكوبار، والاب انطوان رزق أحدثهم.

مقر الرئاسة العامة للرهبانية في دير مار انطونيوس-غزير.

عدد المبتدئين، كما يقرأه رزق، “مهم، بمثابة بركة من الله. ان تكون هناك دعوات بهذا العدد يعني ان الحياة الرهبانية لا تزال تجذب الشباب”. وهذا يعني ايضا، في رأيه، ان “القديسين الذين انتسبوا الى الرهبانية هم المشرقون. القديس شربل عالمي، وله تأثير بالتأكيد على الدعوات، على غرار القديسين الحرديني ورفقا والطوباوي نعمه. كذلك الامر بالنسبة الى الحياة المستترة التي يعيشها رهبان كثر يسعون الى الكمال، اكان في عملهم الرسولي ام الديري”.

دير اثري على كتف التلة، “تلة خشبو”. ابواب دهرية، قناطر مكحلة بالشمس، اروقة غارقة في سكينة سماوية. المكان يعدّ قديسين. في مقر الرئاسة العامة للرهبانية في دير مار انطونيوس-غزير، المشهد العام يدعو الى السرور. “نعم، تراث مار مارون مـتألق، وحي، حي، حي، لان يسوع المسيح حي فينا”، يؤكد رزق. “كل هذا التراث حي فينا، لانه تراث القديسين. هذا هو كنزنا وخميرتنا الصالحة، ولا يمكن ان ننحرف عن هذه الطريق، لان يسوع هو بالامس واليوم والى الابد”.

مدخل آخر للمقر.


“جيش” الـ1500 راهب وراهبة

لا خوف على التراث القديم جدا. 370 راهبا لبنانيا مارونيا يتنفسونه في صدورهم، على غرار بقية جنود “جيش” مار مارون. في الكنيسة المارونيّة، “مؤسسات رهبانية عدة، نسائية ورجالية، تضم حاليًا أكثر من 1500 راهب وراهبة”، وفقا لما تقول البطريركية الانطاكية السريانية المارونية على موقعها الالكتروني. وفي التعداد، 15 رهبانية مارونية، للرجال والنساء، في لبنان، اضافة الى ثلاثة في الولايات المتحدة الاميركية.

نشأة الكنيسة المارونية، “رافقتها منذ بدايتها، الحياة الرهبانية، بنمطيها النسكي والديري. فارتبط تاريخ الموارنة برهبان دير مار مارون الناسك وتلاميذه الذين لعبوا دوراً هاماً في حياة الكنيسة، بحيث شكّلت الحياة الرهبانية قلب الكنيسة المارونيّة في تجذّرها السرياني وانتمائها الانطاكي”.

و”اثر بناء دير مارون الشهير، بعد وفاته، تطوّرت الحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية، وازدهرت اذ بلغ عدد الرهبان والنسّاك في دير مار مارون وحده 800 راهب وناسك، اعتزل منهم 300 في الصوامع والمناسك المحيطة به، منقطعين للصلاة والتأمّل، بينما بقي الـ500 الآخرون مقيمين فيه، خاضعين لسلطة رئيس ونظام… ويجمع المؤرّخون واللاهوتيّون على ان دير مار مارون، بأسقفه ورهبانه ومؤمني الجوار، شكّل النواة الاولى لنشأة الكنيسة المارونية”(*).

تاريخها يزخر برهبان ونساك “استوطنوا منطقة الجبّة ووادي قاديشا وقنّوبين، بعدما ولّى الموارنة وجوههم شطر لبنان الشمالي، للحفاظ على حرية معتقدهم الديني بعد الفتح العربي… فازدهرت الحياة الرهبانية والنسكية في الوادي المقدّس”. وفي اواخر القرن السابع عشر، بدأت مرحلة جديدة من الاصلاح التجديدي والتنظيمي الرهباني، عبر تشكيل منظّمات رهبانيّة مارونية منظمة، اوّلها الرهبانية اللبنانية المارونية العام 1695.

من نافذة الكنيسة… نظرة خاطفة على احد اجزاء الدير.

“امينة مئة بالمئة”
“انها رهبانية عريقة تنتمي الى تراث رهباني قديم، التراث السرياني الذي تعود جذوره الى اوائل نشأة المسيحية في الشرق. ولا يمكن ان نفصلها عنه اطلاقا. هويتها تستمده من هذا التراث الذي عمقه الانجيل وتعاليم سيدنا يسوع المسيح”، يقول رزق.

اين القديس مارون في الرهبانية؟ يجيب: “مارون يمثل تيارا كبيرا في التراث السرياني الذي هو التراث التنسكي الزهدي. عاش في العراء، في الزهد والتنسك، متخليًّا عن كل شيء في الدنيا، ما عدا يسوع الذي هو الضروري الاوحد. وعاش ايضا للشهادة. لم يكن مجرد ناسك، بل كان مبشرا بطريقة حياته… كان طالب كمال، ونجح جيدا في مشواره الى الكمال. ونحن ننشىء الرهبان على طريق الكمال، ونأخذ من مار مارون سعيه الى الكمال والزهد والتقشف… بالطبع، شخصه لا يزال حاضرا بقوة في رهبانيتنا، ونتخذه مثالا لنتشبع به”.

322 سنة مرّت. تغيّرات، “صعوبات”، “نمو وازدهار”… وفيها، “بقيت الرهبانية امينة مئة بالمئة لتراثها”، يؤكد رزق. نعم، “تأقلمت” مع التغيّرات على مرّ العقود، لكنها “بقيت امينة مئة بالمئة للتيار الغني الذي تنتمي اليه، تيار الحبساء والزهاد. من الاساس، لم تتحوّل وجهتها”.

الكنيسة… حيث يصلي كل يوم الرهبان.

*ولكن اين الوجه النكسي في الرهبانية حاليا؟
-نعيشه في الروحانية. روحانيتنا لم تتغير على مر القرون، وهي نسكية… لم تُجبر الرهبانية على ترك هذه الممارسة. لكن مع تغيّر الظروف، اخذت الرسالة حيزا اوسع من الحياة التوحدية ضمن الدير. لقد مشينا مع التغيير”.

ابتداء من القرن التاسع عشر، توجهت الرهبانية اكثر الى الرسالة، وتحديدا “التربوية”، ووسّعتها في القرن العشرين عبر انشاء مدارس وجامعات، وايضا مستشفيات وغيرها. “الطابع النسكي بقي، لكن مع عمل رسولي واجتماعي وتبشيري اوضح”، يوضح رزق.

احد “الابواب” الاثرية الاخرى.

ملف المطران قرأعلي
اول رهبانية مارونية منظمة، “الاكبر عددا اوّلا- شهد عدد الرهبان فورة قارب خلالها الـ800 في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر- والاكثر حضورا في لبنان”… والاولى ايضا التي “وضعت قانونا لحياتها الديرية” سُمِّي “القانون الاسود” بسبب لون جلدته الخارجية، واقرته روما العام 1732. “والاكثر انه شكّل نموذجا لبقية الرهبانيات المنظمة اللاحقة في الشرق، مارونية وغيرها، لانه وضع بطريقة كنسية ولاهوتية مدروسة جدا”، يقول رزق. وقد لحقه التطوير مرتين: العام 1974، تطبيقا لتوصيات المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، والعام 2006.

منذ البطريرك الاول مار يوحنا مارون الاول (القرن السابع) الى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، 77 بطريركيا مارونيا، مع لائحة قديسين موارنة يتصدرها القديس مارون، “ابو الكنيسة المارونية”، وتضم القِديس يُوحَنَّا مارون، وتلاميذ القديس مارون: مار يعقوب، مار سمعان العمودي الكبير، القديسات كيرا ومارانا ودُومْنِينَا، رهبان مارون “القِديسون الـ350″، اضافة الى القِديسَة مارينا “راهِبَة قَنُّوبِين”…

وابرزهم ايضا ثلاثة: شربل، رفقا، والحرديني، يضاف اليهم الطوباوي نعمه. طعم القداسة يروق للرهبانية اللبنانية المارونية. الاربعة منها. “وثمة فكرة او سعي الى مباشرة ملف تقديس احد مؤسسيها، المطران عبدالله قرأعلي، بناء على حياته وكتاباته الروحية، واهمها “المصباح الرهباني”، يقول رزق. وقد عُرف ايضا بسعة علمه، لاسيما في الاشتراع، بحيث “تكلم عنه “المجمع اللبناني” كمشترع على مستوى الشرق، واعتبرت كتبه الاشتراعية مرجعا”.

 تعد الرهبانية بمزيد من القديسين، بكل سرور. ببلوغها اراض بعيدة جدا، يبقى “طموحنا السعي دائما الى الكمال، الى يسوع والقداسة. هذا هو الهدف”، يؤكد رزق. “طموحنا ان ننشىء قديسين، ونخدم مجتمعنا من خلال هذه القداسة”.

(*)المجمع البطريركي الماروني، الملف الثاني، النص 8، “الحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية، التجدّد الراعوي والروحي في الكنيسة المارونية- في الاشخاص.

hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*