بالصور والفيديو- جولة في شارع الكنائس بطرابلس… التاريخ والتآخي

رولا حميد
02082018
النهار

تعددت الكنائس فيه، فأطلق عليه اسم شارع الكنائس، واحد من أهم رموز التفاعل المسيحي – الإسلامي. ونظراً إلى تعدّد كنائسه، يغلب على الشارع الطابع المسيحي في مدينة إسلامية بامتياز.

الشارع الذي يحتوي على كثافة كنسية، يشهد حضوراً إسلامياً لافتاً أيضاً، ويمكن اعتباره نتيجة لذلك، شارع تفاعل بين مختلف فئات المجتمع، من مسيحيين ومسلمين.

سفير لبنان السابق في الكويت الدكتور خضر الحلوة ينطلق من شارع الكنائس لعنونة كتابه الذي جسد صيغة العيش المشترك التي شهدتها طرابلس ككل، وبلغت ذروة مجدها في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. ويتذكر الحلوة المدينة، وعيشها المشترك، ووفود الجوار اللبناني، وكذلك المسيحيين السوريين والعراقيين، إليها. ويستعرض في كتابه “شارع الكنائس” صيغة العيش التي سادت تلك المرحلة، مع تفاصيل عن نمط العلاقات بين فئاتها، وحالات التآخي التي عاشها المجتمع الطرابلسي.

نشأ الشارع نقطة وصل بين المدينة القديمة في زمن خروجها من الحيّز القديم، أي المدينة المعروفة بـ”المملوكية”، مع الامتداد العمراني المتّجه من الزاهرية باتجاه الشرق في توسّعها الناجم عن التكاثر السكاني. وفي مساحة بين الزاهرية والأحياء القديمة، قام تجمّع ضخم للمدارس، منها الإرساليات الأجنبية، كمدرسة “الفرير” سنة ١٨٨٦، والآباء الكرمليين سنة ١٩٢٢، ومدرسة طرابلس الإنجيلية سنة ١٨٧٣ (أقدم الإرساليات)، ومن المدارس الوطنية مدرسة الروم الأورثوذكس للبنات سنة ١٩٢٠، وعلى مقربة منه مدرسة “الراهبات اللعازاريين”.

مواكبة لقيام المؤسسات التربوية الضخمة بالنسبة لعصرها، كانت تنشأ الكنائس الواحدة تلو الأخرى. عدا عن كنيسة مار نقولا (١٨٠٩) الأقدم بين شقيقاتها، قامت كنيسة مار جرجس للروم الأورثوذكس بين أعوام ١٨٦٢

و١٨٧٣، فكنيسة مار مخائيل للموارنة سنة ١٨٨٩، كذلك كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك التي بنيت في القرن التاسع عشر، وكنيسة اللاتين التابعة لمدرسة الآباء الكرمليين.

بين نشوء المدارس، الإرسالية منها والوطنية، وقد غلب عليها الطابع المسيحي في تلك الفترة، وساهم في نشوئها قانون التنظيمات العثماني، من جهة، وقيام الكنائس، من جهة ثانية، مؤشر لحضور مسيحي إلى الشارع، سبقه حضور مماثل إلى الزاهرية في مزيج من سكان المدينة المسيحيين الخارجين من الحيّز القديم للمدينة، ومن الوافدين من مختلف المناطق الشمالية التي تحفّ بطرابلس.

في الحيّز القديم من المدينة، خرجت عائلات طرابلسية مسيحية عديدة مثل الروس وغريب ونحاس وخلاط وسواهم، وفيه أيضاً وافدون من الخارج أمثال آل عبيد، أهل النائب جان عبيد، ومنزلهم القديم في الطرف الداخلي لحارة النصارى، وهي مساحة التلاقي بين الشارع العام الحديث، شارع الكنائس، والداخل الطرابلسي القديم في المحلة المعروفة بالتربيعة. كذلك بدأ خروج العائلات المسلمة مثل ياسين، وشرف الدين، والطرطوسي، وعائلات أخرى كثيرة تواصلاً مع ما كان يجري في محيط ساحة التل إثر بناء السراي العثماني أواخر القرن التاسع عشر.

تجمّع المدارس في هذه المنطقة جذب إليها سكان المدينة الذين كانت لهم منازلهم، لكن الوافدين من الأرياف كانوا يبحثون عن منازل في المحيط الذي قامت فيه المدارس، وكان السبب الرئيسي لنزولهم إلى المدينة هو تعليم أبنائهم، فأقاموا في الزاهرية بدايةً، وامتدت إقامتهم إلى الشارع الذي عرف لاحقاً بشارع الكنائس بعد أن بات مأهولاً، ومتشكلاً كشارع يجمع بين العمل التجاري والمهني، وبين السكن.

الأبنية التي نشأت في الشارع حديثة الطابع على بساطة، أي بنيت لاستقبال متواضعي الدخل، وجلّهم من الأرياف الذين يعتاشون من الزراعة وأموال الهجرة. وكانت خفيضة لا تتعدى الثلاث طبقات. تؤشر حداثتها على أنها تعود لخمسينيات القرن الماضي، وهي تختلف عن الطابع التراثي للأبنية التي قامت منذ مطلع القرن على ساحة التل، وامتدت باتجاهات مختلفة، ومنها إلى الخط العام في الزاهرية. بينما تتشابه أبنية الشوارع الداخلية للزاهرية مع أبنية شارع الكنائس الأكثر حداثة.

كما في الزاهرية، كذلك في شارع الكنائس، اكتظّت الأحياء بالسكان الوافدين من خارج المدينة. ففي كل بناية تجمّع متنوع للناس القادمين من عكار أو زغرتا أو الكورة، وأيضاً من بشري أو البترون. وفي إقامة كثيرين منهم، افتتحوا المحالّ التجارية، والمصالح المختلفة.

تلاقى أبناء الريف الوافدين مع حركة مماثلة من أبناء المدينة من مسيحيين ومسلمين، أقاموا منشآتهم وحرفهم، واختلط المقيم الأصلي مع الوافد في تشكيلة ديموغرافية، وثقافية شديدة التنوع، وبذلك شكل شارع الكنائس حيزاً تفاعلياً بين المدينة القديمة، ومجتمعها، وامتداداً على حدودها الغربية، والمدينة الحديثة بما تستضيفه من الريفيين.

لذلك، لم يكن لشارع الكنائس طابع وحيد، فهو مزيج من المقيم والوافد، فلا عجب أن يكون على جوانب الشارع ثلاثة مساجد، الجامع الحميدي، ومسجد الرفاعية، والمسجد الأسعدي، وفي داخله الكنائس التي قد يلامس قبة جرس أحدها مئذنة الجامع المجاور، مثل كنيسة مار نقولا والجامع الأسعدي، ويفصل بينهما مبنى صغير من طبقتين، يعود لوقف “طورسينا” اليوناني.

والجامع “الحميدي” يقع بين مطرانيتي الروم الكاثوليك، والروم الأورثوذكس في مسافة أقل من مائة متر. وقد تسببت أحداث ١٩٨٥ بتدمير المطرانية الأورثوذكسية، فنقلت إلى منطقة الضم والفرز. كما تتجاور كنيسة مار جرجس مع جامع التوبة وهي تقع على مدخل طرابلس القديمة، مثل مار نقولا.

ومار مخائيل المارونية لم تتوقف عن استقبال المصلين بعد أن يقرع جرسها الكهربائي عند السادسة صباحاً، لتستقبل المصلّين الذين تراجع عددهم.

لم تتوقف أجراس الكنائس عن القرع، مثلما لم تتوقف المآذن عن التكبير، ولم يمنع وجود هؤلاء من حضور أولئك، فتشكل خط فسيفساء اجتماعي وثقافي وديموغرافي نادر، عرف بشارع الكنائس في مدينة إسلامية بامتياز، مورست فيه كل طقوس الطوائف والمذاهب والأديان، وعاداتهم وأعيادهم، وألهم الحلوة لوضع كتابه عن الشارع نموذجاً لحياة المدينة في القرن العشرين، خصوصاً في النصف الثاني منها.

يصف الحلوة الشارع بقوله: “جمع الكنائس مع الجوامع جنباً إلى جنب..كنائس وصلبان، جوامع ومآذن من التاريخ القديم إلى التاريخ الحديث تتجاور وتتحاور.. إنه سحر شرقي فريد لم يعرفه الغرب..”.

اكتظّ شارع الكنائس بالسكان، وتفاقمت الحركة، وتلاقى طلاب مختلف المدارس مع زملائهم، ومنهم تلاقى الأهالي، عدا عن تلاقي الجوار والتلاصق المنزلي، فنشأت حياة طبيعية عالية التفاعلية قلّ نظيرها.

أما أكبر دليل على طبيعة الشارع، فهو ما كان يحصل صيفاً إثر انتهاء العام الدراسي، حيث كان يفرغ من السكان، وتتراجع الحركة فيه. فالأهالي الوافدون من الأرياف للعلم، يعودون لقضاء الصيف في قراهم الجبلية الأكثر برودة، كما يصعد إليها سكان طرابلس الأصليون لقضاء فترات صيف جميلة، فيستمر التواصل والتفاعل على مدار العام.

يصف الحلوة الواقع الصيفي للشارع، كما للعديد من أحياء المدينة، بالقول: “يحلّ فصل الصيف على المدينة وأهلها الذين اعتادوا الاصطياف والصعود إلى قرى الجبل الشمالي ليتمتعوا بجمال الطبيعة وهوائها النقي”.

وعن العودة، يقول: “يأتي الخريف، يؤذن بحلول البرد والشتاء، وببدء العودة نحو المدينة.. وفدوا إليها من سفوح الأرز، وجوار قنّوبين، من أعالي دوما، وتنورين، كما من أعالي القبيّات وبينو، تدفأ في أحيائها أهل حدشيت وكفرصغاب، وتوجه إليها أهل جبيل والكورة والبترون، ليشكلوا تشكيلاً بشرياً فريداً من الغنى والتنوع”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*