باب الجابية في دمشق: ذكريات مؤرخ وأوقاف ولاة عثمانيين

 

 

محمد تركي الربيعو
Sep 29, 2018
القدس العربي

■ على امتداد ثلاثة عقود وأكثر، والمؤرخ الكوسوفي السوري محمد م. الارناؤوط لا يكلُّ ولا يملُّ من البحث في التاريخ العثماني أو المعاصر لمدن الشام.
وإذا اعتبرنا وجود جيل أول أسس لحقل الدراسات العثمانية، أو بالأحرى أعاد النظر في التاريخ العثماني للمنطقة في فترة الثمانينيات أو ما قبلها بقليل من القرن الفائت، فيمكننا القول إن أهم ما قدمه هذا الجيل هو القطع مع نظرية الانحدار العثماني، وفق تعبير جين هاثاواي المؤرخة في جامعة هاواي؛ وهي نظرية ترى أنه مع حلول القرن السادس عشر، بدأت المنطقة تشهد تدهورا في أحوالها، مقارنة بالقرنين الرابع عشر والخامس عشر، وهو انحدار سيتواصل إلى بداية فترة التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر. والأهم، أن هذا الجيل الأول (عبد الكريم رافق، وعدنان البخيت) جاء في وقت كان فيه مغامرو الأيديولوجيا العربية ما زالوا متحمسين لفكرة رفض الذاكرة العثمانية، وكأن التاريخ وفق تعبير ألبير أورتايلي يمكن تقطيعه كما يقطّع الكعك المحلى، ومتناسين في الوقت ذاته أن رواد ومؤسسي الجمهوريات العربية الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين كانوا في الأساس باشاوات عثمانيين أو «جنتلمانات عثمانيين»، على حد وصف وليام كليفلاند في دراسته الرائدة لشخصية شكيب أرسلان. وهو موضوع كان محل نقاش واسع من قبل المؤرخ الأمريكي مايكل بروفنس في كتابه «الجيل العثماني الأخير وصناعة الشرق الأوسط الحديث».
ولدراسة هذه الفترة (من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر) كان لا بد أن تترافق القطيعة حيال تلك الرؤية الباردة للتاريخ المحلي العثماني مع دراسة مصادر أخرى، مثل سجلات الطابو، عدنان بخيت، أو الاهتمام بدراسة البنى الاجتماعية والاقتصادية لبعض الأحياء في دمشق من خلال سجلات المحاكم الشرعية، كما نرى مثلا في دراسة عبد الكريم رافق لحي باب مصلى (الذي عُرِف باسم ميدان الحصى أو الميدان التحتاني).
أما جهود الجيل الثاني ( محمد م. الأرناؤوط مثالا) فقد تميّزت بالسير في دروب أخرى للعبور إلى الحياة اليومية لمدن الشام العثمانية، وربما أهم ما ميز هذا الجيل عن الجيل الأول كذلك، أن مقالاته ودراساته باتت أكثر انتشارا في ظل اعتماده على النشر في صحف عربية/لبنانية، بينما بقي الجيل الأول ينشر دراساته في مجلات جامعية وداخل أقسام التاريخ، وهي أقسام كان يطالها النسيان مقارنة بالفروع العلمية الأخرى، كما ترى اليزابيث لونغنيس في سياق حديثها عن سوسيولوجيا المهن في المشرق العربي. وهذا ما جعل نتاجهم أقل تداولا بين جمهور القراء (خاصة لدى جيل السبعينيات والثمانينيات) مقارنة بالجيل الثاني وفترة منتصف التسعينيات.
وبالعودة لمؤلفات الأرناؤوط نجد أن ذكرياته وفترة شبابه التي قضاها في مدينة دمشق بقيت ترافقه في بريتشنيا (بعد انتقاله هناك للدراسة، ولاحقا العمل في معهد بريتشنيا للاستشراق) وبالأخص رحلته للمدرسة، إذ كان يمر «في طريق المدرسة مرتين على الأقل بجامع سنان باشا في باب الجابية، الذي يمتاز بجمالية فنية خاصة، ما جعل هذا الجامع يدخل في تكوين طفولتي. وقد توطدت هذه الصلة أكثر في مطلع السبعينيات، حيث استقررت في بريتشنيا جنوب يوغسلافيا/سابقا، إذ وجدت نفسي قرب الموطن الأصلي لسنان باشا وقرب جامع آخر له». وفي بريشتنيا عمل الأرناؤوط في معهد الاستشراق التابع للجامعة، وهناك تأثر بمنهج المؤرخ الألباني الراحل حسن كلشي، على صعيد الاهتمام بالوثائق الوقفية، خاصة بعد نشر كلشي لكتابه «أقدم الوثائق العثمانية باللغة العربية في يوغسلافيا».
إذن فذكريات الأرناؤوط عن جامع سنان باشا، بالإضافة لمنهج حسن كلشي في دراسة الأوقاف، دفعاه إلى العودة لقراءة تاريخ مدينة دمشق من بوابة «باب الجابية» (سمي بذلك نسبة للجهة التي تقود إلى منطقة باب الجابية في سهل حوران ومن ثم إلى الحجاز) وهو حيز من المدينة سيشهد مع القرن السادس عشر تطورا كبيرا على صعيد معالمه العمرانية، التي ما زالت ماثلة إلى يومنا هذا، وهنا أشير بالأخص إلى جامع السنانية وسوق السنانية، وقد عرفت هذه البوابةُ بوصفها بوابةَ القادمين والمسافرين إلى الحج. حاول الأرناؤوط دراسة التطور العمراني الذي شهده هذا القسم من مدينة دمشق، من خلال تحقيق وقفية سنان باشا ونشرها في بداية التسعينيات ضمن كتاب «معطيات عن دمشق وبلاد الشام في القرن السادس عشر».
مع أوقاف سنان باشا نجد أن المدينة كانت تشهد تطورا عمرانيا باتجاه الجنوب/باب الجابية، كما نجد أن الوالي سنان باشا، قام ببناء سوق السنانية، الذي يحتوي على 74 دكانا مع 34 حجرة من الحجرات العلوية. ولا تكتفي وقفية سنان باشا بحصر الدكاكين، بل تكشف لنا كذلك عن تاريخ عدد من المهن في المدينة في تلك الفترة، والأجور التي كان يتقاضاها أصحاب هذه المهن، مما يتيح لنا تصور الوضع المعيشي لأصحاب هذه المهن وللأسعار بشكل إجمالي داخل المدينة.
كما نعثر في وقفية الوالي أحمد باشا، التي عمل الأرناؤوط على تحقيقها ودراستها وأعاد نشرها مؤخرا، ضمن كتاب جديد صدر له بعنوان «من التاريخ الحضاري لبلاد الشلام خلال القرن الأول للحكم العثماني»، على معرفة أدق بالتغيرات العمرانية المبكرة التي أدخلها العثمانيون على أجزاء من المدينة، من خلال بناء أسواق وخانات جديدة مثل، سوق السيباهية، والأروام وخان الخياطين.
بيد أن دور وثائق الأوقاف، بالنسبة للأرناؤوط، لم يقتصر على رصد التطور العمراني والمعيشي للمدينة، بل استطاع أن يكشف من خلالها، عن الأجواء الثقافية التي كان تشهدها هذه الأوقاف، خاصة على صعيد المقاهي التي بناها بعض الولاة مثل سنان باشا، كجزء من الأوقاف. وكانت المؤرخة الفرنسية بريجيت مارينو قد كشفت في دراستها لتطور حي الميدان في الفترة العثمانية، عن دور الطريقة الصوفية السعدية، في بناء المقاهي داخل الحي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. لكن الأرناؤوط استطاع العودة بنا إلى الحكاية الأولى لدخول القهوة والمقاهي للمدينة (وهو ما خصص له فصلا من الكتاب الجديد) وكان قد خصص في السابق كتابا خاصا به بعنوان «من التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي»، فكشف عن تاريخ أقدم لدخول القهوة من خلال العودة لبدايات القرن السادس عشر. إذ لعبت بعض الطرق الصوفية والولاة دورا في إدخال القهوة إلى المدينة؛ وبالأخص الطريقة الشاذلية، وقد أصبحت علاقتهم بالقهوة وطيدة إلى حد أن اسم القهوة أو شربها أصبح يرتبط بشكل وثيق بالشاذلي، وهو تراث بقي مستمرا إلى مطلع القرن العشرين في دمشق، فكان الكثير من أصحاب البيوت يسكبون الفنجان الأول من القهوة على الأرض لأنها «حصة الشاذلي».
وتكشف لنا ذاكرة المقاهي في دمشق خلال تلك الفترة عن خلاف ثقافي وفقهي شهدته المدينة بخصوص القهوة، وبالأخص الطقوس التي كانت تصاحب شربها، إذ كانت تُوزّع وتُقدّم بطريقة شبيهة بتقديم الخمر، وهو ما عده بعض الفقهاء الشافعيين في المدينة بمثابة انحلال أخلاقي، ويبدو أن الخلاف الفقهي بقي مستمرا إلى نهايات القرن التاسع عشر.
ختاما، ليس من المبالغة القول إنه كما مثل باب الجابية مدخلا للأرناؤوط لإعادة قراءة تاريخ دمشق، فإن دراسات الأرناؤوط تمثل بالنسبة لجيلي على الأقل مدخلا لفهم تاريخنا المحلي وللتصالح مع ذاكرتنا العثمانية.

٭ كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*