“بابا” يوسف شاهين

محمود الزيباوي|السبت27/01/2018

Almodon.com

يوم الأحد الفائت، أحيا “مركز الفنون” في مكتبة الإسكندرية الذكرى العاشرة لوفاة المخرج السينمائي يوسف شاهين، وعرض فيلم “بابا أمين” الذي يعود إلى عام 1950، وهو أول أفلام شاهين، وقد أخرجه وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وأثار بأسلوبه المميّز إعجاب العديد من كبار العاملين في الحقل السينمائي. 

مع جان كوكتو وعمر الشريف عند عرض “صراع في الوادي” في مهرجان كان 1954.

في 25 أيلول/سبتمبر 1950، نشرت “مجلة الفن” بطاقة تعريف بالمخرج السينمائي الجديد جاء فيها: “هو الشاب والجنتلمان يوسف شاهين. سافر الى أميركا، ودرس السينما، وعاد بعد دراسته من دون أن تسبقه دعاية الطبل أو الزمر كما هي العادة في مثل هذه الأحوال. وبدأ في إخراج فيلم “بابا أمين”، وانتهى منه، ولم يشأ أن يقول كلمة عن نفسه. وقد قُدّر لنا أن نشاهد هذا الفيلم في عرض خاص في قاعة سينما ريفولي، ولا يسعنا الا أن نتوقّع من الآن ما سيكون للأستاذ يوسف شاهين من مستقبل عظيم في صناعة السينما، وسيكون إخراجه لفيلم “بابا أمين” خير دعاية له”. بدأ عرض الفيلم في 20 كانون الثاني/ نوفمبر، وحمل الإعلان الصحافي صورة منه تجمع بين فاتن حمامة وفريد شوقي، ترافقها كلمة دعائية تقول: “قصة لم تُطرق إلى الآن في فيلم مصري، وسيتردّد من يحاول السير في نهجها. الفيلم الذي أثار الوسط الفني
قبل خروجه من الأستديو إلى شاشة العرض. فيلم ولا كل الأفلام”.

مع أورسون ويلز عند عرض “ابن النيل”، 1952.

 

لا يزال “بابا أمين” حياً في الذاكرة الجماعية، والقنوات التلفزيونية العربية تبثه باستمرار بين حين وآخر، وقصته يعرفها جمهور السينما المصرية العريض، وأبطالها أمين زهدي وأسرته الصغيرة المكونة من زوجته زهيرة، وابنته الصبية هدى، وابنه الصغير نبيل، وقد جسّد أدوارهم حسين رياض وماري منيب وفاتن حمامة وعصام عبده. تهوى هدى جارها العالم الشاب سي عمر، وتهوى جارتها سونيا المنافق رشدي صاحب التياترو، ويلعب هذه الأدوار كمال الشناوي وهند رستم وفريد شوقي. يشتري بابا أمين منزلاً بالتقسيط، ويسعى لربح المال لتسديد المبلغ المطلوب، كما ان ابنته في سن الزواج، وعليه أن يؤمن مصاريف فرحها، ويدفعه ذلك إلى الدخول في مشروع تجاري مع صديقه مبروك أفندي، ويسلّمه كل مدخراته من دون أن يأخذ منه وصلاً بالمبلغ. يحل شهر رمضان، ويمتنع بابا أمين عن أخذ الدواء ليصوم، رغم نصيحة الطبيب له بالإفطار بسبب وضعه الصحي، ثم يدخل ليغفو، ويرى نفسه ميتاً، ويحاور والده المرحوم الذي يلومه على التفريط في كل مدخراته، ثم يشاهد عائلته وهي تعاني من الفقر والعوز، بعدما أخفى مبروك أفندي عنها انه مدين لها بالمدخرات التي سلّمها له، ويجد نفسه عاجزاً وسط زوجته وابنته الصبية وابنه الصغير، وهو يراهم ويسمعهم، لكنهم لا يرونه ولا يسمعونه. تتحول الأم إلى خياطة، وتعمل الابنة في تياترو النصاب رشدي، وتوهم والدتها بأنها تعمل كممرضة لتسدد مبلغ المال التي يطالب المقاول بها. يسوء الوضع حين يمتنع رشدي عن الدفع لهدى ويحاول الإيقاع بها، وتضطر زهيرة إلى بيع أثاث بيتها، ويصحو بابا أمين هنا من هذا الكابوس، فيسارع إلى استرداد ماله من مبروك أفندي، ويعود ليسهر على عائلته بعد أن رآها تضيع في حلمه الطويل.


يوسف شاهين، مخرج “بابا أمين”، 1950.

استُقبل الفيلم بحفاوة كبيرة عند إطلاقه، وعقدت مجلة “الفن” ندوة للحديث عنه ضمّت المخرجَين صلاح أبو سيف وفطين عبد الوهاب، والمنتج جورج منصور بك، والسيناريست محمود السباع، والمصوّر محمد عزت لعرب، وقال يوسف شاهين في البداية: “أرجوكم أن لا تجاملوني، فقد جئت اليوم لأعرف عيوبي قبل حسناتي”. رأى محمود السباع أن قصة الفيلم من نوع جديد محلياً، غير ان فكرتها قد سبق وعولجت في الأفلام الأجنبية، واعتبر أن شخصية بطلها بابا أمين ليست واضحة تماماً، وشاركه صلاح أو سيف في هذا الرأي. فردّ فطين عبد الوهاب، وقال إن شخصية البطل لم تكن غامضة الى هذا الحد، ذلك أنه نراه يفاوض في مشروع تجاري في الخفاء. في المقابل، أوضح يوسف شاهين فكرة فيلمه، وقال انها تنقل “صورة عن العائلة المصرية المتوسطة وآمالها ومطامعها”. فعلّق جورج منصور بك، وقال إن رسالة الفيلم تقول: “كن حذراً من مفاجآت الزمن واعمل حساب المستقبل”، وقد نجح في نقل هذه الرسالة إلى الجمهور. امتدح فطين عبد الوهاب هذه القصة التي خلت من كل اسفاف وتميّزت بحوارها المتين، كما امتدح قيادة المخرج للممثلين وحركة الكاميرا، وأضاف “قدم الفيلم مخرجاً جديداً نرحب به نحن السينمائيين كل الترحيب، وأنا واثق انه سيقدّم لنا أفلاماً ممتازة في المستقبل”. وأضاف صلاح أبو سيف: “شخصيته في قيادة الممثلين كانت واضحة جداً، وكانت تدل على أسلوبه في الإخراج. انها بداية طيبة له، وأنا أرجو له توفيقا أكثر مما صادفه في هذا الفيلم”.

من جهة أخرى، اعتبر الحاضرون أن كمال الشناوي أخفق وحده في تمثيل دوره، فردّ شاهين، وقال: “كان مرتبطاً بالعمل في أكثر من فيلم واحد اثناء تصوير الفيلم، فإذا كان دوره في الفيلم لم يفز بتقديركم، فالذنب ليس ذنبي وانما هو ذنب الممثل الذي كان يوزع جهوده في أفلام كثيرة في وقت واحد”. في ختام الندوة، قال المنتج جورج منصور بك: “انني كمنتج أتمنى ان يكون هذا الفيلم من انتاجي وتوزيعي”. وقال السيناريست محمود السباع: “هذا الفيلم من الأفلام الجديدة التي توازي الأفلام الأميركية، وقد أثبت المخرج انه مخرج يفهم عمله فهما تاما”. وقال صلاح أبو سيف: “ان نقدنا لهذا الفيلم كان يتسم بطابع الشدة وهذا يرجع الى انه فيلم ممتاز وان مخرجه اثبت كفاءة ومقدرة تجعلنا نحاسبه حسابا عسيرا على كل خطأ ولا نغفر له أي غلطة”. وقال فطين عبد الوهاب: “هذا الفيلم ناجح ومشرف للصناعة المصرية”.

نجح يوسف شاهين في فيلمه الأول، وتعاقدت معه ماري كويني لإخراج فيلم “ابن النيل” من بطولة فاتن حمامة وشكري سرحان، وعرض هذا الفيلم في العام التالي. وفي العام 1952، قدم يوسف شاهين فيلم الثالث “المهرج الكبير”، وأدار للمرة الثالثة فاتن حمامة مع يوسف وهبي، ثم أدار ليلى مراد في “سيدة القطار”. وفي 1953، تعاون من جديد مع المنتجة ماري كويني، وأدارها مع هدى سلطان وعماد حمدي وكمال الشناوي في “نساء بلا رجال”. في لبنان، قدّم فريد أبو شهلا في مجلّة “الإذاعة” عن هذا الشاب “الزحلاوي الذي درس في هوليوود وأصبح مخرجاً في مصر يخلق مدرسة جديدة في الإخراج السينمائي”، وكتب معرّفا به: “هو لبناني الأصل، وابن الأستاذ أديب شاهين صوايا المحامي الذي هاجر من زحلة إلى الإسكندرية أبان الحرب العالمية الأولى. وُلد عام 1926 في الإسكندرية، وتلقّى علومه في مدرسة فكتوريا كوليدج وحصل فيها على شهادة أكسفورد. سافر إلى الولايات المتحدة عام 1946، وقصد مدينة باسادينا (كاليفورنيا) لدرس الفن التمثيلي في معهدها، وبقي في معهد التمثيل الدرامي زهاء سنتين، ثم تدرّج على العمل السينمائي في استديوهات هوليود بصفة طالب متفرج، وعاد إلى مصر سنة 1949، وبدأ عمله بفيلم “بابا أمين”، فأصاب الفيلم نجاحا ملموسا، اذ أدخل على على صناعة السينما المصرية تغييرات هامة. وكانت السيدة ماري كويني قد شاهدته اثناء العمل، فأعجبت بأسلوبه، وشعرت أنه يحمل شيئا جديدا، فتعاقدت معه لإخراج فيلم “ابن النيل” لحسابها. عُرض هذا الفيلم في مهرجان فينيسيا، وشاهده أئمة السينمائيين وبينهم أورسون ويلز الذي أبدى رغبته في مقابلة مخرج الفيلم لتهنئته شخصيا. وكذلك عرض الفيلم في مهرجاني كان وبومباي، وحضره المخرج الأميركي فرانك كابرا وقد أقام مأدبة غذاء على شرف يوسف شاهين لشدة اعجابه به”.

حاور فريد أبو شهلا المخرج “الزحلاوي” الشاب، ونقل عنه قوله: “أحببت أن أجازف بإخراج أفلام تكون بمثابة الطليعة نحو عهد جديد، وأنا على يقين من أن الأعين تترقب عملي باهتمام، فإذا ما نجحت هب الآخرون إلى سلوك الطريق الذي فتحته، وإذا ما فشلت كنت الوحيد الذي يدفع الثمن”. وكتب في ختام مقالته: ” ان المدرسة الجدية التي ينشئها يوسف شاهين مدرسة عامة تشمل جميع العاملين في صناعة السينما من المنتج إلى المخرج إلى أصغر عامل في الاستديو، وهي سوف لن تتم في أيام أو شهور ولكنها ستتمّ حتماً”.

تابع يوسف شاهين مسيرته بثبات، وأدار مرة أخرى فاتن حمامة في “صراع الوادي” سنة 1954، وقدّم في هذا الفيلم وجها جديدا اكتشفه وأطلقه بطلا باسم عمر الشريف. عُرض الفيلم في مهرجان كان حيث أبدى مدير المهرجان الأديب والسينمائي الفرنسي جان كوكتو إعجابه به، وكتبت مجلة “الكواكب” يومها: “أجمع النقاد العالميون على أنه فيلم ممتاز حقا، وان مصر بهذا الفيلم وأمثاله تخطّت النطاق الإقليمي الذي ظلّت أفلامها تحبو داخل حدوده إلى النطاق العالمي الواسع”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*