اهربوا إلى الكتب اهربوا إلى المكتبات!


كاتيا تاطويل
النهار – باريس
01122017

مكتبة السوربون.

على هامش معرض بيروت الدولي للكتاب 61، أنا المقيمة موقتاً في صقيع باريس وقسوتها، لمتابعة التحصيل الجامعي العالي، يطيب لي أن أحيي دفء بيروت وحنانها و… كتابها، بالهرب إلى كتب باريس والمكتبات.

قال بورخيس ذات مرّة إنّه يتخيّل الفردوس مكتبة. حسنًا يا صديقي! أهلاً بك في الفردوس الباريسيّ! لا حوريّات هنا ولا أنهار من العسل. فقط أنهار من الأحلام وأزقةٌ تفضي إلى الأمان. مكتبات عامّة لا عدّ لها ولا حصر. صرير خشب حالم وبخّور سنوات من الإنسانيّة التي لا تنفكّ تدفع نفسها نحو الأمام. نحو الخلود.

المكتبة الوطنية الفرنسية 

مكتبات عامّة يأتيها ذوو الأرواح الرقيقة، أولئك الهاربون من شيء، من أحد، ليجلسوا فيها ويلتهموا كلمات أولئك الذين سبقوهم على درب. مكتبات كثيرة لا بدّ لمن يزور باريس من أن يتوقّف فيها ليشعر برهبة التاريخ والكلمات. مكتبات عامّة مجّانيّة “تشيل الهمّ عن القلب” وتُنسي المرء غربته ووحدته وصوت باريس التي تنهره صباح مساء. مكتبات تشبه بحنانها حضن البيت. ذاك البيت البعيد الذي بات بعيد المنال. مكتبات جميلة كالابتسامة. متوهّجة كالعشق.

أربع مكتبات لا يمكن الحديث عن المكتبات الباريسيّة من دون ذكرها.

أوّلاً هناك طبعًا المكتبة الوطنيّة أو مكتبة فرنسوا ميتيران وهي المكتبة العامّة الرائعة التي تُعدّ سابع أكبر مكتبة في العالم وهي الوجهة الأولى لمن يرغب في التنسّك وترك ملاذ الدنيا الفانية. مكتبة ترتفع في أربع زوايا تجمع كلّ ما نُشِر بالفرنسيّة وتخبّئ بين جدرانها ملايين الفلاسفة والمفكّرين والباحثين.

ثانياً، مكتبة القدّيسة جينفياف، راعية مدينة باريس وشفيعتها ومخلّصتها من كوارث كثيرة، ولا تزال تنقذ الباريسيّين وتسهر على ثقافتهم. مكتبة القدّيسة جينفياف في الدائرة الخامسة، هي من أجمل مكتبات باريس. يدخلها المرء كأنّه يدخل قصرًا أو متحفًا. مكتبة زاخرة بالتماثيل والتحف، تتمتّع صالة القراءة فيها بهدوء وخشوع ورفعة خشبيّة، وحدها المكتبة الباريسيّة الحقّة تتمتّع بها.

ثالثاً مكتبة مازارين، أقدم مكتبة عامّة في باريس. مكتبة رائعة تقع في الدائرة السادسة. مكتبة خشبيّة مستلقية على الضفّة اليسرى من السين تستقبل القرّاء والباحثين ويذكّرهم صرير أخشابها بحقبة عتيقة، بعصر ذهبيّ يلفحهم كلّما قرأوا جملة أو قفزوا إلى قصّة جديدة.

رابعاً، تبقى مكتبة السوربون، أجمل مكتبة في باريس. مكتبة في غاية الأناقة والشموخ. لوحات وجداريّات وتماثيل وصمت مهيب يحثّ الأمّيّ على القراءة. السقف نفسه بلوحاته يتجلّى أفقًا واسعًا يعجز المرء عن الإمساك به.

مكتبة القديسة جنفياف 

مكتبة مازارين 

مع كلّ إشراقة شمس، تنسج مكتبات باريس حكايات جديدة. حكايات يهرب أهلها من الواقع إلى الأمل، إلى المستقبل، إلى حيث لا تزمّت ولا قسوة ولا روتين. مكتبات كثيرة أخرى كمكتبة بومبيدو، أو مكتبة المركز العربيّ للأبحاث وغيرها، تثير الغيرة في قلب القارئ النهم الصغير. باريس عظيمة بمكتباتها، ماذا ينقص بيروت لتملك مكتبات عامّة هي الأخرى عدا شبكة مكتبات “السبيل”؟ ماذا ينقص بيروت لتصبح هي الأخرى معبدًا للعلم والثقافة والرقيّ الفكريّ؟

الإنسان الذي باع روحه، الذي أضاع نفسه، فليبحث عنها في مكتبات باريس. فليبحث عنها بين الكتب والكلمات وصرير الأخشاب الخجول تحت وقع أقدام القرّاء المستعجلين إلى صفحاتهم الصفراء الهشّة. الإنسان الذي عجز عن إيجاد الحبّ في قلوب الناس، فليبحث عنه في قلوب الكتب حيث لا تردّد ولا تململ ولا نسيان.

وعندما يكون كلّ شيء على وشك الانهيار، عندما تشتدّ عتمة العالم ويصبح العيش أضيق من فسحة أوكسيجن، أهربوا إلى الملكوت الأزليّ الأبديّ الذي يبقى الصديق الوفيّ والملاك المطمئن عند اشتداد العواصف. ملكوت الكتب الذي يدعو الجميع إليه: دعوا معذّبي الأرض يأتون إليّ.

اهربوا اهربوا إلى حيث الحبر ينجّي ويخلّص! اهربوا إلى الكتب. إلى المكتبات!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*