انقلاب ترامب

 

ينفّذ دونالد ترامب انقلاباً عاجلاً على باراك أوباما، الرجل الذي شكك حتى في هويته الاميركية وولادته على أرض الولايات المتحدة. ويشمل الانقلاب الشأن الداخلي، من نظام العلاج الصحي إلى موقع مدير الـ”اف. بي. آي”، والشأن الخارجي، من العلاقة الوديّة مع فلاديمير بوتين الى العلاقة المتوترة مع ايران. وكان أوباما قد شرح في حديثه الشهير الى جيفري غولدبرغ في “اتلانتيك مانثلي” لماذا رجح خيار ايران والاتفاق النووي، على التزام العلاقة القديمة مع السعودية والخليج، ومن ثم دعا الفريقين الى قمة معه في واشنطن. وها هو ترامب يعكس المسألة تماماً، فيأتي بنفسه الى الرياض ليعقد فيها محادثاته الأولى مع الزعامات العربية والاسلامية.

وقبل أن يعرف العالم ماذا سوف يدور في هذه اللقاءات، تبدو خريطة الحضور في حد نفسها، وكأنها بيان سياسي عن الديبلوماسية الاميركية الجديدة. وقد لا يكون مصطلح الديبلوماسية معبراً عن واقع الأمر. فقبل ذلك، وسّع ترامب نطاق التدخل العسكري في العراق وسوريا، وأمر باطلاق 59 صاروخاً على قاعدة جوية سورية، وقرأنا للمرة الأولى منذ 1958 عن وجود عسكري أميركي في لبنان، ضمن التحالف الموسع ضد “داعش”.

مقابل الانكفائية التي اتبعها أوباما، يمارس ترامب اندفاعية شديدة: تسليح الاكراد كفريق مستقل في النزاع، على رغم اعتراض الحليف التركي، وعرضٌ مبالغ فيه للقوة، بتجربة “أم القنابل” في افغانستان. وفي كل هذه المتغيرات يظل الأهم، العلاقة الروسية – الاميركية: هل تتلاقى في سوريا أم تصطدم وتقطع حبل الود الذي طالما تحدث عنه ترامب في حملته الانتخابية؟

إليكم دلالة أخرى في نقض، أو قلب، سياسة أوباما. لقد اعتدنا في السنوات الاخيرة أن نرى المستر جون كيري في موسكو في رفقة سيرغي لافروف. وخيّل الى العالم في مرحلة من المراحل، أن جون سوف يستأجر شقة لنفسه في شارع ماكسيم غوركي لكي يوفر مصاريف السفر من واشنطن وإليها. أينما يذهب سيرغي كان يذهب جون خلفه: جنيف، باريس، لندن. وظن البعض ان المستر كيري لا يبحث عن حل في سوريا بقدر ما يبحث عن مهرب من المسز كيري.

تغير الأمر تماماً. هذه المرة جاء الرفيق لافروف الى واشنطن بنفسه، ومعه تجهّمه، يخبىء ابتسامته للحظة الأولى تغيب فيها الكاميرا. فالمفروض أنه كأرمني يتمتع بالحد الأقصى من حس الدعابة، لكنه يخشى على ما يبدو، أن تفسر ابتسامته على أنها دلالة انفراج، فيما الحقيقة بؤس وتوتر. ترك الابتسامات الفارهة للمستر كيري، يملأ بها فراغ الجولان.

لا شك في ان لافروف اطلع في واشنطن على ما سيكون عليه موقف ترامب في لقاءات الرياض. وواضح أنها قمة تحالفات معلنة سلفاً، وليست مجرد محادثات ثنائية في شأن حسن العلاقة. ترافقها “على الأرض” متغيرات جوهرية كانت غير واردة حتى الأمس. مثل المناطق الخاصة في سوريا، بالاضافة إلى تسارع انهيار داعش في العراق وسوريا، وإلى تقدم قوات النظام من جهة، والقوات الكردية من جهة أخرى.

في مثل هذه الحالات يسبق القمّة جدول اعمال واضح. ولا حاجة الى التحزّر لمعرفته، ما دام ترامب قد اختار ان يبدأ جولته الخارجية الأولى من الرياض. وقد سبقها، أيضاً على نحو غير مألوف، ان استقبل ترامب مرتين الملك عبدالله الثاني، واستقبل الرئيس محمود عباس، وأعد استقبالاً استثنائياً لولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان.

لقاء عبدالله الثاني وعباس يوحي بأن ثمة مبادرة في الموضوع الفلسطيني. هل تعلن هذه المبادرة من الرياض؟ هل هي متجانسة مع المبادرة العربية التي حملت اسم الملك عبدالله بن عبد العزيز؟ هل هناك أي علاقة بين ما يعدّ و”التحوّل” الذي اعلنته “حماس” قبل اسبوعين؟ ما مدى ارتباط محادثات لافروف في واشنطن بتصريح الرئيس السوري الذي تحدث للمرة الأولى عن قبول “المصالحات”؟

كثرة التساؤلات لا تفيد. ولكن أيضاً لا يمكن تجاهلها في غياب الاجوبة. ويبدو أن قمة الرياض سوف تحرك جميع القضايا الجوهرية في المنطقة، وليس فقط موضوع سوريا. أما اين نحن من المسألة، فلا ندري، مع أننا معنيون مباشرة بالقضية الفلسطينية والمسألة السورية، والمواجهة الاميركية – الايرانية والصراع العربي – الايراني.

وإذا ما تجاوز الأمر الوضع السياسي الى الوضع الاقتصادي، قد ننتقل من حالة الخوف الى حالة الطوارىء. فالعبء الاشد خطورة ليس ضغط النازحين السوريين، بل ان تضعنا الولايات المتحدة أمام امتحان العقوبات، وهل هذه مسألة يحلها وفد نيابي مزوداً النيات الحسنة وتطييب الخواطر؟

لقد تعاملنا مع دونالد ترامب في حملته الانتخابية على انه ظاهرة مثيرة للاستغراب والطرائف، لكنه الآن يتخذ المواقف كرئيس، والتصريحات قرارات. والمؤتمر الذي ينعقد في الرياض اشبه بمؤتمر فرساي، أو تلك المؤتمرات الدولية التي تقررت فيها أوجه الصراع وخرائط الاقاليم. فالمسلمون الذين كان ترامب يريد منعهم من دخول الولايات المتحدة، جاء إليهم الآن بحثاً عن تحالف يضمهم اولاً ضد الإرهاب، ومن ثم في حلف اقتصادي وسياسي، وربما عسكري.

كيف ستنظر موسكو الى مثل هذا التحالف؟ هل استمع البارون لافروف في واشنطن الى تطمينات مسبقة أم الى تحديات؟ هل يخبىء خلف التجهّم والاكفهرار، تلك الابتسامة التي يخبئها دائماً لضيوفه عندما يتأكد من أن الكاميرا لا تخترق الجدار؟ لا شك في ان موسكو هي الحاضر الآخر في قمة الرياض. ولكن ليس هناك ما يدعو الى الاعتقاد أنه حضور عدائي. فقبل أيام قليلة كان وزير الخارجية السعودي عبدالله الجبير في موسكو يتبادل التمنيات مع لافروف. وقد عبّر كلاهما عن التباين في الموضوع السوري، ولكن ضمن نطاق المودة، لا النزاع. ليست بخريطة سهلة خريطة الشرق الأوسط، لم تكن، ولن تكون. كل طرف يحضر قمة الرياض ومعه مواقفه وتحفظاته. موقف تركيا من بشار الأسد غير موقف مصر. وموقف الخليج منه غير موقف غيره. وفي نهاية المطاف، سوف تدرس روسيا وايران مقررات القمة وتقرران بموجبها المنحى والمنحنى التاريخي: استمرار في المواجهة، أم بداية في الانفراج؟ إحدى أهم الدلائل سوف تكون انتخابات ايران، حيث يتواجه “المحافظون” و”الاصلاحيون” مرة جديدة حول مفهوم النظام نفسه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*