انفجار الاحتقان هدّد بانزلاق إلى فتنة !


مناصرون لحركة “أمل” يشعلون اطارات سيارات امام مركز لـ”التيار الوطني الحر” في محلة مار الياس ببيروت. (حسن عسل)

من غير الجائز والمقبول ان يستفيق اللبنانيون اليوم وكأن شيئا لم يحصل أمس، ذلك أن مقتضيات التوازن السلبي السياسي والطائفي ستملي طي صفحة يوم كادت فيه فتنة تلامس استقرار البلاد قولا وفعلا ثم تعود الدوامة الى الدوران في “أزمة الرئيسين”. ما جرى البارحة لا يقل عن زج البلاد في متاهة هستيرية بدأت بحرب على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنها سرعان ما انزلقت الى شبح مشروع فتنة في الشارع لا يمكن تجاهل خطورتها واحتمال تكرارها ما لم يرتق المعنيون بمعالجتها جذريا الى مستوى تجنيب البلاد مزيداً من هذا القهر والتدهور والهبوط المقلق في التعبير والخطاب السياسيين.

لم يخطر ببال أي من اللبنانيين ان تنزلق “فتنة البلطجة” أو “فتنة الفيديو” الحامل أوصافا مقذعة في حق رئيس مجلس النواب نبيه بري اطلقها وزير الخارجية رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل في لقاء حزبي انتخابي موسع في محمرش بمنطقة البترون، الى الشارع على نحو هدد فعلا باشعال فتنة لولا مسارعة الجيش الى اتخاذ ما يلزم من اجراءات حالت دون “اشتباك” مناصري “امل” و”التيار الوطني الحر” حول مركز التيار في سنتر ميرنا الشالوحي بسن الفيل. واذا كانت المخاوف تركزت خصوصا على المواجهة التي حصلت أمام هذا المركز الاساسي فان ذلك لم يحجب الدلالات الخطيرة للانتشار الواسع لأنصار “امل” في بيروت والضواحي بلوغا الى مناطق في الجنوب والبقاعين الأوسط والشمالي في فائض غضب على الفيديو المسرب عن كلام باسيل وخصوصاً وصفه رئيس المجلس بأنه “بلطجي” علما ان فيديو آخر سرّب أمس توعد فيه باسيل بانه “سيكسر رأس بري”.

وبين فعل ورد فعل أكبر اشتعلت الحرب الكلامية الشعواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحيث احصيت أكثر من 25 الف تغريدة رد على باسيل من “الجيش الالكتروني” لحركة “أمل ” سقط معها التمييز بين باسيل ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي صار بدوره هدف الردود الحادة والعنيفة والتي بدا معها واضحا ان الموجة تجأوزت المتوقع في الردود وأطاحت كل الموانع وهو الامر الذي ترجم في مناطق عدة حيث أزال مناصرون لـ”أمل” صوراً لرئيس الجمهورية، كما رفعت لافتات انزلقت بدورها الى تعابير مقذعة.

لكن دلالات البعد السياسي لهذه المواجهة لم تقل خطورة عن بعدها الحزبي والشعبي، اذ سرعان ما اتخذت الردود على باسيل طابع تعبئة واسعة حتى من اقرب حلفاء العهد وسيده أي “حزب الله” الذي بارح موقع الحياد في هذا التطور ووقف الى جانب رئيس المجلس تماماً . ورفض الحزب “رفضاً قاطعاً الكلام الذي تعرض بالاساءة ” الى الرئيس بري معتبرا ان “هذه اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بالاصلاح بل تخلق مزيدا من الازمات وتفرق الصف وتأخذ البلد الى مخاطر هو بغنى عنها “. كما ذهب المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الى “تحميل العهد تبعة هذا النهج المستنكر والمدان” وطالبه باعادة الامور الى نصابها “ووضع حد لهذا الاستهتار واللامسؤولية في ادارة شؤون الدولة”.

وفيما برزت دعوتان وجههما الوزيران نهاد المشنوق ويوسف فنيانوس عقب زيارتيهما للرئيس بري الى الوزير باسيل للاعتذار من اللبنانيين عن كلامه، قال رئيس الوزراء سعد الحريري “إنه لأمر محزن جداً أن يتداعى الخطاب السياسي إلى المستويات التي بلغها في الساعات الأخيرة، ومن المؤسف والمحزن أيضاً أن تنعكس أصداء هذا الخطاب على الشارع، وعلى وسائل التخاطب والتواصل الاجتماعي، بصورة لا يتمناها أي لبناني يراهن على سلامة البلد واستقراره”.

واضاف: “إن كرامة فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وكرامة دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، هي من كرامة جميع اللبنانيين أفراداً ومجموعات وطوائف، وإن الإساءة لأي منهما، بأي عبارة أو خطاب أو تصريح، هي إساءة لنا ولمؤسساتنا وطوائفنا، وسلوك مشين ومرفوض يجب أن يتوقف”. وناشد “جميع المعنيين العمل على تجأوز تلك العاصفة التي هبت على البلد وتدارك تداعياتها، خصوصاً أن التحديات التي تواجهنا هي أخطر بما لا يقاس من العنف اللفظي الذي نشهده”.

كذلك رأى رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط ان “الكلام المسرّب عن لسان وزير الخارجية بحق رئيس مجلس النواب نبيه بري مستنكر وغير لائق ولا يتماشى مع طبيعة العلاقات السياسية الداخلية حتى لو كان من موقع الخلاف في وجهات النظر”. ودعا الى “تصحيح هذه الإهانة المرفوضة من خلال موقف واضح وصريح يعيد الأمور إلى نصابها وينفس الإحتقان في الشارع ويؤسس لمرحلة جديدة تحمي الإستقرار الداخلي ويحول دون تمزيق لبنان المغترب ما يترك تداعيات في غاية السلبية”.

وعلمت “النهار” ان الرئيس الحريري الذي زار الرئيس عون أمس، باشر مبادرة معينة. لكن دوائر القصر الجمهوري لزمت الصمت المطبق وعدم التعليق على الحملات على رئيس الجمهورية ولا على موضوع باسيل.

وكان الجواب بأن أي موقف لم ولن يصدر عنها، ليس لأن رئاسة الجمهورية ليس لديها ما تقوله، بل لأنها لا تريد الكلام، بل تفسح في المجال للمبادرات لتأخذ مداها وتحقق أهدافها بالتهدئة وبعدم الانجرار في ما يجري، رغم الحملات التي تعرض لها رئيس الجمهورية واستهدفته شخصياً.

وفيما كان وزير الداخلية في عين التينة يلتقي بري ويعلن بعد اللقاء أنه مكلّف القيام بالزيارة، كان مدير مكتب الرئيس الحريري نادر الحريري في وزارة المال للقاء وزير المال علي حسن خليل. إلا أن نادر الحريري نفى ان تكون لزيارته علاقة بأي مسعى، ومَيَّزَ بين أزمة المرسوم التي رأى ان “لا حلّ لها”، والازمة الاخيرة المتمثّلة بكلام باسيل “ولا بدّ من ان تجد طريقها الى المعالجة انطلاقاً من حرص الجميع على البلد واستقراره”، على حد تعبيره. واستبعد ان يتأثر الوضع الحكومي بما بلغته الازمة.

واستبعد خليل أي تأثير للموقف على الحكومة، مؤكدا الاستمرار فيها، الا انه لم يخف “ان ما وصلت اليه الامور أكبر من موضوع الحكومة وأخطر”. ولاحظ ان “اعتذار الوزير باسيل امام الرأي العام من كل اللبنانيين يمكن ان يكون مقدمة لأي حل، حتى وان لم نكن نطالبه بأي شيء”.

وأكد “ان ما جرى لن يؤثر على الانتخابات النيابية، فهي حاصلة. واذا كانت لديهم نية التأثير على اجرائها، فنطمئنهم الى أننا حريصون على إجرائها في وقتها، وهذا ما سيحصل”.

قداس 9 شباط

وسط هذه الاجواء، ملف رئيس المجلس الماروني الوزير السابق وديع الخازن على ما ورد في “النهار” عن اعتذار الرئيس بري عن حضور القداس الالهي في مناسبة عيد مارون في 9 شباط المقبل ان “دولته لم يبلغني مثل هذا الاعتذار أو خلافه”. وقال “يبقى ان دولة الرئيس بري الحريص على احترام المناسبات ذات الطابع الروحي والوطني هو الادرى بما يتخذه في نهاية المطاف في هذا الشأن ولنا ملء الثقة بحكمته وقراره”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*