“اندفاع غريب”: كيف ولماذا جمع محسن يمين تلك الصور؟

جوزيف الحاج|السبت17/02/2018
Almodon.com


يرتشان دنكيكيان

“إندفاع غريب” عنوان معرض لمجموعة محسن أ. يمين الفوتوغرافية، أقيم في “البيت العربي”-مدريد “كازا أراب” ، نظمته “المؤسسة العربية للصورة”- بيروت. “معرض يستكشف فعل جمع صور تعكس خيارات جامعها التاريخية والتقنية والبصرية والجمالية. تُظهر لحظات من الماضي، لأماكن وقصص شخصية. صور بحركة دائمة، كجسد حي. فعل أخذ وعطاء، دون أن يكون عبادة للماضي، إنما للتبادل وللمستقبل”. قال مارك معركش “مدير المؤسسة العربية…” في تقديمه لصاحب
المجموعة.

  • ماري الخازن (1899 – 1983)
استشهد معركش بقول للفيلسوف الألماني والتر بنجامين: “بالنسبة الى جامع الأعمال الفنية الحقيقي، يعتبر التملك الأكثر حميمية للعلاقات بين الأشياء، ليس لأنها تعيش من خلال مَن يَجمع، بل لأن من يجمعها يعيش من خلالها”. يضيف معركش: “يسميها جرثومة، سميناها إندفاعاً، رغبة تطورت لتصبح حاجة للروح. وجد نفسه يجمع على مر السنين مجموعة كبيرة، هو فعل محبة لوطن، لتاريخ ولثقافة. فعل مقاومة ورغبة في حماية الذاكرة من الزمن. فعل إتخذ الصورة كأساس. قد تكون الصور عادية
بنظر البعض، إنما هي تكشف قصة مجتمع عند مفترق القدم والحداثة”.

 


  • محمد عرابي

عن بداياته في جمع الصور يقول محسن: “بدأ كل شيء في صيف 1979، والحرب الأهلية في سنتها الرابعة. المهرجانات الثقافية التي كانت تقام في إهدن توقفت بسبب غياب الإستقرار.  هكذا بدأت أبحث عما التقط من صور لتلك الأنشطة في أرشيف المصور المحترف يرتشان دنكيكيان. أمضيت أسابيع أفتش بين صوره. هكذا أصبت بعدوى جمع الصور الفوتوغرافية.  ما أدهشني لديه إطلاعي على مجموعة بورتريهات فردية لرجال من بلدتي، مدججين بكامل أسلحتهم، التقطها لهم، أول مصور من زغرتا هو كميل القارح. كان لهذه المفاجأة وقعها المؤثّر عليّ، دفعتني في مسار البحث وجمع ما تناثر من تراثنا الفوتوغرافي. كانت تلك الخطوة الأولى من الألف ميل. كان من الواضح لي أن حماية التراث المصوّر في بلدان تمزقها حروبها الأهلية أحوج من الإهتمام به في بلدان أكثر إستقراراً، حيث التراث في مأمن من المخاطر”.

  • كميل القارح

ويتابع: “مع نهاية صيف 1979، لاحظت بدء أعمال توسيع الطريق العام الذي يخترق مدينتي زغرتا، وراح يغيّر وجه المدينة التي عرفتها، ما جعلني أكثر وعياً لهذا المسار السريع وللتغيرات الجذرية التي تحدث من حولي. في ذلك الوقت، كان لبنان ينزلق أكثر نحو العنف وإنهيار المؤسسات. في سباق مع الجرافات التي كانت تقوم بأعمال التوسيع وتهدد أستوديو أول مصور فوتوغرافي زغرتاوي، كميل القارح (1899- 1952)، حاولت إنقاذ ما أمكن من أعماله. كان ابنه حميد متجاوباً ومرحباً بفكرة الإهتمام بتركة والده الفنيّة.

بقدر ما كانت الحرب تمعن في محو صورة لبنان، وتمهد الطريق لولادة وطن آخر، شعرت أنه علينا القيام بكل ما في وسعنا لإنقاذ الذاكرة وجعلها نموذجاً لا يمكن محوه أو إهماله، وذلك بالتغلب على العقبات والمدافع. من بلدتي حيث بدأت جمع الصور، انطلقت إلى مناطق لبنانية أخرى (طرابلس، الكورة، البترون، زحلة، بعلبك، وبيروت…).  إلى الصور جمعت البطاقات البريدية والصور التلسكوبية (صور مزدوجة توحي بأنها ثلاثية الأبعاد إذا ما وُضعت في منظار مخصص لمشاهدتها) كل ذلك مساهمة مني في التأسيس لذاكرة مرئية لمنطقة وبالتالي لوطن”.

تضم المجموعة أعمالاً لمصورين محترفين وهواة، مثل: كميل القارح، جورج يمين، أنترانيك أنوشيان، أرمان أرمانديان، جاك قيوميجيان، سيتراك ألبريان، جرجي عودة، يرتشان دنكيكيان، محمد عرابي، الإخوة سعادة، وآخرين. في المجموعة أيضاً صور “بطاقات الزيارة” التي طبعت في إستوديوات سرافيان، وطرزي، وميشال قرم، وميشال دافيد، وداوود الفرخ، إضافة إلى صور من مناطق الشرق الأوسط، وصور صحفية عن الحرب اللبنانية، وأعمال محترفين كثر من نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. “أثناء الحرب، وزعت مجموعتي على عدة أماكن لإنقاذ ما أمكن خاصة السلبيات الزجاجية المعرضة للتلف. أنا الأول في لبنان الذي اهتم بجمع أعمال مصورين هواة، لإقتناعي بأن تاريخ الفوتوغرافيا لم يكتب فقط في الأستوديوهات وعلى أيدي محترفين، هناك صور مهمة حققها هواة برعوا في إلتقاطها فهم أكثر قدرة على تصوير الحياة اليومية ببساطتها وعفويتها. صوّر هؤلاء مختلف الطبقات الإجتماعية والأماكن الريفية النائية حيث كانت قلّة من الناس تملك آلة تصوير آنذاك. اكتشفت ثلاثة من هؤلاء، هم نجيب العلم (1899-1985)، حنا العلم (1867- 1937)، وماري الخازن (1899- 1983)” يقول.


  • نجيب العلم

عن طريقته في البحث يوضح: “اعتمدت بشكل كبير على الجهة الخلفية للصور القديمة، التي كانت تلصق على ورق مقوى. تحمل الجهة الأمامية للصورة اسم مصورها، بينما تحمل الجهة الخلفية عنوان الأستوديو، والمعارض العالمية التي شارك بها، والجوائز التي نالها، أو معلومات أخرى. هناك أيضاً بيوت الأثرياء حيث استبدلت اللوحات الفنية بالصور الفوتوغرافية، وبيوت رجال الدين، إلى الطلاب الذين سافروا إلى الخارج للدراسة. إن طريقتي أثّرت بشكل واسع على نوعية المواد التي جمعتها. إن مجموعة بنيت تدريجياً لا تجيء من فراغ: كل مرحلة أو خطوة كانت توجهني إلى أناس أو أحداث مهمة في حياتي. مثلاً، عن طريق المصور الهاوي سركيس كوندجيان تعرفت إلى المصور الشهير فاروجان سيتيان”.

عن المصورين المشاركين في المعرض، يشرح محسن أ. يمين: “أثناء إهتمامي بجمع أعمالهم ومعلومات عنهم، ساعدني بعض الناس على التعرف على آخرين. مثلاً، نجيب العلم (1899-1985) قادني إلى التعرف على صوره وصور حنا العلم (1867-1937)، أول من أدخل كاميرا إلى شمال لبنان. كان مصوراً هاوياً تلقن تقنيات هذا الفن أثناء دراسة الطب في فرنسا.  سيرة نجيب العلم تتداخل مع قصة المدرسة “العَلَمية” التي أدارها في العشرينيات والثلاثينيات.  كل صوره هي ذاتية أو لأفراد من عائلته، ولأساتذة وتلامذة المدرسة. كميل القارح (1897- 1952) كان أول إكتشافاتي: محترف من زغرتا، اشتهر بصوره عن الدفن. صوّر في الأستوديو وفي الشارع”.

“…أنترانيك أنوشيان (1908- 1991)، في بداية إهتمامي كان لا يزال يعمل في الأستوديو خاصته في طرابلس. بعد نجاته من المجازر بحق الأرمن تعلم التصوير في استوديو فاهان ديرونيان. مصور وجوه مبدع، ومعلم في الإضاءة والوضعية و”روتشة” السلبيات (أي محو كل ما يُظهر تجاعيد الوجه بواسطة القلم الرصاص، ما يتطلب الكثير من المهارات).”

“… يرتشان دنكيكيان (1919- 1982) إلتقى أنوشيان. اقتنى معدات وأرشيف أغوب أرابيان، ومثل مصوري تلك الفترة ومنهم القارح، لاحق زبائنه في تنقلاتهم الموسمية بين زغرتا الساحلية وإهدن الجبلية. كان احترافه مباشراً إذ غطى الكثير من الأنشطة العمومية إضافة إلى عمله في داخل الأستوديو”.

“…محمد عرابي (1905- 1983) بدأ هاوياً يتردد على أستوديو “فوتو كمال” في طرابلس لتظهير وطبع صوره قبل أن يعمل معه.  في 1955، وبمشاركة ابنه أحمد، افتتح أستوديو في ساحة النجمة في طرابلس”.

عن إكتشافه لصور ماري الخازن (1899-1983)، يقول: “كان صدفة. في أثناء زيارة لي لتلة الخازن، رأتني وأنا ألتقط صوراً لأولادي. كانت لنا محادثة مقتضبة، أخبرتني أنها في صباها إهتمت بالتصوير. وافقت على إطلاعي على بعض من صورها. تطلب إقناعها للإطلاع على باقي أعمالها زيارات عديدة. صورت ماري شخصيات من بيئتها العائلية ومناسباتهم والحياة اليومية والأصدقاء من طبقات إجتماعية مختلفة. كانت جماليتها فريدة، وتكوينات صورها تنم عن طليعية مقارنة مع تلك
الفترة”…

  • انترانيك-انوشيان

محسن أ. يمين باحث وصحافي. مقالاته كثيرة: “أتاحت لي الكتابة في الصحافة فرصاً لمواصلة إهتمامي بجمع الصور. البحث عن المعلومات المتعلقة بالمصورين مهم بقدر أهمية صورهم، لأجل فهم أعمق لتاريخ التصوير، ولجعل الصور في خدمة المعرفة والتاريخ والفن”.

عن كتبه يقول: “حتى الآن، لدي 12 كتاباً، خمسة منهم تتعلق بالفوتوغرافيا: “لبنان الصورة”-1994، “صور حميمة”-1998، “بريد الشرق”-2003(فيه 500 بطاقة بريدية من مجموعتي)، “يقظات حجر”-2004، “زغرتا في أيام المجاعة”-2016.”

يعتبر محسن أ. يمين أن “بناء مجموعة هو، أولاً وقبل كل شيء، إنتاج معرفي في جميع أشكاله ومظاهره. آمل أن أكون قدمت مساهمة مفيدة في هذا المجال. أشعر بضرورة أن تتفاعل المجموعة مع جمهور واسع، من باحثين وطلاب، وأن تكون محط إهتمام في حقول الفن والتأريخ وعلم الإجتماع.

تنتظر بيروت هذا المعرض لتتعرّف على أضخم مجموعة قامت على جهد فردي أنقذها من حروبنا ومن جهلنا بقيمة الموروث البصري الموثّق ببريق عيون أزمنة ولّت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*