انتظار غودو


مروان اسكندر
07092018
النهار

ادعاء الاهتمام الدولي بالشأن اللبناني وان هنالك خيمة من الاهتمام تمنع تعاظم تململ المواطنين من الحكم ومسيرته خرافة سائدة تطمئن اللبنانيين البسطاء وتدغدغ تصورات اللبنانيين الذين يعيشون ذكريات الازدهار والانجازات الاعمارية والثقافية.

هل اندثر لبنان، أو تغيرت معالم الحياة السياسية والاجتماعية فيه الى درجة أصبحت التقديرات المستقبلية محبطة للآمال؟

لا شك كما يؤكد الصديق رمزي الحافظ وبصوت جهوري ان هنالك مكامن نشاط في الاقتصاد اللبناني وانجازات للبنانيين في مجالات نشاطات أصبحت من مزايا ما يسمى الاقتصاد الحديث أو الجديد، ومن أهم هذه، برامج المعلوماتية وأدوات تطبيقها. وقد حازت نشاطات المبدعين والمجتهدين في هذا النطاق تشجيعًا من برنامج مصرف لبنان لدعم القروض وهي تسهم في تطور وتوسع اقتصاد برامج المعلوماتية. لكن اسهام هذه النشاطات بنسبة 1.5 في المئة من حجم الناتج القومي لا يكفي. وبالتأكيد تطوير الخدمات المصرفية والمالية من عناصر النجاح المستقبلي. لكن الانجازات المحققة حتى تاريخه، والتي توفر خدمات تسهيلية دقيقة لا تدفع اللبنانيين نحو الاستثمار بل نحو الاستهلاك إن أمكن، ولو عبر تساهل المصارف مع تجاوز تسهيلات الاقراض بالتغاضي عن تجاوز استعمال مستويات التسهيلات المتوافرة لحاملي البطاقات مقابل اعباء فوائد على فترة تجاوز الفترة المحددة للتسهيلات قد تبلغ معدلاتها 18 أو 19 في المئة سنويًا، وبالتالي تزيد مديونية اللبنانيين العائمة – اي المستحقة وغير المسددة موقتًا – الى حدود 4-5 مليارات دولار، وهذا التجاوز يسهم في زيادة حجم الانفاق الاستهلاكي وبالتالي في حسابات الدخل القومي.

معلوم وواضح لكل اقتصادي متابع لتطورات الاقتصاد في لبنان والخارج ان النمو المستقبلي يرتكز على الاستثمار المفيد والمجدي في منشآت البنية التحتية وبرامج الاستفادة من خدماتها، والشركات المستحدثة لتطوير الانتاج والتصدير. وعلى سبيل المثال وللتذكير، ان الصادرات اللبنانية ذات الحجم الاكبر هي صادرات المجوهرات المشغولة في لبنان لدى بيوتات الانتاج المتنوع والراقي للمجوهرات، ويكفي ان نشير الى ان سويسرا بين البلدان الاوروبية هي البلد الاكثر استيرادًا من لبنان، لان مستوردات سويسرا من المجوهرات المشغولة في لبنان تبلغ مئات ملايين الدولارات سنويًا وتسوق لدى عدد من أصحاب المبادرات والخبرة الطويلة في هذا المجال.

ما هي مجالات المبادرات الاستثمارية الجديدة والتي تستقطب رؤوس الاموال، وما هو المناخ المشجع لذلك في لبنان؟

الحقيقة ان الجواب غير متوافر في لبنان. فجميع مجالات النشاطات تعاني تردي الخدمات الضرورية لانجازها وارتفاع تكاليف هذه الخدمات. وتكفي الاشارة الى نشاط شركة أبناء ميشال اده التي تتركز على الاعلام الاقتصادي الدقيق والمتطور حول أوضاع البلدان الاقتصادية الرئيسية في العالم. وشركة أبناء ميشال اده لديها مكاتب في ايرلندا وباريس ولندن وموسكو ونيويورك وهونغ كونغ وعدد موظفيها وخبرائها يتجاوز الالفين منهم نسبة لا تزيد على 12 في المئة في لبنان، لان تكاليف الاتصالات، عصب نشاط هذه الشركة المبدعة، مرتفعة الى حد بعيد أدى الى تكريس المكتب الرئيسي للمجموعة في دبلن لان ايرلندا تسهل الاتصالات وقد خفضت تكاليفها ومعدل الضريبة على الارباح من نشاط الشركات المؤسسة في ايرلندا لا يزيد على 12 في مقابل ضرائب متنوعة في لبنان ترفع المعدل الى أكثر من 30 في المئة.

لقد ضجر اللبنانيون من سماع ادعاءات ضبط الهدر والتضييق على عمليات التهريب وتبييض الاموال وما شاكل ذلك. والمسؤولون عن المبادرات الايجابية في تحقيق النتائج المقنعة هم من كُلّفوا مسؤولية خفض العجز في ارقام موازنة 2018 وبذلوا جهودًا مضنية طوال سنة ليتوصلوا الى خفض الانفاق 250 مليون دولار كانت أساسًا متحصلة من برامج الهندسة المالية التي حققها مصرف لبنان صيف 2016 وبداية 2017. والذين فشلوا في ضبط الانفاق والاستفادة من عمل الغير، هم أنفسهم مسؤولون اليوم عن ضبط ارقام موازنة السنة المقبلة، واقناع الهيئات والدول التي شاركت في مؤتمر “سيدر” بان لبنان يسير بخطى واضحة نحو الاصلاح.

الكلام عن الاصلاح وخطوات ضبط الانفاق اصبح مملاً للبنانيين. فكيف للمسؤولين في الدول الاوروبية والعربية الذين يواجهون ضغوطاً مالية ايضًا ان يفهموا عجز لبنان عن وضع خطط اصلاحية حقيقية، والامر نفسه يسري على المنظمات الدولية كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وسلطات الاتحاد الاوروبي التي لها مكاتب وخبراء يعملون في لبنان وباتوا هم ايضًا يملّون تصريحات المسؤولين اللبنانيين.

بالتأكيد مجلس النواب الجديد استقطب عدداً من أصحاب الكفاءات والتوجهات الايجابية، لكن تصريحات هؤلاء، باستثناء النائبة بولا يعقوبيان، ومبادراتهم للإصلاح لا يشعر بها اللبنانيون العاديون، بل بصراحة كلية يشعر اللبناني العادي بتردي الخدمات العامة ومعاملات الادارة في الوزارات الخدماتية أو المؤسسات العامة التي لها دور اجتماعي موسع، كخدمات الهاتف الخليوي والانترنت وسرعة نقل المعلومات واعتماديتها وتكاليفها.

ويضاف الى تلكؤ النواب الجدد عن طرح مطالب الاصلاح بقوة وعناد، اقبال بعض الاقتصاديين على تكرار انتقادات درجوا على اطلاقها، مثل الاقتصادي الذي عبّر عن رأي أدرج في مقال سطحي عن أوضاع لبنان الاقتصادية في عدد “الايكونوميست” الاسبوع المنصرم. فالاقتصادي المعني أعاد ادعاءات عن موارد مصرف لبنان غير مطمئنة كان أدرجها في مقال في “النهار” منذ سنة تقريبًا واستشهد واضعو المقال بان صاحب الرأي كان كبير مستشاري حاكم مصرف لبنان في فترة الثمانينات وأوائل التسعينات، وهم لم يشيروا الى ان هذه الفترة التي كان فيها الاقتصادي المعني مستشارًا لحاكم مصرف لبنان شهدت أكبر تدهور في سعر صرف الليرة من 700-750 ل.ل للدولار الى 2850 ل.ل للدولار خلال أربعة اشهر مما استدعى تسريحه والحاكم افساحاً في مجال ضبط انهيار الليرة الامر الذي حققته الادارة الجديدة المستمرة حتى تاريخه. فعسى ان يتفهم النواب الجدد حاجات لبنان لتشجيع الاستثمار والتخصيصية وان يمتنع خبراء عن عرض آراء غير مناسبة وغير منضبطة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*