امبراطورية اللاجئين!

 


خيري منصور
Jul 07, 2018
القدس العربي

حين كان العرب أقل ثراء مما هم الآن، وأقل تعليما وأقل ارتهانا لقوى دولية كان عدد اللاجئين محدودا وفي نطاق النسبة التقليدية لكل الشعوب، باستثناء الترانسفير الاقتلاعي للفلسطينيين عام 1948، لكن ما حدث خلال بضعة عقود فقط هو أن عدد اللاجئين قد تضاعف مرارا وأوشك أن ينافس من حيث التعداد الديموغرافي العدد الشامل لبعض المجتمعات، وما استجد من أسباب اللجوء ليس البحث هذه المرة عن الكلأ والماء، وما يرمزان إليه من إشباع الحاجات الأساسية للبشر بل هو البحث عن مأمن، والهرب من حروب أهلية وشبه أهلية، تقول إحصاءاتها التقريبية إنها إبادية .
ومن هاجروا قبل أكثر من قرن خصوصا من بلاد الشام إلى مصر وأمريكا اللاتينية بالتحديد تحولوا إلى خميرة ثقافية أفرزت نهضة شملت الصحافة والأدب والمسرح والسينما خصوصا في مصر، لكن ملايين المهاجرين العرب الآن ليسوا كذلك، وغالبا ما يتم طرحهم بوصفهم عبئا على المنافي التي يصلون إليها إذا قدّر لهم الوصول، فثمة من تبتلعهم البحار ويعلقون بالجغرافيا امتدادا لكونهم عالقين بالتاريخ الذي صاغ طبعَته الأخيرة الغزاة، بعد أن ذهب ضحايا حروب الاستقلال سدى، ولم تجد دماؤهم التي جرت مصبا قوميا يليق بها .
ومن المفارقات أن عدد اللاجئين الفلسطينيين قياسا إلى عدد اللاجئين العرب الآن ليس الرقم الذي يقاس عليه، فثمة أقطار عربية بلغ عدد مهاجريها ثلثي عدد السكان، وانتشروا في تسعين دولة على الأقل، والعرب الآن لا يطرقون أبواب أوروبا وأسوارها وهم يمتطون جيادهم المطهمة بل كمتسولين غالبا ما تغلق الأبواب في وجوههم، رغم أن أوطانهم تعاني من فائض المساحة ومن فائض الثراء في باطن الأرض وعلى سطحها، لكن العبقرية الشيطانية أحالت النعمة إلى نقمة، وإذا كان ميداس الأسطورة الأغريقة يلامس التراب فيحوله إلى ذهب فإن ميداس العربي يلامس الذهب فيحوله إلى قصدير وليس إلى تراب، والمسكوت عنه في هذه الهجرات، تلك الهجرة الطوعية للنخب، خصوصا من فئة التكنوقراط، لأن الحالمين من هذه الفئة بتحقيق الذات علميا والباحثين عن مجالات حيوية لتخصصاتهم لم يجدوا في مساقط رؤوسهم ما يتيح لهم ذلك وقد اختصر أحدهم وهو د . أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل المسألة بقوله إن الفارق بين الوطن والمنفى الطوعي هو أن الوطن يبحث عن الناجح في مجاله كي يفشله وقد يطلب منه الاعتذار عما اقترف من نجاح محظور، بينما يبحث الآخرون عن الفاشل لإسناده وإيقافه على ساقيه، وبالتالي توفير فرص النجاح له!
لقد تم تجريف العالم العربي من العقول واستوعبت أهم أكاديميات العالم في القارات الخمس علماء وباحثين كانوا سيأكلون أنفسهم من فرط البطالة والكآبة لو مكثوا في أوطانهم، العلماء المهاجرون وجدوا أنصارا، أما هذه الملايين ممن لا حول لهم ولا قوة أو حتى رجاء فهم بلا أنصار وهناك دول تعاملت معهم كما لو أنهم فايروسات تنقل العدووى، وكان رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم هو ترامب قد وصفهم بأنهم ليسوا بشرا.
والعربي الذي لثغ منذ طفولته بنشيد بلاد العرب أوطاني يدرك الآن أنه مخدوع وأن المنافي أرحم من مساقط الرؤوس، ولو توفرت إحصائية دقيقة عن عدد اللاجئين العرب في مختلف أصقاع هذا الكوكب لكان الرقم كافيا لوصف امبراطورية، لكنها امبراطورية عزلاء وبلا أباطرة، ولا أدري كم هو عدد العرب الذين يسمعون أحمد شوقي وهو يقول: «وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه بالخلد نفسي». أو كم هو عدد اللاجئين الذين نجوا من الغرق ولا يسخرون ويضحكون حتى البكاء، إذا سمعوا: «بلادي وإنْ جارت عليّ عزيزة، وأهلي وان ضنوا علي كرام».
إن العربي كسائر خلق الله، يحب مسقط رأسه ويحن إليه، وقد يضطر إلى الهجرة المؤقتة، لكن النظم السياسية التي كان هذا العربي ضحيتها لأكثر من نصف قرن أفقدته اليقين بكل شيء وأصبح يشك بما قرأ ويسمع، وأكثر من ذلك أدرك أن ظلم ذوي القربى هو بالفعل أشد مضاضة. حين كتب هشام شرابي سيرته الذاتية بعنوان «الجمر والرماد» افتضح الخديعة كلها، حيث كان المنفى جمرا والوطن رمادا لأنه كمثقف عاد إلى وطنه طواعية بعد حرب حزيران/يونيو ليضع إمكاناته في خدمته فعوقب واضطر إلى العودة لمنفاه لكن بلا دموع أو حنين، وأي إحصائية عن عدد اللاجئين العرب إلى القارات الخمس يبقى ناقصا إذا لم يؤخذ بالحسبان عدد اللاجئين والغرباء في عقر أوطانهم وفي عقر دورهم أيضا، أما من حلموا عقودا طويلة بالوحدة العربية وتصوروا أنها أجهضت فإن عليهم قراءة الوجه الآخر لهذه الظاهرة، فالوحدة تحققت لكن بالإفقار والإخضاع وعدد اللاجئين!

٭ كاتب أردني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*