«اليهود ضمير العالم»: دعاية عمياء أم سجن ديني؟ وموسى أم حمورابي واضع القوانين!

 


لينا أبو بكر
Apr 05, 2018

هناك عند صراط الحدود، وراء جدران الصمت وأسوار الحياة، وبعيدا عن الكاميرات، سجون لم يسمع بها أحد بعد، تعرضها لك قناة «ناشيونال جيوغرافيك»، حيث يسجن ابن ستالين مع آكلي لحوم البشر، في زنازين صارمة، لا تخطر أساليب عزلتها الحديدية لبشر، من «مركز فلاديمير» مقبرة المليون سجين، الذي تحرسه «رعاة جبال القوقاز» – أشرس الكلاب على وجه الكرة الأرضية – بحجم دببة ضارية، تبطش بقوة مسدس من عيار «5»، إلى «الدلفين الأسود» – أعنف سجون روسيا، الذي لم ينج منه أحد سوى: الموتى!
ولكن ماذا عن السجون السرية في الكيان الصهويني؟ هل حقا يمكنك أن تعتبرها «غوانتاناموهات» مستنسخة، كما أطلق عليها الصحافي البريطاني، الذي اكتشف أولها «جوناثان كوك»؟ أم أنه عليك أن تصرخ في وجه العالم: (كرهتك، ليس لأنك ضد الحق، إنما لأنني ضد حقيقتك، وكيف لا، وما نراه منك، ليس هو ما تخفيه عنا)؟

سوق إبراهيم الإعلامية

المشكلة في الإعلام الصهيوني أنه يصنع نموذجين من الشياطين: الأول هو الشيطان الطيب، الذي يمثله معشر «صباؤوت – الجنود» ليسوا أولئك الذين يحاربون عسكريا فقط، إنما فكريا وإعلاميا، أما الشيطان الثاني فهو عدوهم، ولو أردت أن تتعمق أكثر، زُرْ «شبكة إسرائيل للفيديو»، والتي تعرض لك فيلما عن تاريخ اليهود من أول الخليقة، يوقعها في تناقضات مخجلة، لأنها تبدأ بقصة إبراهيم كأول إشعار وجودي على العرق العبراني، في الوقت ذاته، الذي تؤرخ فيه لحضارتها المزعومة، بثلاثة آلاف عام قبل المسيح، كيف، وعمر ابراهيم لا يتجاوز 1900 عام ق.م . حسب التوراة نفسها؟
هناك خلط مربك للمشاهد، الذي يمعن التأمل، بما وراء هذه المغنطة الدعائية، حيث يروج الفيلم للعبرانيين، كقوة خارقة للطبيعة استطاعت أن تصارع أعداءها على مر العصور، من أجل البقاء، وتنفيذ مهمة إبراهيم الإلهية، على يد اليهود – الذين تعتبرهم ضمير العالم – لاحظ، كيف يدمج الزمن التاريخي بالزمن الديني، علما بأن العرق الإسرائيلي والدين اليهودي لم يبدآ مع إبراهيم، فكيف إذن ينتقد الفيلم العالم الوثني قبله، معطيا لعرقه الفضل بإخراج البشرية من جهلها وظلمائها، وهو أحد أهم عناصرها؟
اللعب على العرق الديني ينافي تماما مبدأ الأعراق البشرية وتطورها وتفاعلها، فلا يمكن أن تعرقن السلالة دينيا، لا العبرانيون لم يأتوا بعد إبراهيم، ولم يكونوا إسرائيليين فقط، بل هم خليط من أجناس وأعراق مختلفة، فكيف إذن تبدأ الحضارة بالإبراهيميين، الذين هم الصهيونيون الجدد، حسب مفهوم الفيلم، الذي يغالط التسلسل التاريخي للأنساب والأديان، ويناقض النظريات العلمية، ومنطق الطبيعة والبحوث الأنثروبولوجية؟ بل إن الفيلم يتمادى باقتباس أقوال لرؤساء وعلماء وأدباء وفلاسفة، تتساءل كيف يمكن لحال البشرية أن تكون، لو لم يأت الصهاينة إلى الدنيا؟

حمورابي كتب التوراة وفاز بنوبل!

طامة الطامة، تتجلى بعمليات قفز مطاطية، على المراحل التاريخية، ففجأة يعزي صاحب كتاب «تاريخ اليهودية والمسيحية» الفضل لليهود بابتكار فكرة القانون، والتنظيم الأخلاقي للمجتمع، والأسرة، والإزدهار، وهو يعرض لك صورا متخيلة من تلقي موسى الوصايا العشر في جبل سيناء، متجاهلا تماما أن حمورابي سبقهم إلى النظم القانونية والتنظيمية، إلى درجة أن عالم الآثار الفرنسي «دومورغان» اتهم العبرانيين بسرقة قوانين حمورابي، بعد اكتشافه مسلة مسمارية، فضح بها كتبة التوراة، خاصة وأن حمورابي سبق موسى بمئات السنين، فماذا لو عرفت أن قوانين أورنمو في أور، جاءت قبل حمورابي بثلاثة قرون، وأن العالم الوثني الذي يتحدث عنه الفيلم، هو ذاته الذي أمد البشرية بأسرار الحضارة وعشبة الخلود!
ثم يتحدث عن التفوق العلمي والأدبي لليهود على غيرهم من البشر، متباهيا بأن ما نسبته «الخُمس» من جائزة نوبل، وحدها، تم منحها لإسرائيليين من المجالات كافة، وطالب رؤساء أمريكا ووزراء بريطانيا العالم بأن يعود إلى الملكوت الإلهي لفهم بني إسرائيل جيدا، في حين أن تولستوي – حبيبكم وربكم الروائي الذي تعبدون – اعتبر الإسرائيليين رمز الخلود والأبدية، بعد صمودهم في وجه الاضطهادات المريرة عبر التاريخ! فماذا تقول لك عنهم سجونهم السرية؟!

خطورة الأسرار

الأسير الحر والكاتب الفلسطيني «عصمت منصور» يحدثك عن لعبة الكاميرا مع الأسرى الفلسطينيين، والتي يتم توظيفها لممارسة أعنف أساليب الاضطهاد في تاريخ البشرية، حيث يتم تفتيش الأسرى تفتيشا عاريا يوميا، أمام جمع من كلاب الحراسة وكلاب الأثر المتوحشة، والسجانين والمحققين، الذين يتفننون بخدش حياء الأسرى، بل وقد ينقلون بعضهم إلى زنازين انفرادية، بعد إجبارهم على تناول أقراص للتبول اللاإرادي، وهم تحت عيون كاميرات المراقبة، وهو ما دفع منصور للتساؤل: ما هو الاغتصاب بعد هذا؟ تمزيق ملابس الأسرى وتجريدهم منها وتعريتهم عنوة، بذريعة التفتيش! فهل لك أن تتصور مشاعر الأسير تلك اللحظة؟ أين هي إذن حضارة الازدهار الروحي والذهني التي يحدثونك عنها؟ أين هي مكارم الأخلاق، التي لم تكن موجودة قبل بني إسرائيل، ولا فضل لأحد في الخليقة سواهم بابتكارها ونشرها؟
تعرض «الجزيرة» برنامجا خاصا عن السجن السري 1391 في إسرائيل، حيث يحدثك الأسير الحر والباحث الفلسطيني ناصر دمج، عن أسرى مفقودين، بلا مصير، لأن مصيرهم يكتنفه الغموض، إثر تكتم الشاباك على أوضاعهم وأسمائهم، منهم عرب، من الأردن ومصر ولبنان، قامت إسرائيل بجرائم إخفاء متعمدة لهم، ونفيهم عن الوجود، وزجهم في أرض الظلام، حيث انعدام الزمن وامتداد الفراغ، مؤكدا أن القتل أحد أسباب الوجود في دولة غير شرعية، وان اختراق القانون أمر طبيعي في كيان لا قانوني، وهذه هي المكونات الرئيسية التي لا يمكن لإسرائيل أن تكون بدونها، لأنها أساس كينونتها! فلو كانت إسرائيل تتبع المعايير الأمنية، في سجونها لما كانت لتضطر، لإخفائها والتكتم عليها، لتتخذ هذا الطابع السري المخيف!

حضارة السجون

المفارقة، أن «فلاديمير نيكولايف – آكل لحوم البشر، في سجن الدلفين الأسود، كان يروي للكاميرا كيف قطع لحم جاره وطهاه، ووزع منه على أصحابه، مدعيا أنه لحم كنغر، روى حكايته المقززة بدم بارد، وهو يضحك أمام الكاميرا ويستعرض وشومه، في حضرة فريق سينمائي، دخل أرض الظلام، التي لا تدخلها الشمس، ليوثق لهذه السجون، بينما لا تسمح إسرائيل سوى لكاميرات المراقبة، أن تطلع على ما يدور في أرض ظلامها: منافي العزلة، و»باستيلات» الآلهة، فهل هذه هي الحضارة التي جاء بها الصهاينة للبشرية: حضارة السجون!؟
عصمت منصور وناصر دمج، يؤكدان لك أيها المشاهد، أنك لن تحتاج للكاميرا، كي ترى الحقيقة، الكاميرا الحقيقية هي الكاميرا العمياء، وحدها فقط تكشف لك ما تخفيه عنك، حين تتستر بالسر، وكلما تفاقمت أسرار السجون، كلما كانت عذاباتها أعمق وأعظم من ظلماتها… فهل يضطهد المُضطَهَدون؟
لا حاجة لأن تعترض إذن على الصهر الأسطوري للزمنين: التاريخي والديني، في فيلم شبكة إسرائيل، ليس لأنه متناقض مع الحقائق والمنطق، بل لأن اللعب مع الشياطين لم يعد مسليا، ولا يليق بشعب السماء، الفلسطيني، الذي يتجاوز الأمصال الدعائية، ليكرس حقيقة واحدة: السجن الديني للاحتلال أكثر فظاعة من السجن السياسي!
الضمير الحقيقي للأخلاق هو الذي يحترم الحياء، لأن أمة بلا حياء لا يمكن أن تصنع حضارة بلا دعارة، ومن يعود للوثائق السوفييتية والألمانية عن ثقافة الأفلام الإباحية التي قامت عليها إسرائيل، سيرفع نخبه للموت وحده صارخا: طز، يا ضمير العالم!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*