اليمن والقدس: شواهد منطقة الزلازل

 


صبحي حديدي
Dec 09, 2017
القدس العربي

وقائع الشرق الأوسط الساخنة، المتلاحقة والفاصلة في طبيعة ما تفرضه من متغيرات، ألزمتنا بالخروج عن قاعدة نتبعها في العدد الأسبوعي من «القدس العربي»، منذ انطلاقته قبل 190 أسبوعاً. وكنّا نخصص الغلاف لحدث الأسبوع الأكثر تميزاً، أو الأجدر بالتغطية والتحليل، لكنّ واقعة مقتل الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح ترافقت مع واقعة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة الولايات المتحدة إلى المدينة؛ وفرضت، بالتالي، خيار تخصيص الحدث للواقعتين معاً.
في اليمن دفع صالح ثمناً بدا واجباً، حتى إذا جاء متأخراً، لقاء 33 سنة من إخضاع اليمن لنظام قائم، في الداخل، على الاستبداد والفساد والإفساد، وتوظيف الولاءات، واللعب على التناقضات السياسية والمذهبية والعشائرية، وإشعال الحروب الأهلية؛ ومعتمد، في الخارج، على التبعية لهذا النظام الإقليمي أو تلك القوة الكونية، والاتجار بثروات البلد، أو المقاضة بأهمية اليمن الجيو ـ ستراتيجية.
ولعلّ اللعبة الأخيرة، في التحالف مع الحوثي، وتزويدهم بالسلاح، وتمكينهم من دخول العاصمة صنعاء، والإطاحة بالرئيس المؤقت عبد ربه منصور هادي وحكومة خالد بحاح، وصولاً إلى التوافق مع «أنصار الله» على ما سُمّي بـ«الإعلان الدستوري»، وإفشال جولات الحوار اليمني ـ اليمني… كانت الدرب الذي خُيّل إلى صالح أنه السبيل إلى المناورة الأدهى في مسارات حياته ـ هو الذي كان يسعد بالانتماء إلى نادي «دهاة العرب»، في السياسة على الأقلّ! ـ فاتضح أنه سبيل أفضى به إلى محض طلقة في الرأس، أنهت حياته مرّة وإلى الأبد؛ على الطرق ذاتها التي تقود ـ ليس دون مفارقة تاريخية هائلة ـ إلى واحد من أعظم رموز الحكمة اليمانية: مأرب، عاصمة سبأ القديمة!
لم تكن أقلّ مفارقة أنّ الحوثي، في فعلة الإعدام الميداني هذه، فتح أبواب جهنم جديدة، فوق ما تعانيه اليمن لتوّها، على الجميع تقريباً، دون استثناء ميليشيات «أنصار الله» أنفسهم: فريق المخلوع القتيل، جيشاً وحزباً وأفراداً؛ مجموعة منصور هادي، الذي استطاب فكرة ضرب الحوثي بالخصوم؛ وبعض ممثلي «الحراك الجنوبي»، الذين توهموا توظيف اضطرابات المشهد لصالح أجندات الجنوب؛ وأحزاب اليمن الأخرى، إسلامية كانت أم قومية ويسارية، التي كانت متفرجة وهكذا تظلّ. وأمّا في المستوى الإقليمي، فإنّ الرعاة في طهران والرياض ليسوا أفضل حالاً، بعد أن انقلب سحر المخلوع على حلفاء الأمس/ خصوم اليوم.
ولأنّ وقائع هذه المنطقة مترابطة موضوعياً، لأسباب شتى تتجاوز حقيقة انتمائها إلى مساحة الزلازل إياها؛ فإنّ ما شهده اليمن لم يكن منفصلاً عما شهدته فلسطين المحتلة، بعد قرار ترامب انتهاك القانون الدولي، ومخالفة ثلاثة من رؤساء أمريكا السابقين له، والتجاسر على إحداث زلزال جديد، حول واحد من أكثر ملفات النزاع العربي ـ الصهيوني احتشاداً بالرموز الوطنية والتاريخية والدينية. ولم يكن سيد البيت الأبيض يواصل تراثاً طويلاً من الانحياز الأمريكي الرسمي لصالح الرواية الصهيونية حول القدس، وفلسطين التاريخية عموماً، فحسب؛ بل كان يُحسن قراءة وضع رسمي عربي بائس، تنهض ركائزه على قهر الشعوب ونهب ثرواتها في الداخل، والتبعية والخنوع لقوى الهيمنة الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة بالطبع.
ما تعامى عنه ترامب، إذْ لا يعقل أنّ أحداً من مستشاريه لم يدلّه على عواقبه، هو أنّ مسألة القدس، بل القضية الفلسطينية بصفة إجمالية، لا تخصّ الأنظمة البائسة أو التابعة أو المتآمرة، ولا تُنهيها «صفقة قرن» تارة، أو مهزلة خيار بديل مثل أبو ديس، أو ضغط من هذا النظام المرتهن أو ذاك الأمير الأرعن. وما دامت أرض الزلازل حبلى بالوقائع المتفجرة والمترابطة، فإنّ نطاق بطش الزلزال واسع وجارف وعشوائي أحياناً؛ وفي مأرب اليمن وقدس فلسطين شواهد كبرى، وتواريخ لا يطالها الاضمحلال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*