اليسار العربي في مئوياته سمير عطاالله 6 أيلول 2017 | 00:38 1


سمير عطاالله
النهار
06092017

تمتلىء أوروبا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي بالعمال والموظفين القادمين من الدول الشيوعية السابقة، البعض من آسيا، والبعض الآخر من أوروبا الشرقية، وبعض ثالث من دول البلطيق. وقد طرحتُ سؤالاً واحداً على جميع من تعرّفت اليهم من أصل تلك البلدان، ومعظمهم من فئة عمرية في عقدها الخامس. كان الجواب دائماً مفاجئاً وشبه موحّد ومَفاده أن الحياة في الزمن الماضي كانت اكثر نعمة: الأعمال متوافرة، والضمانات عامة، والهمّ عند الدولة، وليس عند الناس. حتى الرومانيون القادمون من بلاد تشاوشيسكو، يتحدثون بشيء من التحسّر على أيام نيقولاي وعزيزته ايلينا، التي منحت نفسها، إضافة إلى معاطف الفراء الباريسي، شهادة الدكتوراه في الكيمياء. ليس إلاّ.

جميع الذين التقيتهم لم يضعوا مسألة الحرية في الأولويات، أو حتى في الضروريات، حتى بدا لي وكأن كل ما كنا نقرأه عن حكايات الاستعباد، كان مجرد تَرَف غربي لم يفتقده الشرقيون حقاً. طبعاً، لا أدري أي نسبة يمثل الذين تحدثت معهم. لكن لا شك ان العالم بأجمعه، وخصوصاً الذين كانوا يعيشون في ظل الشيوعية، يعيدون النظر في تلك المرحلة العاصفة التي غيّرت وجه العالم وخريطته قبل مائة عام على وجه الضبط، ثم عادت فغيرتها من جديد بعد سبعين عاماً على نشوئها وسقوطها.

كانت تلك اقصر الامبراطوريات عمراً، مع انها كادت خلال مراحل كثيرة، أن ترفع حول معظم العالم الراية الحمراء في أوروبا المتقدمة، أو في آسيا وأفريقيا، بل حتى في قلب الولايات المتحدة والعالم الرأسمالي. وجدت الشيوعية مناصرين وحلفاء وحالمين وأفظاظاً. الاسبوع الماضي غاب في مصر الدكتور رفعت السعيد، آخر اعلام اليسار العربي، وأحد كبار مؤرخيه. لم يتخلَّ السعيد عن قناعاته وسلاحه الناعم في الدعوة الى اشتراكية معلنة وشيوعية مُبطنة. بالنسبة إليه، الذي اخفق هم اليساريون، وليس اليسار. وقد فقد اليساريون العرب المبادرة منذ اللحظة الأولى، أو هم، بالأحرى، لم يتملكوها على الاطلاق. إذ كانت تجرّدهم من الايمان بأمّة شديدة التديّن. أما أنها جرّدتهم من الحريّات، فالحرية في العالم العربي لم تتعدَّ يوماً قصيدة ابي القاسم الشابّي، أو ثلاثية حزب البعث. فما من تقاليد حقيقية لها كما في أوروبا، ولا من ثقافة تدعو إليها أو تصرّ على قيامها. فأياً كانت طبيعة النظام في العالم العربي، لم تكن الحرية على جدول يومياته أو عقوده. وقد أصرّ الشيوعيون العرب، في البداية، على مبدأ الحرية والتقاليد الديموقراطية، بمن فيهم عدد من “الضبّاط الاحرار” في مصر، وكانت النتيجة أن اعتُقل بعضهم وعُزل البعض الآخر، ولم يتبق لقادتهم، مثل خالد محيي الدين، سوى كتابة المذكرات والتظلمات.

وما لبث اليسار في اكثريته، أن تحول الى حزب عسكري واحد يُلغي من حوله كل شيء آخر. هذا اليسار هو الذي سَحلَ الشيوعيين في العراق، ودجّنهم في سوريا، وذَبَحهم في السودان، وأعدمهم في ليبيا،غالباً بأسلحة اشتراها، أو أُهديت إليه، من الاتحاد السوفياتي. وقد عاشت موسكو حالة انفصامية حيال الشيوعيين العرب. وكان نيكيتا خروشوف يقيم أفضل العلاقات مع مصر الناصرية، فيما كان عبد الناصر يَحشر الشيوعيين في الزنزانات. فقط في لبنان مارس الشيوعيون حياة سياسية طبيعية، لهم حزب مرخَّص، ولهم صحف ومطبوعات تنطق باسمهم، ولهم حرية السفر المُطلق الى المؤتمرات الشيوعية حول العالم. لكن نفوذهم السياسي ظل محدود الأثر في الداخل، إلاّ من وهج اعلامي لبعض القياديين أمثال انطون تابت وكريم مروّه وجورج حاوي.

قبل مائة عام ركب فلاديمير أوليانوف القطار من زوريخ الى بتروغراد، تحت اسمه المستعار، الذي كان يوقّع به المقالات الحماسية في الصحف والمجلات المغمورة. لكن الدخل البسيط الذي كان يأتيه من العمل الوحيد الذي توافر له، كان يكفيه للحياة البائسة في شقة صغيرة يملكها اسكافيان في أحد الاحياء العمّالية. استغرقت رحلة صاحب الاسم “لينين” ثمانية أيام في قطار سماه ستيفان تسفايغ “القطار المشتعل”، الذي ستبلغ ناره أنحاء الأرض.

كان لينين يعتقد أن الشرطة سوف تكون في “محطة فنلندا” لاعتقاله، لكنه ذُهل عندما وجد آلاف الرفاق في استقباله. وحتى على الطريق الطويل، كان الناس يخرجون الى المحطات لكي يهتفوا له، وهو يعبر المانيا الغارقة في دمار الحرب الاولى، والتي لم يتسن ترسيم حدودها مع بلاد القيصر إلا بالطبشور الأبيض. فقد كان الجميع منهمكين في مقاتلة بعضهم البعض. أنها الغريزة البشرية الأولى. وكان المفكر المصري علي عبد الرازق يقول، إنه حتى رواد المقاهي ينهون جلسات النقاش بالخناق.

قسم لينين الرفاق حتى قبل الوصول الى روسيا بين اكثرية واقلية. “بولشفيك” و”منشبيك”. وحظ الأقلية واضح، الالغاء. لن يقف أحد في وجه “ثورة اكتوبر المباركة”. عندما حاول السلوفاكي الكسندر دوبتشيك العام 1968 أن يعطي “الاشتراكية وجهها الإنساني”، ارسل ليونيد بريجنيف إلى براغ جميع دبابات حلف فرصوفيا. وعندما حاول ميخائيل غورباتشوف بعد 20 عاماً تنسيم النظام بالبيريسترويكا، تهاوت الشيوعية برمّتها، بعدما راوحت متغيراتها منذ لينين، بين “الجلاد البالغ الهدوء” جوزف ستالين، وسوطه بيريا، الى يوري اندروبوف، الذي أيقن كمدير للمخابرات، أن الاتحاد السوفياتي لا يمكن أن يستمر على هذا النمط: رواد يتنزهون في الفضاء، وطوابير على الأرض تقف في انتظار حصتها من الملفوف أو اللحم.

بريطانيا أيضاً عرفت حياة التقنين بعد الحرب الثانية.الشاي كان مراً، يفتقر الى السكر. والمانيا الغربية كانت تشتهي علبة سجائر. لكن الغرب الليبرالي قام من كارثته في سرعة عجيبة، فيما طال التقشف على الشرقيين الشيوعيين. ومع التقشف، نقص شديد في الحرية. ومحاولات رومانسية أو قاتلة، لإلغاء الفرد وإقامة نظام الجماعة. وفيما تعثر الحلم الاشتراكي، كانت اميركا تتجاوز أكبر كارثة اقتصادية ضربتها في العشرينات، ثم تتحول إلى أكبر قوة مالية في مجتمع مفتوح، علّته وميزته، رأسمالية جشعة، متوحشة احياناً، لكنها تثبت قدرتها على الصمود، فيما تلهث الشيوعية من “خطة” الى “خطة”، ومن مصطلح عاجز الى آخر.

عكف الشيوعيون العرب شواربهم مقلدين ستالين، بدل أن يتبنوا اشتراكية ديموقراطية منفتحة، كما سوف يتحسر كريم مروة في “حوار العمر” مع جيزيل خوري. بل ذهب الى القول أنه اقترح استبدال اسم الحزب الشيوعي بشيء أقل صداماً، كما فعل الاوروبيون.

رفعت السعيد وشيوعيو مصر كانوا أكثر إلفة بالمجتمع من غير أن يكونوا أقل التزاماً. ورفعت السعيد كان المثال الأكثر سطوعاً في بلد دفع الشيوعيين واليساريين الى السجن أو الى المنفى، كما في حال المفكر الكبير انور عبد الملك، الذي ذهب الى باريس يمارس حريته الفكرية، ولم يعد إلى مصر إلا في رحلة التراب الى التراب. كثيرون من النقاة يفضلون أن يحبوا شعوبهم من بعد، لأنهم لا يثقون بصدقها: ريمون اده من باريس. فؤاد شهاب من صومعته. شارل ديغول من كولومبي. والمسيح من الناصرة، معلناً في ذروة اليأس، أن مملكته ليست من هذا العالم.

دخل رفعت السعيد السجن العربي غير مرة. لكنه لم يتنكر لعبد الناصر، لأنه كان يقف إلى جانب الفقراء. وظل منفتحاً على الجميع حتى اللحظة الأخيرة، من غير أن يعقف شاربيه في وجه أحد. والذين كتبوا عن دور اللبنانيين في مصر، أوقفوا الأمر على ريادتهم في الصحافة والفكر والأدب والتجارة، بمن فيهم مسعود ضاهر (هجرة الشوام إلى مصر)، وفارس يواكيم (ظلال الأرز في وادي النيل). غير ان رفعت السعيد أضاء على مساهمتهم الكبرى في تأسيس الحركة الاشتراكية والعمل النقابي. ونادراً ما ترى ذكر هؤلاء عند سواه، عند أهل اليسار أو أهل مصر. ذلك هو الزمن الذي شاركنا فيه في عصر النهضة. وكانت حصتنا فيه مذهلة النسبية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*