الياس سركيس النظيف الكف حافظ على المؤسسات والعملة لكن ضعفه وتردده في حلّ الأزمات أبرز سلبيات عهده

من أرشيف النهار
إعادة نشر
237062017

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتب في “النهار” بتاريخ 17 تشرين الأول 1995 حمل عنوان: “ماذا أحب الناس وماذا كرهوا في رؤسائهم؟ الياس سركيس النظيف الكف حافظ على المؤسسات والعملة لكن ضعفه وتردده في حلّ الأزمات أبرز سلبيات عهده”.

بعد حلقات عن الرؤساء بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل حلو وسلميان فرنجية، تنشر “النهار” آراء بعض المسؤولين الذين عملوا مع الرئيس الياس سركيس، او رافقوا تجربته. فقد أحب اللبنانيون في عهد الرئيس سركيس محافظته على وحدة المؤسسات وعلى القوة الشرائية للعملة اللبنانية، وعدم تسخيره الادارة والحكم لمآرب شخصية، فضلا عن نظافة كفه وعفة لسانه… ورفضه التجديد والتمديد. لكن البعض أخذ عليه انه كان ضعيفا ومترددا ولا يحسن اتخاذ القرارات الحاسمة، وانه أدار الازمة بدلا من ان يجد حلولا لها. وكره فيه البعض عمله على انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية.

وهنا شهادات لعهده وعليه:

الرئيس شفيق الوزان: “من الصعب القول ان عهد الياس سركيس كان كبقية العهود التي تكون عادة بطبيعة واحدة مستمرة. ان عهده كان ممتلئا بالاحداث التي جعلت البلد في حالات انقسام دائمة، بلغت حدا يهدد الكيان والمجتمع والمصير اللبناني بالذات. الامر البارز الذي استطيع الانطلاق منه هو أننا امام رئيس مؤمن صادق، ليس له من الهوى الشخصي او المطامع ما يجعله يتجاوز المبادىء والاصول. كان رجلاً محبا للوطن ناذرا نفسه لخدمته. عندما تم انتخابه رئيسا، ظن الناس واكثر القوى المتصارعة ان اعادة الاستقرار قد بدأت، وان وفاقا وشيكا لا بد ان يتم من اجل ان يسود السلام الاهلي، وما يتبعه بعد ذلك من اصلاحات على كل صعيد، بما في ذلك السياسية والاعمارية. لكن، وبكل أسف، فان القوى التي كانت تعمل في لبنان او خارجه، اقليميا او دوليا، لم تكن لتترك لبنان في مساره السليم، وقد أمضى الرئيس سركيس السنوات الاولى من عهده وهو يحاول ان يجمع المسؤولين السياسيين في حكومة واحدة، لكن الظروف لم تكن مؤاتية، فسلك الرئيس سركيس طريق المحافظة على الحد الادنى من المصالح اللبنانية لعدم الوصول الى التقسيم. أما الهاجس الثاني لدى سركيس فكان الوضع الاقتصادي وكيفية الحفاظ على قوة الليرة الشرائية وتثبيت سعر صرفها في مقابل العملات الاجنبية. يقول البعض انه كان يدير الازمة ولا يحلها. هذا قول ظالم في رأيي، فادارة الازمة تعني كما لو ان الرئيس سركيس والحكم معه كانا يتقبلان هذه الازمة وهما يحددان مسارها، وهذا ظلم، الجميع في الحكم كان يتصدى لها، لكن منع تفاقمها ليس ادارة لها. وقد بذل سركيس جهدا مميزا لمنع تفاقمها وللجم التحركات المسلحة، اذ كان هناك من له غايات اخرى ليس هنا مجال لاثارتها. وآخر تحرك في هذا المعنى كنت مشاركا فيه مع الرئيس سركيس عندما طالب لبنان باستراتيجية عربية موحدة مبنية على التفكير التالي: اما ان نحارب اسرائيل، فيجب ان يكون ذلك من العرب جميعا، وبالتالي يجب تحديد دور كل بلد عربي، وخصوصا الدول المحيطة باسرائيل. واما ان يكون هناك هدوء شامل ومتابعة للشأن الديبلوماسي والسياسي امام المحافل الدولية والاقليمية. لكن كل ذلك بقي حبرا على ورق. أذكر انه عندما اشتدت معركة انتخاب رئيس للجمهورية، كنت أنا أحد الاشخاص الذين رجوا الرئيس سركيس ان يقبل بالتمديد ولو لسنة واحدة ليهيىء لمجيء رئيس جديد تكون له المواصفات الجامعة للصف. لكنه بلغ من التعب وعدم الرغبة في اي تعديل منعا لخلخلة الدستور، ما جعله يرفض رفضا قاطعا. ولعله كان يدرك انه ليس في قدرته بعدما وصلت الامور الى ما وصلت اليه، استئناف عمل تكون فيه الميليشيات مسيطرة، فكانت فرصته ان يترك. انا افهم الذين أحبوه لقيم كان يؤمن بها، كاخلاصه للبنان، ولقسمه وان يكون وفيا للدستور ولمبادىء وحدة الشعب ووحدة الدولة والشرعية، وفيا لتطلعاته العربية، اذ انه كان يؤمن ايمانا صادقا بضرورة قوة العلاقة اللبنانية – العربية، باعتبار ان لبنان بلد عربي وعضو في جامعة الدول العربية، ولا اشكال في ذلك عند الرئيس سركيس وأكثر من ذلك، كان يؤمن بعلاقة مميزة مع سوريا تفرضها روابط عدة. لقد بذل كل ما استطاع، وعندما حان موعد تسليم المسؤوليات، لعله ارتاح ان ينزل الحمل عنه، ولكنه بقي كمواطن وكرجل يعمل في الشأن العام ويحمل في نفسه همّ هذا الوطن. ومن المؤسف ان يكون هذا العمل قد أثّر في نفسه وفي صحته التي تدهورت نتيجة ما تحمله. فهو من النوع الذي يكبت مشاعر الاسى ويتمتع بالقدرة على التحمل بصمت لا يتحمله آخرون. واذا سألتم بأي مرض توفي الياس سركيس؟ لقد مات من تلف الاعصاب التي حملت فوق طاقتها. أعتقد ان لا أحد يكره الياس سركيس كرها نابعا من شخصيته، ولعل البعض كان يكره سياسته. لا شك ان ما مرّ على لبنان جعل الكثيرين يترحمون عليه وعلى عهده وأعماله. الشعوب لا تكتشف ميزات قادتها الا بعد سنوات من وفاتها او من تركها الحكم. فنقول حمدا لله ان التاريخ هو خير ناطق وخير مخلد، والجميع يقدّر اليوم تضحيات الياس سركيس واخلاصه لوطنه”.

الوزير السابق الياس سابا: “قد تكون المحافظة على المؤسسات اهم ما أنجز الرئيس الياس سركيس في عهده، اذ كان حريصا جدا عليها، سواء كانت سياسية او قضائية او أمنية او عسكرية او نظامية. هذا أهم انجاز له كونه أتى الى الرئاسة في بداية الحرب، وبالتالي كان همه ألا يدع الحرب تشتت المؤسسات، واعتقد انه نجح الى حد كبير في ذلك. أما انجازه الثاني فكان المحافظة على سعر صرف الليرة، وهذا انجاز لا يمكن أي لبناني ان ينكره. اما انجازه الثالث، الذي لا يعتبره بعض الناس انجازا بل ضعفا وتقصيرا، والذي اعتبره انا انجازا، فانه حاول جهده الا يجعل الدولة تنحاز الى فريق سياسي داخل لبنان على حساب فريق آخر، اي انه حاول ابقاء الدولة على الحياد خلال الصراع في وجهه الداخلي، وأعتقد ان هذه نقطة ايجابية تسجل للرئيس الياس سركيس. وقد يأخذ عليه البعض هذا الموقف الحيادي كذلك تمهيده عن معرفة او غير معرفة لوصول الرئيس بشير الجميل وبعده الرئيس امين الجميل الى الحكم، وهذا مأخذ اساسي على عهد الرئيس سركيس”.

النائب عصام نعمان: “جاء الرئيس الياس سركيس في ظروف صعبة للغاية، اذ كانت الحرب قد بدأت فعليا وكان التقاتل على أشده. كان الشخص الذي تقاطع على اختياره أكبر عدد من القوى السياسية اللبنانية، فراح يمارس دورا لم يكن قد أعد نفسه له عندما ترشح للرئاسة، وهو دور مدير للأزمة، ذلك انه لم يجد لها حلا او مخرجا، فارتضى ادارتها. وعندما دخلت اسرائيل ووصلت الى بعبدا، اصبح همه الاول تسليم الرئاسة الى رئيس جديد يأخذ على عاتقه مسألة حل الازمة، واذا لم يتمكن من ذلك، ان يقوم بادارتها. لذلك رفض كل بحث في تجديد ولايته او تمديدها، ولم يعترض البتة على المساعي التي بذلت لايصال الشيخ بشير الجميل، بل لعله ساند هذه المساعي بقصد الاسراع في ملء مقعد الرئاسة الاولى والخلاص من هذه المأساة. وقد أخذت الاوساط السياسية عليه هذا التسرع في تأييد الشيخ بشير لأنه كان في امكانه، بحكم موقعه وبحكم حياده النسبي بين القوى المتصارعة، ان يساند شخصية مارونية اخرى مقبولة اكثر بين الاوساط السياسية. كان قد شبع من الوضع المأسوي واراد ان ينجو بريشه مهما كلف الامر. يمكن القول ان الرئيس سركيس هو من الرؤساء القلائل الذين لم يسخروا الادارة لمآرب شخصية. فقد كان نزيها وعلى قدر من الحياد مكنه من التعاطي مع جميع الاطراف، فلم يكن منحازا، وان كانت الحركة الوطنية قد اتهمته بأنه كان يخضع للجبهة اللبنانية. الرئيس سركيس كان محترما عالميا وعلى صلة مع الجميع، ولم يحاول ان ينحاز الى هذا المعسكر العربي او ذاك. كان يحاول ان يستفيد من الدول العربية جميعا من اجل ايجاد حل للقضية اللبنانية، وكان متفهما اكثر من غيره للبعد الاجتماعي في الازمة اللبنانية. الا ان ظروف الحرب منعته من القيام بخطوات محسوسة في هذا المجال، وان كان حاول بالتعاون مع الرئيس الدكتور سليم الحص ايجاد مجلس الانماء والاعمار من اجل اعمار ما دمرته الحرب، وخصوصا البنى التحتية. لا أعتقد ان اللبنانيين كانوا ضد الرئيس سركيس. بالعكس، اعتقد ان الشعب تفهم الدور الذي كان يقوم به، وان أخذ عليه البعض ضعفه النسبي، وهو ضعف ناتج من ضعف الدولة ووجود هامش ضيق للمناورة أمامه. الا ان الشعب كان يعتقد انه ربما يمكن ان يكون اقوى في مواجهة الاطراف المعادين لكيان الدولة، وأعتقد ان وضعه ما كان ليحسد عليه. وانه وجد بعد التجربة ان ادارة الازمة ربما افضل من التصدي لها في تلك الظروف الصعبة”.

النائب سليم حبيب: “الرئيس الياس سركيس تسلم الحكم في ايام صعبة، لكنه استطاع ان يدير الازمة في شكل جيد. لقد أتى الى الحكم ولم يستطع ان ينفذ طموحاته لكنه استطاع ان يحافظ خلال عهده على سعر صرف الليرة، وكان الفضل في ذلك لمعالي وزير المالية آنذاك فريد روفايل. ظل اقتصاد البلد سليما وحافظ على قوة الليرة الشرائية، وهذا في رأيي اهم انجاز قام به الرئيس سركيس. وقبل نهاية ولايته زاره وزير الخارجية الفرنسي كلود شيسون بتكليف من الرئيس ميتران وطلب اليه ان يجدد لفترة معينة لان الظروف تتطلب ذلك، وخصوصا بعد اغتيال الرئيس بشير الجميل، وكان موقف الرئيس سركيس حازما: احترامه للمؤسسات والدستور والقانون جعله يرفض رفضا قاطعا التمديد. كان همه بناء المؤسسات، وأقول ان المؤسسات تحمي الشعب ولا يمكن ان تقوم دولة من دون المؤسسات. هي النظام الذي يجب ان نحترمه. والذي يعطي كل انسان حقه. أقول ان الرئيس سركيس كان يجب ان يأتي في ظروف اخرى، وأتصور انه كان يستطيع عمل الكثير من اجل لبنان، وهو أكمل الخط الذي بدأه الرئيس شهاب. كان من الصعب اتخاذ القرارات آنذاك، ولم يكن من السهل ان يؤثر عليه احد في هذه القرارات. وقد عمل بحسب ضميره وقناعته، ولمصلحة لبنان. وكان همه انهاء الازمة بالطريقة الفضلى، ويمكن ان فئة من الشعب لم تقدره كفاية خلال فترة رئاسته، لأن الشعب كان يعيش ايضا في ظروف ضاغطة، وكان همه الاساسي ان يتخلص من الازمة، وظن ان الرئيس سركيس سيخرجه من تلك الازمة. يجب الا ننسى ان الشعب كان ذا اتجاهات كثيرة، وحاول الرئيس سركيس السير بينها. وأؤكد ان همه لم يكن ارضاء الشعب فقط، بل مصلحة لبنان”.

النائب حبيب صادق: “ان الحظ لم يحالف الرئيس الياس سركيس، ذلك انه جاء الى الحكم في ظروف معقدة. لم يتسن له ان يدير دفة الحكم كما ينبغي او كما كان يرغب، وذلك ابتداء من انتخابه رئيسا. من هنا، فان فريقا من الناس اصيب بخيبة بعدما كان يعلق على الرئيس سركيس آمالا كبيرة، لجهة ان الدولة اللبنانية في اجهزتها العامة وسلطاتها كانت في أمس الحاجة الى عملية انقاذ. عرف عن الرئيس سركيس انه نزيه وعفيف اليد والضمير واللسان، مترفع عن استخدام الوظيفة. مثقف ومتزن، وهو الوريث الشرعي لعهد اللواء فؤاد شهاب. اقول ان الرئيس، بما يمثل، قد حُرم من وضع امكاناته في طريق انقاذ البلد، من هنا جاءت خيبة الناس به وبعهده، وهذا أمر لا ينبغي ان يحمّل ظلما للرئيس سركيس، لأن ظروفا موضوعية، بالاضافة الى بعض الظروف الذاتية، قد اجتمعت لتحول دون قيام الدولة اللبنانية. ثمة مجموعة من الصفات تحلى بها الرئيس سركيس: عفة الكف اولا، ثم عفة الضمير ثانيا، ثم عفة اللسان ثالثا. نحن في لبنان أحوج ما نكون الى هذه الفضائل يتحلى بها الحكام. اما الصفات السلبية فربما تتلخص في عدم القدرة على اتخاذ القرارات، وهذا ناجم عن ان الرئيس سركيس لم يعرف الحياة السياسية ولم يمارس العمل السياسي الذي من شأن اصحابه ان يتمتعوا بالقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة.، فهو قد أمضى معظم حياته موظفا، صحيح انه كان في اعلى المراتب الوظيفية، وقد وفرت له هذه المناصب امكانات العمل الاداري، لكنه كان يتلقى القرارات والتوجيهات والاوامر من السلطة السياسية. كان على جانب كبير من الصدقية في عمله الاداري. وهناك سببان رئيسيان في رأيي لعدم قدرته على اتخاذ القرارات المناسبة: سبب ذاتي وسبب موضوعي. السبب الذاتي بنيته وتكوينه وتربيته. فكل الوظائف التي تولاها ما كانت لتصوغ الياس سركيس صوغا يحمله على اتخاذ القرارات المستقلة. فالموظف الاداري يتلقى التوجيهات والقرارات والاوامر من السلطة، وهو كان حريصا على تنفيذ ما يتلقاه، وقد أثر ذلك على بنيته الذاتية. اما العامل الموضوعي فكان الظروف الاستثنائية والمعقدة جدا، والتي ضاعفت الاعباء والمحن واثقلت كاهل الياس سركيس وشغلته عن ممارسة القيادة السياسية من موقع القرار. وهناك، تحت عنوان السلبيات ايضا، استسلام الياس سركيس في ايام حكمه الاخيرة لطموحات شاب اسمه بشير الجميل. أفاض الرئيس سركيس في تجاوبه مع بشير الجميل الطامح الى رئاسة الجمهورية تحقيقا لمشروعه التوحيدي تحت الهيمنة المطلقة، ولا اعتقد ان الياس سركيس كان على جهل بالعلاقات التي كانت قائمة ما بين بشير الجميل والعدو الاسرائيلي. وهذا أمر يضاعف من مسؤوليته”.

القاضي يوسف جبران: “تسلم حاكمية مصرف لبنان لمدة طويلة وكذلك رئاسة الجمهورية، لذلك كان له علم وثيق بادارة الدولة والنقد الوطني. اكثر ما أحب فيه الناس انه كان رجلا صامتا وفاعلا، اي ان همه لم يكن الظهور في التلفزيونات والصحف بل العمل لبناء دولة. وحين تسلم الرئاسة لم تكن اي مؤسسة موجودة باستثناء القضاء، فعمل على بنائها وساهم في تحسينها. اعتقد ان كل المفكرين في ذلك الوقت كانوا يقدرون الياس سركيس، لكن الذين كانوا يطمحون الى تقسيم البلد والانقضاض على أجزاء منه، اتهموه بأنه آلة تنفذ. واعتقد ان هذا ظلم. أيام كنت وزيرا للاعلام، جاءني مندوب “واشنطن بوست” راجيا مني اجراء حديث مع الياس سركيس الذي رفض مفضلا العمل على الكلام. مات هذا الرجل وهو يحمل همّ البلاد، وكان يعمل ما في وسعه لتخفيف العبء عن الناس، ويكفي انه حافظ على العملة الوطنية”.

نقيب المحامين سابقا ميشال خطار: “كان الرئيس الياس سركيس زميلا وصديقا حميما في فترة دراسة المحاماة. كان رجلا هادئا يقوم بواجباته على أكمل وجه. ايام الدراسة لم يكن لديه طموحات سياسية اطلاقا، لكن في ما بعد قطعت علاقتي به بعد توجهي الى المحاماة وانتقاله الى الوظيفة. تقلب في مراكز كبيرة، كرئيس غرفة في محكمة رئاسة الجمهورية وكان ناجحا جدا، فلفت نظر الرئيس فؤاد شهاب الذي تبناه ودفعه الى السياسة وجاء الى الرئاسة الاولى. هذا الانسان مر في ظروف صعبة، اي انه لم يكن يستطيع ان يظهر مواهبه السياسية خلال فترة رئاسته. كان عاقلا، أدار الازمة بحكمة، وتلافى الخضات الكبيرة التي وقع فيها غيره وأدت الى القتال. كانت الاوضاع المالية في عهده جيدة وحافظت العملة الوطنية على قيمتها وهذا ما يدل ان ادارته للأزمة ممتازة. لا أعتقد ان الشعب كره شيئا في عهده، لكنه بصفته قائدا لقوات الردع العربية، طلب ان تترك هذه القوات لبنان، فلم تلب طلبه، ولم يكن مسيطرا سيطرة كاملة على مقود البلاد، اذ انه وقع تحت ضغوط لم يكن في امكانه التخلص منها. واعتقد ان مرضه ناتج من هذا الضغط الذي كان خاضعا له خلال فترة رئاسته. مخلص ونظيف الكف وصاحب مروءة، فلم يثبت انه تعاطى الصفقات او قضايا درّت عليه اموالا خاصة، فهو كان من هذه الناحية نزيها ومجردا كل التجرد”.

رئيس بلدية بيروت محمد غزيري عرف الرئيس سركيس منذ ايام ديوان المحاسبة، “فأنا ممن تتبعوا ارتقاءه حتى وصل الى سدة الرئاسة، واعرف كم قدّم خدمات للدولة وللبنان. كان يملك طاقات كبيرة وانما اتى رئيسا في ظروف صعبة جدا، ولا أتصور ان اي شخص سواه يستطيع فعل ما فعل او افضل منه، وهو يستحق كل تقدير واحترام. كانت طموحاته كبيرة وأفكاره بناءة. فعلينا ان نفيه حقه لانه يستحق التقدير. أذكر كوني مهندسا، انه كان يهتم بالاعمار وكانت لي مسؤولية ادارية في الدولة وهو كان يرغب في نهضة انمائية واعمارية، والدليل ان مجلس الانماء والاعمار تأسس على ايامه بالتعاون مع دولة الرئيس الحص. وكانت الامال معلقة على ان يؤدي هذا المجلس خدمات عدة للبنان وقد ادى بعضا منها، لكن ضمن اطار محدود لأن الظروف كانت صعبة، حتى ان صحته تأثرت ودفع ثمن ذلك. في مجال تعاوني معه، من يوم عرفته وحتى آخر ايامه، لم يتبين لي اي سوء تدبير او تصرف او انه تغاضى للحظة عما كان يجب فعله. من ابرز انجازاته انه حاول الحفاظ على كيان لبنان ومجلس الانماء والاعمار الذي ما زال مستمرا حتى الآن. كان يحب المشاريع ويفرح لانجازها، حتى انه كان يتابعها في تفاصيلها.

القائد العمالي الياس الهبر: “كانت الظروف صعبة جدا عندما كان الياس سركيس في رئاسة الجمهورية، فلم يستطع ان يضبط ادارة البلد فارتضى ادارة الازمة. ركز على بعض المواقف، ومنها عدم تقسيم لبنان ونجح في ذلك. ركز على وحدة الارض على رغم ان وحدة الشعب والمؤسسات بقيت مهتزة. تعاون بمسؤولية مشتركة مع سوريا وظل على رغم صعوبات الظرف متعاونا من اجل مصلحة لبنان. أما ما يؤخذ عليه فهو اهماله لبعض القضايا التي كان في مقدوره معالجتها كوقف القتال، فقد كان شاهد زور على هذا الوضع وكان الشعب يحمّله مسؤولية استمرار القتال بعد انتخابه رئيسا للجمهورية خلفا لسليمان فرنجية. اما القضايا الاخرى فيمكن القول انه تعاطاها بمسؤولية. كان نظيف الكف وتميز عهده بالهدوء والمسؤولية أكثر من العهود الاخرى”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*